تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فكّ الارتباط الاقتصادي الفلسطينيّ -الإسرائيليّ التّداعيات والمخاطر

لقد أفرز خطاب رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس أمام الأمم المتّحدة تبايناً كبيراً في الآراء ما بين معارض ومؤيّد للقرارات الواردة في الخطاب، والّتي من شأنها أن تحدث تحوّلاً نوعيّاً في السياسة الجديدة مع إسرائيل والمجتمع الدوليّ، قد تزيد من تعنّت إسرائيل وانزلاق السلطة إلى معترك سياسيّ جديد قد لا تحمد عواقبه.
RTS2GJW.jpg

قطاع غزّة - رام الله – إياد القطراوي/ انقسم الشعب الفلسطينيّ إلى قسمين بعد خطاب الرّئيس محمود عبّاس أمام الأمم المتّحدة، نهاية أيلول/سبتمبر الماضي من عام 2015، فالكثيرون أيّدوا الرئيس محمود عبّاس وما حمله من رسالة وأفكار، في حين خالفه آخرون، إلاّ أنّهم تشاركوا في أمر واحد، وهو أنّ هذا الخطاب، وفي حال نفذّ وطبّق ما جاء فيه على الأرض، فسيخلق لا محالة واقعاً جديداً للفلسطينيّين على الأصعدة كافّة، وإنّ اللّعبة السياسيّة ستتبدّل وستؤثّر بالتّأكيد على الاقتصاد الفلسطينيّ، لكن كيف؟ وهل سيكون التّغيير دراماتيكيّاً وملحوظاً؟ وهل ستمسّنا مخرجات هذا في شكل مباشر؟

الخاسر الأكبر

يرى العديد من المواطنين الّذين التقاهم "المونيتور" أنّ الخسارة الكاملة ستكون لدولة إسرائيل، مقابل ربح خالص في المعنى الحقيقيّ للشعب الفلسطينيّ، وان الردود الإسرائيلية الغاضبة من قبل زعماء الحكومة الإسرائيلية علي الخطاب مجرّد تهويش وتخويف لا أكثر.

وفي هذا المجال، قال المواطن الفلسطينيّ عبد الرؤوف محمّد من غزّة لـ "المونيتور": "إنّ التزام السلطة باتفاق باريس الاقتصادي وربطها بالجانب الإسرائيليّ خنق السلطة الفلسطينيّة لأنّ الاتفاق ينصّ على أنّ منظّمة التحرير الفلسطينيّة هي الّتي لها الحقّ في أن تفاوض وتبرم اتفاقيات تجاريّة، نيابة عن السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، ما دامت سياسة الاستيراد الّتي تطبّق في إسرائيل تسري في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وهذه سلبيّة كبيرة لأنّ منظّمة التّحرير لا تمثّل الكلّ الفلسطينيّ، إضافة إلى أنّ هذه الاتفاقية مرهونة بالتدابير الأمنيّة الإسرائيليّة وما أكثرها، والّتي تخضع الاقتصاد الفلسطينيّ لها. ومع ذلك، فإنّ الخاسر من وراء وقف الاتفاقيات الاقتصادية هي السلطة الفلسطينيّة المرهون اقتصادها إجباريّاً بالجانب الإسرائيلي".

من جهته، قال المواطن خالد عوض من رام الله لـ "المونيتور": "إنّ الخاسر الأوّل من وراء وقف التّعاون الاقتصادي والاتفاقيات بين الطرفين هي إسرائيل بالدرجة الأولى على اعتبار أنّ الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة سوق كبيرة للمنتجات الإسرائيليّة، وأن إسرائيل تحقّق أرباحاً كبيرة وطائلة من وراء التجارة مع الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وتوقّفها سيكلّف إسرائيل فقدان أرباح كبيرة كانت تحقّقها من وراء التجارة مع الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة".

ومن جهتها، قالت وزيرة الاقتصاد الفلسطينيّ في الحكومة الفلسطينيّة عبير عودة في تصريحاتها لـ "المونيتور": "إنّ جميع الاتفاقيات الاقتصادية تمّ توقيعها بين طرفين التزما بتنفيذها معاً، ومن يخلّ بشروطها يتحمّل كافّة المسؤوليّة تجاه المجتمع الدوليّ."

واعتبرت "أنّ خطاب أبو مازن اشتمل على العديد من القرارات الصارمة الّتي سيتمّ تنفيذها على أرض الواقع، ومنها قرار وقف العمل بالاتفاقيات الاقتصادية االموقعة مع إسرائيل حسب اتفاقية باريس والّذي تملكه السلطة الفلسطينيّة متسلّحة بدعم المجتمع الدوليّ الّذي يرفض دائماً السياسات الإسرائيليّة الخاطئة وغير المسؤولة بحق الاقتصاد الفلسطينيّ"

وأوضحت عودة "أنّ السلطة تستطيع تنفيذ تهديداتها بوقف التّعاون الاقتصادي مع إسرائيل، وأن تتّخذ قراراً كهذا، لأنّها ليست مجبرة على ذلك في حال إخلال الجانب الإسرائيليّ به".

