تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل هي هبّة شعبيّة محدودة أم انتفاضة فلسطينيّة شاملة؟!

حتّى الآن، لا يمكن الحكم فلسطينيّاً إن كان ما يدور في الأراضيّ الفلسطينيّة هو هبّة شعبيّة محدودة وموقّتة، أم انتفاضة فلسطينيّة ثالثة شاملة ومستمرّة. فهناك معوقات عدّة أمام استمرار الثورة الفلسطينيّة الراهنة على غرار الانتفاضتين الأولى والثانية، أبرزها الإجراءات الأمنيّة والقمعيّة الإسرائيليّة، واستمرار الانقسام الداخليّ، ووجود السلطة الفلسطينيّة على سدّة الحكم في الضفّة الغربيّة.
Demonstrators wave Palestinian flags during an anti Israel protest near the border between Israel and the southern Gaza Strip October 28, 2015. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa  - RTX1TLBI

مدينة غزّة - يبدو أنّه لا إجماع فلسطينيّ حتّى اللحظة، إن كانت المواجهات اليوميّة بين الفلسطينيّين والجيش الإسرائيليّ تبدو كهبّة شعبيّة قد تنتهي في أيّ لحظة، أم أنّها انتفاضة فلسطينيّة ثالثة قد انطلقت بالفعل وستستمرّ إلى سنوات، على غرار الانتفاضتين الفلسطينيّتين الأولى (1987-1993) والثانية (2000-2006).

ومنذ انتهاء الانتفاضة الثانية عام 2006، لم تتوقّف المواجهات بين الفلسطينيّين والجيش الإسرائيليّ في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة في عام 1967 حيث كانت تسير بوتيرة منخفضة ومتقطعة، ولكنّ الأوّل من تشرين الأوّل/ أكتوبر شكّل نقلة نوعيّة، حيث انطلقت الثورة الفلسطينيّة بسرعة لتطال مناطق فلسطينيّة أوسع في الضفّة الغربيّة والقدس المحتلّة وقطاع غزّة والمدن والبلدات الفلسطينيّة في أراضي الـ48، حيث استشهد حتّى 26 تشرين الأوّل/أكتوبر، 59 فلسطينيّاً بينهم 14 طفلاً وسيّدة حامل- وفق بيان صادر عن وزارة الصحّة الفلسطينيّة.

يقول القياديّ في حركة حماس نزيه أبو عون: "ليس مهمّاً الشكل الذي تتّخذه الثورة الفلسطينيّة الحاليّة، بل المهمّ هو استمرار تغذيتها حتّى تصبح انتفاضة فلسطينيّة شاملة وحقيقيّة".

وأضاف أبو عون لـ"المونيتور": "إنّ وسائل الفلسطينيّين في الدفاع عن أنفسهم خلال هذه الانتفاضة تتطوّر شيئاً فشيئاً، حيث بدأت بالحجر، ومرّت بتنفيذ عمليّات طعن جنود إسرائيليّين ودهسهم، وبإطلاق الرصاص عليهم، ولا نعلم إلى أين ستصل الأمور".

وأوضح أنّ تصاعد الانتهاكات الإسرائيليّة في حقّ الفلسطينيّين ومن بينها اقتحام المنازل وهدمها، وشن حملات الاعتقال اليومية وتجريف الأراضي، وارتفاع مستوى عنف المستوطنين ضدّ كلّ ما هو فلسطينيّ، وزيادة اقتحامات اليهود للمسجد الأقصى، كلّها كانت أسباباً لحدوث هذه الانتفاضة.

من جهّته، قال أمين سرّ المجلس الثوريّ لحركة فتح أمين مقبول لـ"المونيتور": "لا نستطيع في الوقت الراهن أن نحكم على هذه الثورة ما إذا كانت هبّة شعبيّة محدودة وموقّتة، أم أنّها إرهاصات لانتفاضة فلسطينيّة شاملة. من سيحدّد ذلك هو الشعب الفلسطينيّ الذي انتفض على الاحتلال من دون قرار من أيّ فصيل فلسطينيّ".

ورأى مقبول أنّ ما يجري الآن "يشبه إلى حدّ كبير مقدّمات الانتفاضتين الأولى والثانية، حيث العدوان الإسرائيليّ المتواصل والغضب الفلسطينيّ المتنامي، والتجاهل الدوليّ المستمرّ، وعدم وجود اهتمام عربيّ بالقضيّة الفلسطينيّة بسبب الصراعات الدائرة في البلدان العربيّة".

أمّا القياديّ في حركة الجهاد الإسلاميّ أحمد المدلّل، فيرى أنّ هذا الانتشار الشعبيّ الفلسطينيّ في نقاط تماس كثيرة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة مع الاحتلال، وارتفاع مستوى المواجهات مع الجيش الإسرائيليّ، يدعمان في شكل كبير تحويل ما يجري إلى انتفاضة شاملة.

وقال المدلّل لـ"المونيتور": "لم يكن هناك خيار آخر أمام الفلسطينيّين سوى الانتفاض. فقد شهد شعبنا 20 عاماً متواصلاً من المفاوضات العبثيّة مع إسرائيل التي لم تتمخّض عنها أيّ نتيجة، ويشهد اليوم مخطّطاً إسرائيليّاً حقيقيّاً لتقسيم المسجد الأقصى زمانيّاً ومكانيّاً بين اليهود والمسلمين. وهذا أمر مرفوض تماماً".

يقول الكاتب والمحلّل السياسيّ طلال عوكل لـ"المونيتور": "أعتقد أنّنا أمام هبّة شعبيّة محدودة، وما يجري هو إنذار إلى إسرائيل ودعوة إلى تحاشي حدوث انتفاضة شاملة، لأنّ المواجهات الجارية تنفّذها طلائع من الشعب الفلسطينيّ وليس الشعب بأكمله. وعلى الرغم من ذلك، أحدثت هذه المواجهات نتائج مؤثّرة على إسرائيل، فكيف سيكون تأثيرها في حال توسّعت لتصبح انتفاضة شاملة"؟

وأوضح أنّ الهبّة الشعبيّة الراهنة تواجه معوقات لم تواجهها الانتفاضتان الفلسطينيّتان الأولى والثانية، "وهي أنّها انطلقت في ظلّ وجود السلطة الفلسطينيّة التي تقوّض المقاومة المسلّحة، وهذا المعوق لم يكن موجوداً خلال الانتفاضة الأولى، وفي ظلّ الانقسام الفلسطينيّ الداخليّ الذي يقتل محاولات الاستنهاض الوطنيّ ومبادراته كافّة ضدّ الاحتلال، وهذا المعوق لم يكن موجوداً خلال الانتفاضة الثانية".

كما يرى مدير مركز "أطلس" للدراسات الإسرائيليّة عبد الرحمن شهاب أنّ ما يجري يأخذ شكل الهبّة الشعبيّة التي تحاول الارتقاء للوصول إلى هيئة انتفاضة شاملة من خلال تصعيد المواجهات اليوميّة مع الاحتلال.

وقال شهاب لـ"المونيتور": "الفلسطينيّون غير متسرّعين للوصول إلى حالة انتفاضة شاملة. فهم يحاولون الاستفادة من تجاربهم السابقة خلال الانتفاضتين السابقتين، بألّا يكون هناك انجراف نحو انتفاضة شاملة من دون تحديد أهدافها. لذلك نرى أنّ المتظاهرين اليوم هم من الجيل الحديث أي الشبّان صغار السن، فيما لا يزال كبار السنّ والكهول ممّن عاصروا الانتفاضتين السابقتين، يتردّدون في خوض انتفاضة جديدة قبل تحديد وجهتها، وموقف النظام السياسيّ الفلسطينيّ منها".

وكان مجلس الوزراء الإسرائيليّ (الكابينت) قد أعلن في 13 تشرين الأوّل/ أكتوبر عن اتّخاذ "خطوات هجوميّة" لإعادة الهدوء إلى الضفّة الغربيّة والقدس وقطاع غزّة، حيث فرض إجراءات قمعيّة لوقف عمليّات الطعن والدهس، أبرزها هدم منازل منفّذي هذه العمليّات.

وأكّد الكاتب والمحلّل السياسيّ حسن عبدو هنا أنّ الإجراءات القمعيّة والأمنيّة كافّة لن توقف الثورة الفلسطينيّة الراهنة، وقال لـ"المونيتور": "إسرائيل جرّبت كلّ شيء ضدّ الفلسطينيّين سابقاً، هدم المنازل والإبعاد والقتل، ولكنّ كلّ ذلك لم يخلّف إلّا المزيد من الكراهية والعنف".

وأضاف: "إسرائيل تفشل في السيطرة على الثورة الفلسطينيّة من خلال إجراءاتها القمعيّة والأمنيّة المشددة، وذلك لأنّ هذه الانتفاضة شعبيّة وعشوائيّة، كما أنّ عمليّات الطعن والدهس التي تحصل ضدّ الإسرائيليّين فرديّة وليست بقرار من منظّمات فلسطينيّة".

وأشار عبدو إلى أنّ ما يجعل هذه الثورة الفلسطينيّة قويّة وغير قابلة للانكسار أمام الإجراءات الإسرائيليّة، هو وجود حالة من الإجماع الوطنيّ المؤيّد لانطلاق هذه الثورة، وأضاف: "وحتّى السلطة الفلسطينيّة لم تمنع ما يجري كما العادة، بل صمتت وتركت الشعب يعبّر عن غضبه، وهذا يعدّ تطوّراً في موقفها".

في ظلّ المعوقات السابقة التي تواجه الثورة الفلسطينيّة الراهنة، يبرز تساؤل هامّ: إلى أيّ مدى قد يصل عمر هذه الانتفاضة؟ بالنسبة إلى طلال عوكل، فهو يرى أنّ هذه الثورة ماضية لطالما بقيت في حالة احتضان من قبل الفصائل الفلسطينيّة، وقال: "هذه الهبّة الشعبيّة ستنمو وتصبح انتفاضة شاملة، وستستمرّ حتّى تحقيق أهدافها، وأبرزها إنهاء الاحتلال".

وبحسب أمين مقبول، فإنّ بعض أهداف هذه الانتفاضة قد تحقّق بالفعل، وأبرزها إعادة اهتمام جامعة الدول العربيّة والأمم المتّحدة وأميركا بالقضيّة الفلسطينيّة، من خلال عقد جامعة الدول العربية جلسة طارئة لمناقشة الوضع الفلسطيني في 13 أكتوبر، وزيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لرام الله في 21 أكتوبر، واجتماع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمان في 24 أكتوبر، ولكنّه اتّفق مع عوكل في أنّ الهدف الرئيسيّ هو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينيّة وعاصمتها القدس.

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles