تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أشرف فياض... حين تتآمر الدولة على قتل الشاعر

أشرف فياض، شاعر فلسطيني، مفيم بالسعودية، حكم عليه بالاعدام في نوفمبر الماضي بتهمة التحرش بالذات الإلهية، وانتفضت مدينته غزة للدفاع عنه، إلى جانب حملة مناصرة عالمية.
ashraf.jpg

مدينة غزّة - لم يصدّق أستاذ التربية الفنّيّة في إحدى مدارس السعوديّة أنّ هذا الطفل قد رسم هذه اللوحة المتقنة، فضربه وألحّ عليه أن يخبره من الذي رسمها. بكى الطفل وأقسم أنّه هو من رسمها، وفي اليوم التالي جاء والد الطفل وهو فلسطينيّ من قطاع غزّة، ليؤكّد للمدرّس أنّ ابنه من رسم اللوحة، فهو موهوب.

بعد أكثر من عشرين عاماً، يحاسب هذا الطفل مرّة أخرى، ولكن ليس على رسمه بل بسبب ديوانه الشعريّ "التعليمات بالداخل" -وهو ديوان شعر، به قصائد شعرية عن الوطن والذات والحب، وأصدر عام 2008 - بتهمة الدعوة إلى أفكار ملحدة. إنّه الشاعر أشرف فيّاض (32 عاماً) الذي حكم عليه في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 بالإعدام.

روت شقيقة أشرف، رائدة فيّاض (37 عاماً) لــ"المونيتور" هذه الحادثة القديمة عن مدرّس الرسم، وتفاصيل حكم الإعدام، أثناء لقاء في منزلها، في بيت حانون شمال قطاع غزّة.

وأَطلعت فيّاض "المونيتور" على الأوراق التي أصدرتها المحكمة العليا في مدينة أبها جنوب غرب السعوديّة في 25 أيّار/مايو 2014، والتي تضمّنت تهماً عدّة في حقّ فيّاض، منها نشر الإلحاد بين الشباب في المقاهي، سبّ الذات الإلهيّة، والرسول، والسعوديّة، واحتواء جهازه الخليويّ على صور لفتيات يعرفهنّ.

وبحسب هذه الأوراق، فقد تمّ التراجع عن حكم "الردّة" وهو الإعدام بسبب إعلان المتّهم التوبة، كما شهد أشخاص لصالحه بأنّه غير ملحد، وأنّ سبب هذه القضيّة مشادّة بينه وبين شابّ عضو في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "الشرطة الدينيّة" في السعوديّة. وتمّ الاكتفاء بسجنه أربعة أعوام، والجلد 800 جلدة متفرّقة على 16 دفعة، بين كلّ دفعة وأخرى عشرة أيّام، وتتضمّن كلّ دفعة خمسين جلدة.

ووفقاً للأوراق التي أصبحت في حوزة "المونيتور"، فقد تمّ استئناف الحكم واعتبار اعترافه أهمّ من شهادة الشهود لصالحه، والتي أسقطتها المحكمة، وبذلك يقام عليه حدّ "الردّة"، وهو القتل، وقد صدر الحكم في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الحاليّ.

وتوضح شقيقته أنّ المرّة الأولى التي تمّ استدعاء أشرف من قبل الهيئة في السعوديّة كانت في عام 2013 بتهمة سبّ الذات الإلهيّة، لكنّها برّأت ساحته، لتعيد القبض عليه في عام 2014.

وتؤكّد فيّاض أنّ أشرف وهو أصغر إخوتها، دائم الإبداع، فهو يرسم ويكتب، ويصنع الأفلام، وقد مثّل السعوديّة في العديد من المعارض الدوليّة، ومن هذه المعارض معرض فني في بينالي البندقية عام 2013 وقد مثل أشرف المملكلة السعودية بصفة رسمية حينها، موضحة أنّهم يقيمون في السعوديّة منذ خمسين عاماً، فقد ولدوا جميعهم هناك، لكن ليس في حوزتهم أيّ جواز سفر سوى الوثيقة المصريّة.

وهذه الوثيقة منحتها السلطات المصرية منذ أن أدارت قطاع غزة في عام 1956 حتى مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1993، وقد حملها الآلاف من الفلسطنيين الذي يتواجدون حالياً في دول الخليج، ولا تعترف بهذه الوثيقة غالبية دول العالم، وتسبب الكثير من المشاكل أثناء السفر لحامليها.

وعن ديوانه الشعريّ، تقول إنّ دار الفارابي نشرته خارج السعوديّة في عام 2008 في بيروت، ولم يدخل الكتاب إلى السعوديّة سوى عبر أحد معارض الكتب، مضيفة: "يتحدّث الديوان عن الذات والهويّة، في قصائد تنتمي إلى الشعر الحداثيّ، وقد أقرّت المحكمة في البداية أنّه لا يوجد فيه شبهة إلحاد".

وعن محاكمة الشعر، يقول الكاتب الغزّيّ خضر محجز لـ"المونيتور": "كيف لموظّف أن يحاكم الإبداع والشعر؟ هل هو مؤهّل لتفسير الشعر الحداثيّ؟ بالتأكيد لا، لأنّ مقاييسه غير أدبيّة".

ويضيف: "في عهد الرسول وفي تاريخ الدول الإسلاميّة بعده، لم يحدث على الإطلاق أن تمّت محاكمة الشعراء بسبب إبداعات أدبيّة".