وكان محمود عبّاس قد أعلن في خطابه بـ27 أيلول/سبتمبر من عام 2015 في نيويورك أمام الأمم المتّحدة الالتزام بقرارات المجلس المركزيّ الّتي تمّ تجميدها لأشهر طويلة بسبب التعنت الإسرائيلي وأيدتها القمة العربية التي انعقدت بشرم الشيخ في 12اذار/مارس 2015 وتدعو إلى إعادة النّظر في العلاقات الأمنيّة والاقتصادية الّتي حدّدتها اتفاقية باريس، التي تمّ التّوصل إليها في نيسان/أبريل من عام 1994 بشأن الإجراءات والأنظمة الّتي تحكم العلاقات الاقتصادية بين الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة وبين إسرائيل خلال الفترة الانتقاليّة.

معوقات التّنفيذ

أمّا المحلّل السياسيّ وأستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأزهر بغزّة ناجي شراب فقال في تصريحاته لـ "المونيتور": "إنّ القرارات الواردة في خطاب الرّئيس أبو مازن تحتاج إلى القدرة والقوّة لتنفيذ فك الارتباط الاقتصادي والعمل بالاتفاقيات الاقتصادية ووجود البديل، في حال تمّ ذلك بين الطرفين، وهي غير متوافرة في ظلّ المشاكل الكبيرة الّتي تعيشها السلطة الفلسطينيّة، وعلى رأسها الانقسام الفلسطينيّ وهشاشة الاقتصاد وضعف العمق العربيّ والدوليّ للقضيّة الفلسطينيّة".

وأشار إلى استحالة إمكانيّة ذهاب السلطة الفلسطينيّة إلى قرارات قاطعة مع إسرائيل نهائيّاً، كون الاقتصاد الفلسطينيّ متداخلاً تداخلاً كليّاً في الاقتصاد الإسرائيليّ، وإنّ هذه القرارات تحتاج إلى رؤية دقيقة ودراسة شاملة لكلّ أبعادها وتداعياتها حتّى لا يحدث انهيار وفشل كامل في منظومة الاقتصاد الفلسطينيّ.

وفي تصريحات على موقع الإقتصاديّ الإخباريّ في 3 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2015، أوضح الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم من رام الله أنّ التغيّرات على الصعيد الاقتصادي لن تكون جوهريّة، ولن تمس حياة المواطنين مباشرة، في حال قرّرت القيادة إيقاف العمل بالاتفاقيات، وقال: "لم تكن العلاقات بين فلسطين وإسرائيل محكومة أبداً بالاتفاقات الموقّعة بين الطرفيين، ذلك لأنّ هذه الاتفاقات قليلاً ما تلزم إسرائيل بشيء ورغم هذا، فعلى الحكومة أن تدرس تداعيات هذا القرار وتبعاته والتّحضير له، حتّى لا يكون قراراً ارتجاليّاً يتحمّل عواقبه الشعب الفلسطينيّ.

مجرّد خطاب

بدوره، قال رئيس تحرير جريدة "الاقتصادية" في غزّة محمّد أبو جياب لـ "المونيتور": "إنّ خطاب أبو مازن كان تلويحاً بمخاطر غياب التّمويل الدوليّ للسلطة الفلسطينيّة، الّذي نجح في منعه. أمّا فيما يتعلّق بقدرة الرّئيس والسلطة على تنفيذ فكّ الارتباط اقتصاديا وإلغاء اتفاقية باريس مع الجانب الإسرائيليّ، فذلك أمر صعب، بل مستحيل، على اعتبار أنّ إسرائيل هي المتحكّم في مصير السلطة الفلسطينيّة، وهي المسيطرة على المعابر التجاريّة".

وأشار أبو جياب إلى أنّ الخاسر الأوّل من وراء إلغاء الاتفاقيات الاقتصادية هي السلطة الفلسطينيّة لأنّ ما تجنيه إسرائيل من أموال طائلة من وراء تجارتها مع الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة لا يذكر أمام ما تقدّمه الولايات المتّحدة الأميركيّة من دعم إلى حليفها الاستراتيجيّ إسرائيل، إضافة إلى استثمارات إسرائيل على مستوى العالم في مجال التكنولوجيا فقط، والمقدّرة بـ 6 مليارات دولار سنويّاً.

وكانت اسرائل قد رفضت طلب السلطة الفلسطينية في السابق مبدأ مناقشة اتفاقية باريس التي وضعت بشكل مؤقت لمدة أربع سنوات نهائيّاً كونها مشروعاً مربحاً لإسرائيل ويدخل من ورائها إلى وزارة الحرب الإسرائيليّة 300 مليون دولار سنويا، من فواتير المقاصّة (الضرائب على البضائع الفلسطينية الواردة عبر المعابر الإسرائيلية) والّتي يحرقها التجّار الفلسطينيّون ورجال الأعمال وهي تنتج أسلحتها وقوّتها من ورائها.

ويبقى الجدل الدائر حول من الرابح ومن الخاسر من وراء فك الارتباط الاقتصادي الفلسطيني الإسرائيلي قائماً ما دام الأمر مرهوناً بخطاب لن تنكشف تفاصيله الحقيقيّة ما لم يترجم على أرض الواقع.

More from Iyad Qatrawi

Recommended Articles