تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بعد الإتّفاق النوويّ... التّقارب الإيرانيّ – القطريّ يثير الجدل في العراق والخليج

أثارت أنباء التقارب القطري – الإيراني الأخير جدلاً واسعاً في العراق ومنطقة الخليج، إذ عدّه البعض تطوراً إيجابياً في تخفيف الصراع القائم ، وعدّه البعض الآخر خيانة للمحور العربي السني.
Qatar's Emir Sheikh Tamim bin Hamad al-Thani waits for U.S. Secretary of State John Kerry before their meeting at the Diwan Palace in Doha, August 3, 2015. Kerry is meeting his Gulf Arab counterparts for talks in Qatar as he attempts to ease the concerns of key allies over the Iran nuclear deal. REUTERS/Brendan Smialowski/Pool - RTX1MTEV

خارطة التحالفات في الشرق الأوسط تتعقد بشكل مستمر انعكاساً للوضع الإقليمي والدولي المتغير سريعاً. فبعد الإتّفاق النوويّ بين إيران والولايات المتّحدة الأميركيّة وتحسّن علاقات إيران مع الغرب عموماً، راحت أطراف عدّة في المنطقة إلى إعادة حساباتها في تحالفاتها التقليدية. إنّ الدول الّتي كانت تشكو من النفوذ الإيرانيّ وحاولت عرقلته، وجدت أنّ هذا الدور ازداد قوّة. وفضلاً عن ذلك، قدّمت المواقف الإيرانيّة الأخيرة قدرة عالية على التكيّف مع الواقع المعارض لنفوذها في المنطقة، فالقوى الإصلاحيّة دعت بعد الإتّفاق النوويّ إلى إنفتاح إيران على الخليج. ففي حوار لموقع "شفقنا" مع رئيس مجمّع تشخيص مصلحة النظام الشيخ هاشمي رفسنجاني في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر، قال: إنّ تحسين العلاقة مع السعوديّة ضرورة، وهو أمر ممكن، وذلك باستخدام المنطق العقلانيّ نفسه الّذي اتّبعناه في حوارنا مع الغرب في الملف النوويّ.

كما أنّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ جواد ظريف صرّح في 14 تشرين الأوّل/أكتوبر أنّه ليس من مصلحة إيران والسعوديّة أن يخسر كلّ منهما الآخر، و"إنّ إيران والدول العربيّة في سفينة واحدة إن غرقت غرق كلّ من فيها".

وإزاء ذلك، جاءت المواقف القطريّة متطابقة مع هذا التطوّر، ويبدو أنّ قطر كانت مستعدّة للتّقارب الإيرانيّ الغربيّ وترحّب به، وذلك من منطلقين: أوّلاً، أنّها كانت تترقّب نتائج الملف النوويّ الإيرانيّ، وراحت تكيّف تحالفاتها بالتّنسيق مع تطوّرات هذا الملف. وثانياً، أنّها تتخوّف من صعود الدور السعوديّ في المنطقة، إثر التّصادم الإيرانيّ – السعوديّ الّتي تتوضّح معالمه في المعارك الدائرة في اليمن، بما يؤثّر سلبيّاً على نفوذها الإقليميّ.

لقد كانت قطر من أوائل الدول التي رحّبت بالإتّفاق النوويّ الإيرانيّ، إذ جاء على لسان وزير خارجيّتها خالد العطيّة أنّ هذا الإتّفاق يجعل المنطقة أكثر أمناً.

وكان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قد ركّز في كلمته أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في 28 أيلول/سبتمبر على ضرورة التعاون والتقارب مع إيران قائلاً: "إنّ العلاقة بين الدوحة وطهران تنمو وتتطوّر باستمرار على أساس المصالح المشتركة والجيرة الحسنة"، وإنّ قطر "تتطلّع بأمل إلى أن يساهم الإتّفاق النوويّ الإيرانيّ في حفظ الأمن والاستقرار في منطقتنا"، وأبدى أخيراً استعداد بلاده "لاستضافة حوار بين إيران ودول الخليج على أرضها".

وقطعت قطر خطوة أخرى تجاه إيران، تعدّ تغيراً نوعيّاً، وذلك بتطوير إتفاقيّاتها الأمنيّة والعسكريّة معها. فقد أعلنت وكالة "الجمهوريّة الإسلاميّة للأنباء" أنّ إيران وقطر وقّعتا إتفاقيّة أمنيّة في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2015 لمكافحة الجرائم في المياه الحدوديّة للبلدين.

وسبقت هذا الإتّفاق الجديد مجموعة من اللقاءات والتفاهمات بين الدولتين. ففي كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2010، استقبلت قطر سفناً عسكريّة للحرس الثوريّ الإيرانيّ، حاملة قيادات عسكريّة إيرانيّة لإجراء لقاءات من أجل التوصّل إلى تفاهمات أمنيّة بين الطرفين. وقد حضر الاجتماع سفير إيران في قطر عبدالله سهرابي والممثّل العسكريّ في السفارة ماشاءالله پورشه، وانتهى إلى توقيع إتّفاقيّة أمنيّة بين البلدين.

هذا واستمرّت اللقاءات والحوارات المشتركة بين الطرفين في المجالات العسكريّة والأمنيّة والإقتصاديّة.

وبصرف النّظر عن هذه التطوّرات السياسيّة، كانت لقطر مصالح إقتصاديّة عظيمة مع إيران، لا سيّما بوجود حقول غاز مشتركة بين البلدين. ومن الواضح أنّ قطر تدرك بوضوح أنّ رفع العقوبات عن إيران سينهي وضعها المتميّز بالنّسبة إلى إيران، من حيث استقبالها وحدها للشركات الأجنبيّة للاستثمار في حقولها الغازيّة. وفي هذا السّياق، ستنطلق مشاريع الاستثمار في الحقول الغازيّة الإيرانيّة - القطريّة المشتركة بعد رفع العقوبات الأمميّة، وهذا يستدعي التّعاون والتفاهم بين البلدين لضمان المصالح الإقتصاديّة المشتركة في هذا الشأن.

ومن جهة أخرى، لا تريد قطر أن تقع ضمن المخيّم السعوديّ في الصراع الطائفيّ القائم في المنطقة، فلها أصلاً خلافات تاريخيّة مع المملكة السعوديّة، وتعدّ نفسها ذات ثقل مستقلّ عن السعوديّة التي تطمح إلى أن تكون مركز الثقل العربيّ السنيّ في الخليج، بل في العالم العربيّ بأكمله، وهذا سبب آخر يدعو قطر إلى تنويع تحالفاتها عموماً، والإقتراب من إيران بعد رأب الصدع الإيرانيّ – الغربيّ.

هذا وقد جاءت الاستجابات في شأن الإتفاقيّة الأمنيّة الأخيرة بين قطر وإيران في دول الخليج والعراق مختلفة تماماً، فالأطراف التي تمتلك علاقات طيّبة مع إيران رحّبت بالتقارب القطريّ-الإيرانّي، في حين عدّته أطراف أخرى نوعاً من الخيانة. فقد رحّبت كتلة بدر النيابيّة في البرلمان العراقيّ والمقرّبة من إيران بالإتفاقيّة الأمنيّة، ودعت دول الخليج إلى تقريب وجهات النّظرمع إيران.

بيد أنّ المواقع الخليجيّة المعارضة للتقارب القطريّ-الإيرانيّ ضخّمت من أمر الإتفاقيّة الأمنيّة بين البلدين، وذلك بهدف استغلالها في سياق الصراع الإيرانيّ–السعوديّ. ولقد نشرت صحيفة "صدى" السعوديّة في 20 تشرين الأوّل/أكتوبر أنّ قطر وإيران قد وقّعتا إتّفاقاً يتضمّن دخول البحريّة الإيرانيّة للمياه القطريّة، وقيام إيران بمساعدة وتدريب القوّات البحرية القطريّة في جزيرة قشم الإيرانيّة، واصفة هذا الإتّفاق بأنّه تهديد لأمن جيران قطر الخليجيّين.

وبناء على تقارير غير موثّقة، عدّت مواقع خليجيّة أخرى أنّ قطر تتّجه من كونها "محظيّة أميركيّة" إلى "محميّة إيرانيّة".

وبعيداً عن المبالغات، تشير التجربة إلى أنّ التحالفات في منطقة الشرق الأوسط تتغيّر مع تغيّر المعادلات السياسيّة بين القوى المتنافسة في المنطقة، وتحمل تلك التغييرات مفاجآت موجعة أحياناً للأطراف الضعيفة التي تفتقد عنصر المبادرة كالعراق وسوريا.

More from Ali Mamouri

The Middle East in your inbox

Deepen your knowledge of the Middle East

Recommended Articles