تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل تؤثّر زيارة البابا تواضروس الثاني إلى القدس على العلاقة بين مسلمي مصر ومسيحيّيها؟

أثار سفر البابا تواضروس الثاني، بابا الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة إلى القدس مخاوف لدى الكثيرين، من تأثير الزيارة سلباً على العلاقات بين المسيحيّين والمسلمين في مصر، بسبب رفض التطبيع مع إسرائيل. لكنّ الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة عقّبت على تلك المخاوف بالقول إنّها ما زالت ترفض زيارة الأقباط إلى القدس، وإنّ موقفها ثابت وهو رفض التطبيع، على الرغم من زيارة البابا تواضروس الثاني إلى القدس.
RTX1W7W1.jpg

آثار سفر البابا تواضروس الثاني، بابا الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة إلى القدس، لترأّس جنازة مطران القدس  الأنبا أبراهام في 26 تشرين الثاني/نوفمبر جدلاً بين الأوساط القبطيّة والسياسيّة، حيث اعتبر البعض أنّ القرار مخالف لموقف الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة الذي اتّخذته بمنع الأقباط من السفر إلى القدس، وممارسة الشعائر الدينيّة. وأصدرت أحزاب عدّة بيانات هجوميّة تعليقاً على سفر البابا تواضروس الثاني إلى القدس، منها حزب الكرامة الذي وصف الزيارة بأنّها تحدث شرخاً في جدار مقاومة التطبيع، ووصف حزب النور السلفيّ الزيارة بأنّها "تمسّ الوطنيّة المصريّة جمعاء –مسلمين وأقباط– حيث أنّ الكنيسة والأقباط جزء من النسيج الوطنيّ المصريّ"، إضافة إلى عدد من الشخصيّات العامّة مثل المرشّح الرئاسيّ الأسبق ورئيس حزب "مصر القويّة" الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح  الذي وصف الزيارة بأنّها "تطبيع مع الاحتلال"، والمرشّح الرئاسيّ السابق حمدين صباحي الذي أكّد أنّ زيارة البابا إلى القدس تضعف القيمة الوطنيّة للكنيسة، ونقيب الصحافيّين يحيى قلاش الذي أعلن رفض النقابة الزيارة.

وبرّرت الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة سفر رأسها البابا تواضروس الثاني إلى القدس في بيان لها تحت عنوان "وطنيّة الكنيسة المصريّة وهويّة الوطن والفانتازيا الإعلاميّة"، ردّاً على الهجوم عليها، حيث قال البيان  إنّ "الكنيسة المصريّة القبطيّة أثبتت عبر التاريخ وطنيّتها".

وأكّدت الكنيسة في بيانها أنّ "موقفها من زيارة القدس ثابت لم ولن يتغيّر، فلا زيارة إلى القدس إلّا مع جموع المصريّين يدّاً في يدّ، وسفر البابا يقتصر على صلاة الجنازة فقط".

ويعود تاريخ قرار منع الأقباط من السفر إلي القدس إلى الستينيّات، في عهد البابا كيرليس السادس بسبب النزاع مع إسرائيل على دير السلطان في القدس الشرقيّة، حيث سلّمته إسرائيل إلى الرهبان الأحباش بعد طرد الرهبان المصريّين منه بعد حرب حزيران/يونيو 1967، واستمرّ القرار في عهد البطريرك البابا شنودة الثالث خلال جلسة المجمع المقدّس في 26 آذار/مارس 1980، وجاء في القرار التالي:

"قرّر المجمع المقدّس عدم التصريح لرعايا الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة بالسفر إلى القدس هذا العام، في موسم الزيارة أثناء البصخة المقدّسة وعيد القيامة، وذلك لحين استعادة الكنيسة رسميّاً دير السلطان في القدس. ويسري هذا القرار ويتجدّد تلقائيّاً طالما أنّ الدير لم تتمّ استعادته، أو لم يصدر قرار من المجمع بخلاف ذلك". ولكنّ القرار أخد صبغة سياسيّة عندما رفض البابا شنودة الثالث زيارة الأقباط إلى القدس بسبب رفضه التطبيع مع إسرائيل.

وقال البابا تواضروس الثاني، في رسالة مصوّرة من القدس في 26 تشرين الثاني/نوفمبر إنّه لا يعتبر وجوده في القدس زيارة لأنّه لم يعدّ لها مسبقاً، وإنّما واجب إنسانيّ  ولمسة وفاء لإنسان خدم الوطن والكنيسة ووجب تعزية أبنائه، وعدم حضوره بمثابة تقصير يجب ألّا يتمّ، وأوضح أنّه حضر"للمشاركة في التعزية وتأكيد الدور القويّ الذي أدّاه المطران الراحل".

وأعلنت الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة في بيان لها أنّ البابا تواضروس الثاني أكّد في اتّصال هاتفيّ تلقّاه من الرئيس محمود عبّاس، فور وصوله إلى القدس أنّه "لن يدخل رام الله، أو القدس زائراً، إلّا بصحبة شيخ الأزهر".

وصرّح المتحدّث باسم الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة القسّ بولس حليم لــ"المونتيور" بأنّ "موقف الكنيسة من زيارة القدس ثابت ولم ولن يتغيّر، وسفر البابا تواضروس الثاني يقتصر على صلاة الجنازة فقط، وسبب حضوره مراسم الجنازة هو المكانة الخاصّة التي يحظى بها مطران القدس الأنبا أبراهام في المجمع المقدّس للكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة، وهو الرجل الثاني بعد البابا نفسه".

وأكمل حليم أنّه "كان من المفترض أن يأتي جثمان الراحل إلى مصر ويصلّي عليه البابا، ولكنّ وصيّة الأنبا أبراهام  كانت أن يدفن في القدس، ولولا الوصية، ما كان هناك داعي لسفر البابا".

وأوضح حليم أنّ "صلاة الجنازة من صميم العمل الرعويّ ووفقاً لتقاليد الكنيسة، يجب على البابا أن يقوم بهذا العمل ويحسب مقصّراً أمام شعبه إذا لم يقم به"، مضيفاً أنّ "الكنيسة لا تضع في حسبانها أيّ معادلات سياسيّة، ولذلك كلّ خطواتها رعويّة ووطنيّة فقط، وزيارة القدس لا تدخل فيها أيّ حسابات سياسيّة".

وفور عودة البابا تواضروس الثاني إلى القاهرة عقب انتهاء زيارته إلى القدس، واجهت الكنيسة الهجوم المستمرّ عليها ببيان أصدرته في 29 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، كشفت فيه أنّ "البابا تواضروس الثاني لم يدخل القدس بتأشيرة إسرائيليّة، وتمّ التنسيق مع السلطة الفلسطينيّة للدخول من دون تأشيرة إسرائيليّة، ولم يلتق خلال وجوده في القدس أيّ مسؤول سواء من الجانب الإسرائيليّ أم الفلسطينيّ، ولا مجال هنا للمزايدة والتكهّنات بترويج فكرة التطبيع، وأنّ البابا لم يدخل القدس عن طريق الأردن لأنّ هذا الأمر يخضع إلى الترتيبات الأمنيّة والتي لا دخل له فيها ولأنّ الزيارة كانت مفاجئة للجميع فسارت على هذا النحو".

وأكّد مدير برنامج الأقليّات في المفوضّية المصريّة للحقوق والحريّات مينا ثابت في تصريحات خاصّة لـ"المونيتور" أنّ "البابا تواضروس الثاني لم يذهب إلى القدس في نزهة أو لزيارة معالم سياحيّة ولا حتّى في زيارة دينيّة، لكنّه ذهب لتأدية شعائر دينيّة في ظرف خاصّ جدّاً ومحدّد، وهو وفاة مطران القدس وهو قيمة كبيرة جدّاً لدى الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة".

وأكمل ثابت أنّ "قرار البابا شنودة بعدم الذهاب إلى القدس حتّى تحريرها، كان قراراً سياسيّاً من الدرجة الأولى، له محدّداته وظروفه ومضت عليه عقود من الزمن وآن الأوان لإعادة النظر فيه".

وأضاف ثابت أنّه "لا توجد لديه أدنى مشكلة في السلام مع إسرائيل، على أن يكون قائماً على العدل والمساواة في الحقوق".

وأوضح ثابت أنّ "الزيارة لن تؤثّر مطلقاً على العلاقة بين المسلمين والمسيحيّين"، لكنّ الكاتب الصحافيّ عبد الله السناوي يرى أنّ "هذه الزيارة ستستخدمها التيّارات المتشدّدة كورقة سلبيّة ضدّ الكنيسة المصريّة، لخلق حالة من الانقسام الطائفيّ، وقد يصل الأمر إلى تخوين هذه التيّارات القبطيّين ووصفهم بالمطبّعين".

More from George Mikhail

Recommended Articles