تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قراءة القرآن باللغة العبرية

تم مؤخرا نشر الترجمة الخامسة العبرية للقرآن الكريم، وهي الترجمة الأولى التي تتم على يد مترجم مسلم مؤمن.
RTR1HXHK.jpg

ها هي نسخة جديدة عبرية من القرآن الكريم تُضاف إلى كتب البلاد، وبذلك يرتفع عدد الترجمات العبرية إلى خمس ترجمات. وتحمل الترجمة العبرية الأحدث للنص المقدس اسم «القرآن بكلمات أخرى.» وخلافا للترجمات الأربعة السابقة التي قام يهود بترجمتها، كان مسلمون هذه المرة وراء هذا المشروع.

في حين أن الجمهور المستهدف من هذا الكتاب هو إسرائيلي، كان المبادر للمشروع والناشر أردنيا. فقد تولى نشر الترجمة وإصدارها مركز بيانات المستقل لدراسة الإسلام في عمان.

وقد عمل على ترجمة النص صبحي علي العدوي، وهو أستاذ عربي-إسرائيلي من قرية توران في الجليل وأب لستة أولاد أكاديميين يبلغ من العمر 60 عاما. ويصف العدوي نفسه بأنه «مؤمن ولكن بعيد عن السياسة.» وقد درّس العبرية والعربية على مدى السنوات الـ 40 الماضية في مدارس موزّعة على جميع أنحاء الوسط العربي، وهو يعمل كمدير في المدرسة الثانوية اليوم في قرية الرينة.

في تصريح للمونيتور، قال العدوي إن «الترجمة ليست عملية استبدال بعض الكلمات بمعادل في اللغة الهدف فحسب بل هي القدرة على نقل روح اللغة.» مضيفاً إن «القرآن الكريم مليء بجمل طويلة وملتوية، ولكنه مترع بأفكار تتمتع بصياغة جيدة. فيتعين على المترجم الحفاظ على تماسك النص، علما أن أحدا من أسلافي لم ينجح في الحفاظ على هيكل النص الأصلي بكامله. فلجأ بعضهم إلى استخدام لغة الكتاب المقدس، في حين فرض البعض الآخر نوعا من الصلة مع الكتاب المقدس، علما أن القرآن الكريم هو نص مستقل. أما نصي فلا يتضمن أي تدخل شخصي من أي نوع فأنا لم أضف أي كلمة ولم أحاول إعادة صياغة أي جملة.»

وقال العدوي إنه كان شديد الحرص على عدم إفساد كلمة الله. «كان لي الشرف أن أكون المسلم الأول الذي يترجم القرآن الكريم إلى العبرية. وكان أي مؤمن ليشعر بمسؤولية كبيرة تجاه الترجمة.»

تمت الترجمة الأولى للقرآن إلى اللغة العبرية على يد هيرمان ركندورف الألماني-اليهودي في 1857. أما العدوي فيعتبر أن هذا العمل الرائد بمثابة مذلة إذ إن ركندورف يعتقد أنه تمت سرقة القصص في القرآن من الكتب المقدسة اليهودية وأن اللغة العربية هي ذات نوعية رديئة. عام 1936، تم نشر ترجمة جديدة لجوزيف جويل ريفلين (والد الرئيس الاسرائيلي روفين ريفلين.) وقد تم نشر ترجمة أخرى لأهارون بن شيمش عام 1971. أما النسخة الأحدث والأكثر توافراً اليوم فقد قام بترجمتها أوري روبين منذ عشر سنوات وقامت بنشرها مطبعة جامعة تل أبيب.

قضى العدوي 3 سنوات ونصف في العمل بشكل مكثف على هذا المشروع فصرّح أنه «كان جهداً بكل ما للكلمة من معنى،» مضيفاً «كان عملاً شاقاً ومرهقاً، ولكنه أشبه بفعل عبادة. لقد اعتمرني شعور بالجلال وأنا أعمل عليه. ولقد قاربته بشعور من الرهبة الإلهية. ففي نهاية المطاف، القرآن الكريم هو قدس الأقداس.» والنتيجة هي جديرة بالاحترام، وهي طبعة أنيقة، وفي نفس الوقت متاحة لقراء اللغة العبرية المصقولة، وهو إنجاز نادر لشخص ليست العبرية لغته الأم.

أما التحدي الأكبر الذي واجهه العدوي في أثناء عملية الترجمة فهو «نقل الكلمات كما هي. لقد عملت انطلاقا من إيمان عميق بأنني أردت نقل القرآن بطريقة تبقى وفية للغة العبرية. وفي حين قد تبدو العملية بسيطة، إلا أن القرآن الكريم هو ضحية لأحكام مسبقة غالبا ما تعرضه ظلما لتفسيرات مشوهة وخاطئة، حتى بين بعض المسلمين. فهناك من يحكم على القرآن استناداً إلى آية واحدة، أو حتى مجرد جزء من الآية. كما كان هناك العديد من التحديات اللغوية. فالأفعال مستخدمة في زمن الماضي، ولكن يجب أن تتم ترجمتها استناداً إلى توقيت الأحداث المقدر. وعديدون هم المترجمون الذين وقعوا في هذا الفخ.
«إن القرآن هدية للبشرية جمعاء. وهو يحتوي على مبادئ توجيهية للعيش السليم والثواب والعقاب. وهناك فصول عن احترام الآخر، وأخرى تحث الناس على «الذهاب والنظر» والسفر حول الأرض واستخلاص العبر. انظروا إلى عدد الدول الذي كان هنا. انظروا كيف أنها ازدهرت وسقطت في نهاية المطاف لأنها انحرفت عن الطريق المستقيم والضيق. هذا هو القرآن. هو دليل للبشرية.»

وتساءلتُ: «إذا كان ذلك صحيحا جدا، فلماذا هو عرضة لكل ذاك العداء؟»

وإذا بالعدوي يضيف: «إنها قضية سياسية لا علاقة لها بالدين. عندما تغوص في أعماق القرآن، لن تجد أي شيء يشجع على القتل والإرهاب، وذلك بعكس تفسير بعض الناس للنص. فالقرآن يحظر القتل. وهو يعتمد على لغة الميشناه اليهودي، عندما يقول في الآية 32 من سورة المائدة « من قتل نفسًا بِغيرِ نفسٍ أو فساد في الأَرض فكأنّما قتل النّاس جميعا ومن أحياها فكأنّما أحيا النَّاس جميعا.» فعلى المؤمن التمتع بأخلاق عالية إذا ما تشاجر مع شخص يفكر بطريقة مختلفة عنه. في القرآن العديد من الإشارات إلى العهدين القديم والجديد. ونحن نعتقد أن النصوص الثلاثة مستمدة من لوحة واحدة مخبأة في السماء، إلا أن هناك بعض التشوهات التي طرأت على النصين الآخرين.»

وفقا لعقيدة المسلمين، القرآن منزل من السماء إلى العالم بعد أن رأى الله أن اليهود والنصارى شوهوا رسالته الإلهية. وبالتالي، يعتقد المسلمون أن القرآن هو النص المقدس الوحيد الذي لم يتم تشويهه. وفقا للقرآن، المسلمون هم شعب الله المختار، وليس اليهود الضالين.

وقال العدوي إنه في حين أن كثير من الناس في جميع أنحاء العالم يعتبرون أن تنظيم الدولة الإسلامية هو الأكثر دفاعاً عن الإسلام، «ما يقوم به التنظيم ليس من الإسلام بل جريمة ضد الإنسانية، فما من وصية في القرآن تدعو لقتل الأطفال وكبار السن وهم يتجولون في حديقة من حدائق باريس. لا يوجد أي أساس لعمل مماثل في القرآن. هناك أشخاص يسمح لنا بقتلهم، ولكن هناك أيضا مساحة شاسعة للتسامح والشمولية واحترام الآخر. لذا، الإصغاء مهم جدا والقرآن الكريم يكرس مساحة كبيرة للإصغاء.»

عندما أشار المونيتور إلى أن موقف القرآن تجاه اليهود ليس بغاية الودية، أجاب العدوي قائلاً: «هناك انتقادات وتوبيخات، ولكن القرآن يعتمد الموقف ذاته تجاه المسيحيين وبعض المسلمين أيضاً. وتقول سورة البقرة، على سبيل المثال، إن اليهود يكفرون بمواثيقهم.»

وردا على سؤال حول كيف أن السورة نفسها تدعو اليهود «قردة،» أجاب: «إن الآية تشير إلى اليهود الذين انتهكوا السبت» وتقول: «كونوا قردة خاسئين» ولا تشير الى كل اليهود.»

أضاف العدوي «أعتبر نفسي رجلا معاصراً» وقال «انا منفتح الذهن ومستنير وأحترم الناس بغض النظر عمن هم. الإنسانية هي القيمة العليا بالنسبة لي، ولكن هذا لا يمنعني من الإيمان في الإسلام، وهو إيمان أفتخر فيه.»

أما المترجم والمحاضر في التعليم نبيل طنوس فقد أثنى على ترجمة العدوي وقال للمونيتور: «لقد ترجم العدوي القرآن بالطريقة عينها التي قد أترجم فيها قصيدة. ومن الواضح جدا أنه يحلم بهذه الكلمات، فترجمته غير حرفية، وهو ينقل فكرة النص بوضوح«.

بحسب طنوس، الذي يدرس في الكلية العربية للتربية في حيفا، قام الناشر الأردني بعمل رائع. «الطريقة التي تم تصميم النص فيها من الناحية البصرية واضحة جداً. هناك من عارضوا قرار المترجم القاضي بإدراج تعليق جانبي، ولكن هذه التعليقات مفيدة جدا للقراء الفضوليين والباحثين. وقد أخذ المترجم على عاتقه إضافة علامات صوتية للإشارة إلى أحرف العلة وواجه التحدي بجدارة. باختصار، لقد قام بعمل رائع.»

More from Jacky Hugi

Recommended Articles