وتوضح رائدة لـ"المونيتور": "بدأت المشكلة حين قام شاب سعوديّ ويدعى ش.ع بمراقبة أشرف وملاحقته، حتّى أنّ أشرف كان يشتكي منه لشقيقتنا التي كانت تقيم في مدينة أبها، وقد تبيّن لاحقاً أنّ هذا الشابّ يعمل مندوباً لدى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وأضافت: "واستمرّ الحال هكذا حتّى حدثت بينهما مشادّة عقب أحد عروض الأفلام في عام 2012، أهانه خلالها هذا الشابّ، ووصفه باللاجئ والشحّات وهدّده".

وهذا الفيلم ضمن مشروع سينمائي مستقل أطلق عليه اسم "السينما السرية".وقد تم لتحفظ على ذكر الإسم لأسباب تتعلق بالمهنية الصحافية وصعوبة الوصول إلى هذا الشاب بالسعودية، وسؤاله عن شهادته.

يروي القصّة ذاتها صديق أشرف من السعوديّة وهو الكاتب بندر خليل، في مقال له نشر في موقع ألترا صوت في 25-11-2015 "خرج أحد الشباب المراهقين للمشاركة في الندوة المفتوحة التي أقمناها بعد عرض الفيلم. وكانت لغته الوعظيّة مقزّزة للغاية، على الرغم من أنّ مظهره كان يميل إلى الحداثة... هذا الشاب هو نفسه الذي وشى بأشرف فيّاض بعد تلك الليلة ببضعة أشهر، وكان جزءاً من المكيدة التي أوصلته اليوم إلى القتل".

وأضاف في المقال: "كان الشابّ النزق الداعشيّ من الداخل، والدخيل على الفنّ والجمال، قد هدّد أشرف حينها بأنّه سيعيده إلى غزّة".

بحسب أوراق المحكمة التي اطّلع عليها "المونيتور"، فإنّ هذا الشابّ ش.ع، هو أحد الشهود الثلاثة الرئيسيّين الذين يعملون أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذين شهدوا ضدّ فيّاض.

ويوضح بندر في المقال أنّ الرجل الذي تولّى القضيّة من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو نفسه يعمل محقّقاً في هيئة التحقيق والادّعاء العامّ، مضيفاً: "في خلط رهيب بين السلطات، يكشف لنا حقيقة الدولة التي هي داخل دولة".

ولطالما آمن هذا الأب بموهبة ابنه أشرف، ودافع عنه أمام الجميع من ضمنهم مدرّس التربية الفنّيّة، لكنّه لم يستطع اليوم أن يفعل ذلك، فتوفّي على أثر جلطة دماغيّة.

تقول رائدة: "قرّرت مع إخوتي أن نخفي خبر حكم الإعدام عن والدي ووالدتي اللذين يعيشان وحيدين بعد سجن أشرف، فقد كان يسكن معهما ويعتني بهما في منزلنا بأبها، لكنّه تلقّى مكالمة من المحكمة أخبره فيها أحد الموظّفين بالحكم، فصدم، وأصيب بنزيف في الدماغ، ليدخل في غيبوبة في 18 من الشهر الماضي، ويتوفّى بعدها بأسبوع".

لم تصمت غزّة، مدينة الشاعر التي درس فيها في جامعة الأزهر منذ عام 1998 وحتّى عام 2000 ليعود بعدها إلى السعوديّة، بحسب شقيقته، أمام هذا الحكم، فقد نظّم أدباء وناشطون فعاليّات لدعم الشاعر فيّاض، بدءاً بهاشتاج #الحريّة لأشرف فيّاض، ومروراً بإنتاج أفلام قصيرة لدعمه.

كما قرأ مثقّفون وأدباء أشعاره في أمسيات شعريّة في القاهرة وتونس ورام الله وغزّة. ووقّع أكثر من ألفي كاتب على بيان طالب بالإفراج عن فيّاض، وليس انتهاء بتنظيم زيارة إلى منزل عائلة فيّاض. وكان يوازي تحرّك غزّة، تحرّك دوليّ لإنقاذ فيّاض، أبرزه عريضة أطلقتها منظّمة العفو الدوليّة "أمنستي".

في مقابل هذا التفاعل، كان هناك تدخّل هزيل من السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، على الرغم من مناشدات الرئيس محمود عبّاس أطلقها النشطاء ومؤسسات المجتمع المدني في قطاع غزة وخارجها، وأحدها تسليم رسالة إلى عباس على هامش تواجده في قمة المناخ بفرنسا، وجاء تصريح السفير الفلسطينيّ في السعوديّة باسم الآغا صادماً للكثيرين، حين قال في 27-11-2015: "تأجيج القضيّة بهذه الطريقة ليس من مصلحة فيّاض، ولا مصلحة قضيّته، ولا يجب أن يتمّ التفاعل مع هذه العدائيّة ضدّ السعوديّة".

ويبدو أن هذا التصريح له بعده السياسي بسبب العلاقات الوثيقة بين السعودية والسلطة الوطنية الفلسطينية، خاصة أن المملكة من أهم المساهمين في خزينة السلطة، وهناك خشية على المستوى الدبلوماسي من تأثر هذه العلاقة.

يقول أشرف في إحدى قصائده: "وأن ذاكرتي قد بدأت بالتآكل! وأنّي لازلت أطارد الضوء، ليس رغبة في الرؤية؛ بقدر أنّ الظلام يبقى مخيفاً.. حتى وإن اعتدنا عليه!".

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles