تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

جائزة نوبل للسّلام التي حصلت عليها تونس تتردّد أصداؤها عبر الشّرق الأوسط

بعد فوز رباعيّة الحوار الوطني التّونسي بجائزة نوبل للسّلام، وجد نشطاء الدّيمقراطيّة عزاء في الأمر فيما التزم القادة الإقليميّون الصّمت.
Protesters from Tunisia's poor rural heartlands chant slogans during a demonstration by the Prime Minister's office in Tunis January 23, 2011. Protesters from Tunisia's poor rural heartlands demonstrated in the capital on Sunday to demand that the revolution they started should now sweep the remnants of the fallen president's old guard from power. REUTERS/Zohra Bensemra (TUNISIA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTXWYQW

إنّ نشطاء الدّيمقراطيّة في كافّة أنحاء الشّرق الأوسط يجدون عزاء في الاعتراف الذي حصلت عليه ثورة الياسمين التّونسيّة عبر جائزة نوبل، في وقت لم تتحقّق فيه بعد أحلامهم بالرّبيع العربي.

يقول مصلحون سياسيّون من المغرب ومصر وسوريا إنّ فوز رباعيّة الحوار الوطني التّونسي بجائزة السّلام هو نصر صغير لكن رمزيّ لحراك احتجاجي إمّا تلاشى أو تحوّل إلى حالة من الفوضى في جميع البلدان. وهم يأملون في أن يسهم ذلك بإعادة الزّخم للنّاشطين ويبيّن للقادة العرب حسنات التّغيير الدّيمقراطي السّلمي.

قال تامر القاضي، المتحدّث باسم اتّحاد شبيبة الثّورة في مصر، للمونيتور "كانت تونس البلد الوحيد من بلدان الرّبيع العربي الذي أنجز الثّورة بالطّريقة الصّحيحة، لذا هي تستحقّ جني ثمار عملها". وأضاف أنّه في مصر، "جرى خداعنا، [فقد] عدنا إلى ما هو أسوأ من نظام [حسني] مبارك حيث يجري انتهاك جميع مبادئ الدّستور".

وتجدر الإشارة إلى أنّ أكثر من 330 تونسيًا قُتِلوا في خلال انتفاضة كانون الأوّل/ديسمبر 2010 الّتي أدّت إلى سقوط الرّئيس زين العابدين بن علي. تشكّلت رباعيّة الحوار الوطني التّونسي في العام 2013 وتألّفت من أعضاء النّقابات، والمحامين والنّاشطين في مجال حقوق الإنسان وسعت إلى حماية الانتقال الدّيمقراطي الذي أوشك أن يخرج عن مساره وسط الجمود المؤسّسي والاغتيالات السّياسيّة.

وصف صفوان محمد جائزة نوبل بـ"الإنجاز العظيم" للانتقالات السّياسيّة السّلميّة، وصفوان هو ناشط ليبرالي كان من بين الأوائل الذين وقّعوا في العام 2010 على عريضة تدعو إلى إصلاحات سياسيّة في عهد الرّئيس السّابق مبارك. وأكّد صفوان أنّ حركة شباب مصر لديها بعد "المزيد من الرؤى، والأفكار والخطط البديلة" لتقدّمها، لكنّ الخروج إلى الشّوارع للاحتجاج "سيكون خطوة جنونيّة".

وقال الناشط اللّيبرالي صفوان محمد للمونيتور، "مع أنّني سعيد لفوز تونس بالجائزة، نحن محبطون لما وصلت إليه مصر. كنا نستحقّ أن نكون نحن روّاد الرّبيع العربي".

في المقابل، استاء آخرون ممّا اعتبروه "مؤامرة" غربيّة ضدّ الدّول التي ضيّقت الخناق على الإسلاميّين السّياسيّين.

وقال للمونيتور محمد نبوي، المتحدّث باسم حركة تمرّد وأحد مؤسّسي هذه الحركة المناهضة للإخوان المسلمين، "من يستحقّ هذه الجائزة هو الشّعب المصري الذي قضى على نظام ديني فاشي. نعتقد أنّ التّرشيحات لجائزة نوبل هي جزء من المؤامرات العالميّة".

بالإضافة إلى ذلك، إنّ طارق الخولي، مؤسّس جبهة شباب الجمهوريّة الثّالثة التي تدعم الرّئيس المصري عبد الفتاح السّيسي، وصف الجائزة بأنّها "مسيّسة ولم تعد حياديّة".

قال الخولي للمونيتور، "شعرت أنّ فوز تونس بهذه الجائزة كان نوعًا من الحيل ورسالة سياسيّة بأنّ الغرب ليس راضيًا عن مصر. [المقصود منها] هو الإشارة إلى أنّ مصر انحرفت عن مسار الثّورة".

أمّا أسعد ذبيان، أحد قادة حركة "طلعت ريحتكم" اللّبنانيّة التي تحتجّ على فساد الدولة والشّلل الحاصل فيها، فرحّب بجائزة نوبل ترحيبًا حارًا باعتبارها "شرفًا عظيمًا" للشّعب التّونسي. وأشار إلى أنّ "الدّولة المدنيّة" في البلد إلى جانب "الحياة السّياسيّة اللّيبراليّة إلى حدّ كبير منذ عقود" سهّلا الانتقال بعيدًا عن الحكم السّلطوي في عهد بن علي.

وقال ذبيان في تصريح للمونيتور، معبّرًا عن وجهة نظره الخاصّة فحسب، "هذه بمثابة رسالة قويّة لدول الرّبيع العربي بأنّ التغيير السّلمي هو قدر النّاس وما من خيار آخر غير الحوار بين مكّونات أيّ دولة. كانت تونس لافتة في عمليّة التّغيير الدّيمقراطي خلافًا لغيرها من الدّول العربيّة ويجب أن تكون مثالاً يحتذى به".

أعطى إعلان 9 تشرين الأوّل/أكتوبر أيضًا بصيص أمل للسّوريّين المحاصرين الذين أدّت ثورتهم السّلميّة الخاصّة إلى حرب أهليّة خلّفت أكثر من 200,000 قتيل على مدى السنوات الأربع ونصف الماضية. وقال حسن قطان للمونيتور، وهو ناشط يبلغ 24 من عمره شارك في تظاهرات مسجد حلب في العام 2012، إنّ الاعتراف بالمتظاهرين السّلميّين أمر "جيّد ومبهج".

وأضاف قطان، "لا شكّ في أنّ فوز التّونسيّين بجائزة نوبل للسّلام يحفّزنا. ربّما يمكننا القول إنّه شعاع النور الوحيد وسط الظلام والإحباط اللّذين نعانيهما. الحقيقة هي أنّنا نحن [الثوريّين السّوريّين] خاب أملنا في العالم بأسره بسبب التزامه الصّمت".

وبالاقتراب أكثر من تونس، لجأت فاطمة علوي زعيمة حزب الخضر المغربي إلى مواقع التّواصل الاجتماعي لتتأسّف على غياب أيّ تقدّم بعد أربع سنوات من قيام أحد بائعي الخضار التونسيّين بإطلاق شرارة الرّبيع العربي عندما أشعل النار بنفسه.

هذا وكتبت الناشطة القديمة على فيسبوك، "شكرًا لجائزة نوبل 2015 التي تجرّأت على تذكيرنا بثوراتنا، وبربيعنا الضّائع وببرلماناتنا التي لا تمثّلنا".

يبدو أنّ ردود الفعل هذه هي بالتّحديد ما كانت تطمح إليه لجنة نوبل بجائزة السّلام لهذا العام.

وقالت اللّجنة في إعلانها، "تأمل لجنة نوبل النّرويجيّة في أن تساهم جائزة هذا العام بحماية الدّيمقراطيّة في تونس وأن تلهم كلّ الذين يسعون إلى تعزيز السّلام والدّيمقراطيّة في الشّرق الأوسط، وشمال إفريقيا وباقي العالم. وأكثر من أيّ شيء آخر، تأتي الجائزة بمثابة تشجيع للشّعب التّونسي، الذي على الرّغم من التّحدّيات الكبيرة، وضع الأسس لأخوّة وطنيّة تأمل اللّجنة في أن تشكّل مثالاً تحتذي به الدّول الأخرى".

تردّدت هذه التّمنّيات على ألسنة القادة الغربيّين، من الرّئيس الأميركي باراك أوباما إلى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذين يرون في التّغيير الدّيمقراطي ترياقًا للإسلام المتطرّف. أمّا القادة العرب فوصلتهم أيضًا الرّسالة بقوّة ووضوح، وأتت الاستجابة صامتة من قبل الأكثريّة من بينهم.

كان الرّئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الذي يسعى وراء دور قيادي في شمال إفريقيا، أحد القادة القلائل الذين هنأوا بشكل علني الرّئيس التّونسي الباجي قايد السبسي، مع تفادي أيّ ذكر لما تعنيه جائزة نوبل بالنسبة إلى الصّراع من أجل الدّيمقراطيّة في المنطقة الأوسع نطاقًا.

وقال بوتفليقة، "أنا أنتهز هذه المناسبة السّعيدة لأنوّه بالعلاقات المتميّزة والنّموذجيّة بين بلدينا الشّقيقين، ولأوكّد على دعم الجزائر المستمرّ للشّعب التّونسي وحكومته، ودعمها لمسار التّجديد والحوار. لن توفّر الجزائر أيّ جهد لبناء المغرب العربي الكبير الذي ستنعم فيه شعوبنا بالتقدّم، والازدهار، والسّلام، والأمن والاستقرار".

أمّا ملكة الأردن السّابقة نور الحسين فهي من بين المؤيّدين الأوائل لحركة الرّبيع العربي، وقد كانت واحدة من القادة العرب القلائل جدًا الذين اعترفوا بتونس كمثال تحتذي به المنطقة.

ولقد غرّدت في 9 تشرين الأوّل/أكتوبر، "أنا فخورة جدًا لأنّه جرى الاعتراف بهذه الطّريقة بالمثال التونسي لمنطقتنا".

سارعت جماعات حقوق الإنسان أيضًا إلى الاحتفاء بـ"الأمل" الذي أعطته جائزة نوبل للمتظاهرين السّلميّين الذين يبحثون عن حلّ وسطي بين الاستبداد والتطرّف.

قال أحمد بنشمسي في تصريح للمونيتور، وهو مدير التّواصل والمرافعة لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظّمة هيومن رايتس ووتش، "في منطقة تمزّقها الحروب، والعنف الطّائفي والتطرّف الدّيني، أصبح اليأس والتهكّم النمط الطّبيعي الجديد للحياة. في ذلك الإطار، تُظهِر جائزة نوبل هذه أنّ الأمل لم يمت، وتبعث برسالة إيجابيّة نحن بأمسّ الحاجة إليها: أنّ الحلّ السّلمي للنّزاعات وإحلال الدّيمقراطيّة هما اللذان ينجزان العمل! والأفضل من ذلك: مثل هذه الجهود قد تصبح موضوع فخر وطني واعتراف دولي".

لكن حتّى أكثر ثوريّي الرّبيع العربي صبرًا يرغبون في رؤية المزيد.

وقال قطان، "لا أعتقد أنّ أيّ جائزة في العالم تلائم مقدار التّضحيات التي قدّمها النّاشطون السّلميّون في سوريا، بعد أربع سنوات من الصّبر ومكافحة إرهاب النّظام السّوري وداعش [تنظيم الدّولة الإسلاميّة]".

"لسوء الحظّ، نحن كناشطين سوريّين فقدنا الأمل في المجتمع الدّولي، بعد أن قدّم لنا الكثير من الوعود الكاذبة بمساعدتنا. جائزة نوبل هي أمر رمزي، لكن لا بدّ للمجتمع الدّولي من أن يتّخذ خطوات فعليّة وجديّة لإنقاذ الشّعب السّوري."