تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العملة الفلسطينيّة... الحلم السياديّ المنتظر

بعد إثنين وعشرين عاماً على إتفاقيّة "أوسلو"، أصبح هناك نظام سياسيّ فلسطينيّ وجواز سفر ورئيس للسلطة، لكنّ شيئاً واحداً لا يزال حلماً، هو العملة الفلسطينيّة المستقلّة.
RTXM3Q4.jpg

مدينة غزّة - إثنان وعشرون عاماً مرّت على إتفاقيّة "أوسلو" أو ما يسمّى بإعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتيّ الانتقاليّ المبرم بين منظّمة التّحرير الفلسطينيّة وإسرائيل في عام 1993، والّذي بموجبه تمّ تأسيس السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، ليصبح هناك نظام سياسيّ فلسطينيّ في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة ورئيس للسلطة ووزراء. كما تمّ إصدار جوازات سفر فلسطينيّة وتأسيس سلطة النّقد الفلسطينيّة الّتي هي بمثابة بنك مركزيّ وطنيّ. كما رفع أخيراً علم فلسطين في الأمم المتّحدة في 13 تشرين الأول/أكتوبر، إلاّ شيئاً واحداً لم يتحقّق: العملة الفلسطينيّة المستقلّة.

وفي هذا السّياق، قال المحلّل الإقتصاديّ والمحاضر في الجامعة العربيّة الأميركيّة في مدينة جنين نصر عبد الكريم لـ"المونيتور": "ما يمنع ذلك هو بروتوكول باريس الإقتصاديّ، الّذي جاء كملحق بإتّفاق أوسلو لينظّم الجوانب الإقتصاديّة، فقد اشترط ضرورة الموافقة الإسرائيليّة لإصدار عملة فلسطينيّة".

وينصّ بروتوكول باريس الموقّع في نيسان/أبريل من عام 1994 على تشكيل سلطة نقد فلسطينيّة لتعمل كمستشار ماليّ وإقتصاديّ للسلطة الفلسطينيّة من دون أن تتمتّع بصلاحيّات البنك المركزيّ. كما نصّ البروتوكول على أنّ من حقّ سلطة النّقد الفلسطينيّة التحوّل إلى بنك مركزيّ وإصدار نقد فلسطينيّ بشرط الموافقة الإسرائيليّة، وشدّد على اعتماد الشيقل الإسرائيليّ كإحدى العملات الرئيسيّة، إضافة إلى الدولار الأميركيّ والدينار الأردنيّ في السوق الفلسطينيّة.

وصرّح رئيس سلطة النّقد في فلسطين الدّكتور جهاد الوزير في وقت سابق خلال هذا العام لوكالة "معاً الإخباريّة" في 13 حزيران/يونيو، أنّ البنك الدوليّ ومصارف العالم تتعامل مع سلطة النّقد بمثابة الجهة الوحيدة المشرفة على القطاع المصرفيّ الفلسطينيّ. وفي حال إصدار قانون البنك المركزيّ الفلسطينيّ، فإنّ ذلك لا يعني إصدار النّقد الوطنيّ، موضحاً أنّ إصدار عملة يحتاج إلى قرار وطنيّ، وقال: "لنا الحقّ القانونيّ السياديّ في تبنّي العملة الّتي نريدها، ثمّ نقرّر بعد ذلك بكامل إرادتنا السياسيّة شكلاً للنّظام النقديّ الّذي يلائم إقتصادنا، بدلاً من بقاء الوضع الحاليّ تحت التبعيّة النقديّة والإقتصاديّة لإسرائيل".

وقد حاول "المونيتور" التّواصل مرّات عدّة مع مسؤولين من سلطة النّقد، ورغم إبرام موعد مع أحد مستشاريها، إلاّ أنّه لم يعد يجيب على هاتفه.

وعن سلطة النّقد وفعاليّتها، قال نصر عبد الكريم: "بالفعل، لقد تطوّرت سلطة النّقد في كوادرها وبنائها التنظيميّ، ولكن هذا التطوّر غير كافٍ لإصدار العملة المستقلّة، بل يجب أن تكون هناك عدّة عوامل لدعم العملة الفلسطينيّة، أوّلها وجود إقتصاد قويّ يعتمد على صادرات فلسطينيّة لضمان ميزان تجاريّ فاعل. كما يجب توافر احتياط من الذهب والعملات الأجنبيّة الّذي يضمن قوّة العملة الفلسطينيّة. وبالتّأكيد قبل هذا كلّه، يجب التخلّص من التبعيّة للإقتصاد الإسرائيليّ".

وأكّد أنّ أهمّ عامل لنجاح العملة الفلسطينيّة هو ضمان ثقة المواطن بها، وليس فقط أن تكون وظيفتها مقتصرة على الاستخدام اليوميّ، بل أيضا للإدخار والاستثمار والتّعاقدات الطويلة الأمد، كي تجد من يشتريها من أصحاب الثروات، وقال: " لذلك، يجب أن يكون هناك تأنّ وحذر حين نصدرها، كي لا تكون الخسائر بوجودها أكبر من الخسائر بغيابها".

من جهته، قدّر الخبير الإقتصاديّ معين رجب في حديث لـ"المونيتور" الخسائر المباشرة الناتجة من استعمال الشيقل الإسرائيليّ في الأراضي الفلسطينيّة بحوالى 500-600 مليون دولار سنويّاً، وقال: "في حين تستفيد إسرائيل، نتيجة تعامل السوق الفلسطينيّة مع عملة الشيقل، من 300 إلى 500 مليون دولار سنويّاً. لذلك، هي تقف عقبة أمام قرار وجود عملة فلسطينيّة، طالما أنّها مستفيدة من التبعيّة الفلسطينيّة لعملتها النقديّة".

وأكّد لـ"المونيتور" أنّ إصدار النّقد الوطنيّ هو رمز للسيادة والاستقلاليّة وحرية اتّخاذ القرار الإقتصاديّ، متوقّعاً أسماء عدّة لهذه العملة الفلسطينيّة، إذ قال: "قد يكون اسمها الجنيه الفلسطينيّ أو الدينار الفلسطينيّ أو الريال الفلسطينيّ، وربّما اللّيرة الفلسطينيّة، فالاسم يبقى جانباً شكليّاً مرهوناً بالقرار السياسيّ الفلسطينيّ".

وفي يوم ما، كان هناك بالفعل جنيه فلسطينيّ، لكنّه كان مرتبطاً بالانتداب البريطانيّ وبقيمة عملته؛ الجنيه الإسترلينيّ، فتذكر دراسة بعنوان "مقوّمات ومحاذير إصدار النّقد الوطنيّ الفلسطينيّ" للباحث عماد لبد لعام 2005، أنّه لم تكن هناك عملة فلسطينيّة إلاّ في فترة الانتداب البريطانيّ. ولقد تمّ تداول الجنيه الفلسطينيّ، حين أصدر وزير المستعمرات البريطانيّ قرار استبدال النّقد المصريّ بالنقود الفلسطينيّة عام 1927.

وتضيف الدراسة أنّ قيمة الجنيه الفلسطينيّ بقيت مرتبطة بقيمة الجنيه الاسترلينيّ حتّى خروج الاحتلال البريطانيّ في عام 1948، ثمّ سرعان ما أصبحت العملة الجديدة في الضفّة الغربيّة مرتبطة بعملة الدينار الأردنيّ، حين أصبحت تحت الحكم الأردنيّ، وفي قطاع غزّة مرتبطة بالجنيه المصريّ بعد أن أصبح تحت الحكم المصريّ، إلى أن احتلّت إسرائيل في عام 1967 القطاع ومدن الضفّة. ومنذ ذاك الحين، أصبحت عملة الشيقل الإسرائيليّ هي المتداولة.

ومن جهته، قال صاحب محلّ صرافة الإرشي في مدينة غزّة عدنان الإرشي لـ"المونيتور": "أكثر العملات الّتي يتداولها المواطنون في غزّة، هي الشيقل والدولار والدينار واليورو والدرهم الإماراتيّ، وتعتبر العملة الأكثر تمتّعاً بالثقة في التّعامل الدولار، خاصة في التّحويلات والمدّخرات، ليأتي الشيقل في ذيل القائمة".

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، إذا ما كان المواطن الفلسطينيّ يستطيع التّعامل مع هذه العملات واستثناء الشيقل؟ فيردّ عبد الكريم قائلاً: "التّعامل مع العملات الأخرى وتجاهل الشيقل قد يبدو فيه منطق إقتصاديّ خاصّة مع كثرة التّحويلات الماليّة من قبل المغتربين في الخارج، والمنح الأجنبيّة للسلطة الوطنيّة، والّتي تصل بعملة اليورو أو الدولار، ولكن هذا يحتاج إلى زيادة الصادرات الفلسطينيّة إلى الخارج كي تتمّ تقوية العملات الأجنبيّة في المعاملات التجاريّة بالسوق الفلسطينيّة، وفي سلّة العملات الأجنبيّة".

ويستدرك قائلاً لـ"المونيتور": "لكنّنا نجد أنّ الشيقل هو الأقوى والعملة المتداولة بحكم السنوات الطويلة من التّداخل بين الإقتصادين الفلسطينيّ والإسرائيليّ، فالعمّال الّذين يعملون داخل إسرائيل يدخلون على الإقتصاد الفلسطينيّ ملايين الشواقل، كذلك ما تحوّله المقاصّة الإسرائيليّة من أموال الضرائب".

لقد استطاع المواطن الفلسطينيّ مقاطعة كلّ البضائع والمنتجات الإسرائيليّة واستبدالها بالوطنيّة أو العربيّة والأجنبيّة، ولكن حتّى هذه اللّحظة لم ينجح أحد بمقاطعة الشيقل الإسرائيليّ، فربّما هناك حاجة إلى اثنين وعشرين عاماً أخرى للحصول على إقتصاد قويّ وعملة فلسطينيّة مستقلّة بقرار وطنيّ وليس احتلاليّ.

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles