تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

دعوة السلطة إلى استقبال اللاّجئين من سوريا رمزيّة تفتقد للإمكانات

رغم إبداء السلطة الفلسطينيّة استعدادها لاستقبال اللاّجئين الفلسطينيين والسوريين الفارّين من سوريا، إلاّ أنّها لا تملك الإمكانات الماليّة واللوجستيّة لذلك، الأمر الّذي اعتبره المراقبون تذكيراً للعالم بقضيّة اللاّجئين ومحاولة لنزع الشرعيّة عن إسرائيل الّتي ترفض السماح بعودتهم.
RTR2345S.jpg

رام الله، الضفّة الغربيّة — على وقع تفجّر أزمة اللاّجئين السوريّين في العالم، أبدت السلطة الفلسطينيّة في أيلول/سبتمبر استعدادها لاستقبال اللاّجئين الفلسطينيّين والسوريّين على أراضيها، داعية المجتمع الدوليّ إلى ممارسة الضغط على إسرائيل للسماح بذلك.

ولم يقتصر الموقف الفلسطينيّ على إعلانها عبر وسائل الإعلام فقط عن استعدادها لذلك، بل طالب رئيس دولة فلسطين محمود عبّاس، من المندوب الفلسطينيّ الدائم في الأمم المتّحدة رياض منصور في 5 أيلول/سبتمبر، العمل وبسرعة مع الأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون لاتّخاذ الإجراءات المناسبة والضروريّة لاستيعاب اللاّجئين في فلسطين.

وأكّدت وزارة الخارجيّة الفلسطينيّة في بيان صحافيّ في 6 أيلول/سبتمبر "جاهزيّة فلسطين للتّعامل مع مشكلة اللاّجئين، خاصّة في ما يتعلّق باللاّجئين القادمين من سوريا، وأنّها على استعداد ورغم إمكانيّاتها المحدودة والمتواضعة، لفتح بيوت كلّ المواطنين في دولة فلسطين لاستيعاب كلّ هؤلاء بدل حالة اللّجوء الجديدة أو المخاطرة نحو المجهول، بناء على تعليمات الرئيس عباس".

وعاش اللاّجئون الفلسطينيّون في سوريا في ظروف مأسويّة، خصوصاً في مخيّم اليرموك دفعتهم إلى الهروب من المخيّم، حيث لم يبق فيه سوى 5 آلاف لاجىء من أصل 200 ألف فلسطينيّ كانوا يقطنون فيه، حسبما أفاد عضو اللّجنة التنفيذيّة لمنظّمة التّحرير ومسؤول ملف مخيّم اليرموك أحمد مجدلاني "المونيتور". كما عاش اللاّجئون في مخيّم نهر البارد ظروفاً شبيهة بالأوضاع السوريّة، حين اندلع قتال فيه بين الجيش اللبنانيّ ومسلّحين من حركة "فتح الإسلام" في 20 أيّار/مايو من عام 2007 أدّى إلى تدميره وتهجير قاطنيه من دون أن تتمكّن السلطة أيضاً من استقبالهم.

وقال مصدر مسؤول في السلطة الفلسطينيّة، رفض الكشف عن هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ السلطة الفلسطينيّة تدرك أنّ إسرائيل لن تسمح لها باستقبال اللاّجئين تحت أيّ ظرف، وموقفها باستعدادها لاستقبال اللاّجئين هو لإحراج إسرائيل أمام المجتمع الدوليّ ونزع الشرعيّة الأخلاقيّة عنها في المحافل الدوليّة، في ظلّ المعركة السياسيّة الّتي تخوضها السلطة لنزع اعتراف العالم بالدولة الفلسطينيّة".

وتعتبر قضية اللاّجئين إحدى قضايا الوضع النهائيّ بموجب إتّفاقية أوسلو، والّتي لم تنُاقش حتّى الآن بعد 22 عاماً على توقيع الإتّفاق، وتشمل قضايا القدس، اللاّجئين، الدولة، الحدود والأمن، المستوطنات، والمياه.

ويحظى ملف اللاّجئين بحساسيّة وأهمية بالغة جدّاً لدى الفلسطينيّين الّذين يتمسّكون بحقّهم في العودة إلى ديارهم، استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 194 الصادر في 11 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 1948، وينصّ على حقّ عودة اللاّجئين إلى أراضيهم.

وفي هذا الإطار، أشار أحمد مجدلاني مسؤول ملف مخيم اليرموك لـ"المونيتور" إلى أنّ "الموقف الفلسطينيّ يعبّر عن حرص القيادة الفلسطينيّة على معالجة موضوع اللاّجئين، انطلاقاً من المسؤوليّة الفلسطينية" من خلال دعوة الأطراف الدوليّة إلى الضغط على إسرائيل للسماح بقدوم اللاّجئين من دون شرط ومن دون ربط اسرائيل هذه العودة بالتنازل عن حقّ عودة اللاجئين وفق قرار 194".

ويبدو أنّ السلطة لا تملك أيّ خطّة عمليّة لاستقبال اللاّجئين، إذ قال مجدلاني ردّاً على سؤال حول قدرة السلطة وإمكاناتها للتّعامل مع هذا الأمر: إن حدث "فهذه مسؤوليّتنا تجاه شعبنا من اللاجئين في سوريا. سنبذل كلّ جهد مستطاع، وواجبنا أن نتحمّل هذا الأمر. وعلى الشعب في الضفّة استقبال إخوانهم من اللاّجئين وتحمّل هذا الامر. وفي كلّ الأحوال، الوضع هنا في فلسطين أفضل من أيّ مكان آخر. وهذا الأمر سيتحمّل مسؤوليّته التكافليّة والتضامنية كلّ الشعب".

وبدوره، قال أحمد حنون، وهو المدير العام لدائرة اللاّجئين في منظّمة التحرير الّتي تعتبر الممثّل الشرعيّ للشعب الفلسطينيّ، وتقع على عاتقها مسؤوليّة اللاّجئين في كلّ مناطق الشتات في العالم: إنّ الدعوة الفلسطينيّة لاستقبال اللاّجئين تصطدم بالموقف الإسرائيليّ الرّافض لها، الّذي ينسجم مع ما تطرحه إسرائيل من شروط تهدف إلى نسف حقّ العودة والتنازل عنه.

ويعيش في الضفّة الغربيّة نحو 800 ألف لاجىء فلسطينيّ في 19 مخيّماً معترفاً بها من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاّجئين "أونروا" الّتي تقدم خدماتها إليهم، في حين توجد هناك 5 مخّيمات غير معترف بها ولا تحصل على خدمات "أونروا"، يعيشون جميعهم في ظروف معيشيّة صعبة ترتفع فيها نسبة البطالة وتدنّي الخدمات المقدّمة إليهم. كما أشار أحمد حنون.

ومن جهته، اعتبر أستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة "بيرويت" أحمد جميل عزم في حديث مع "المونيتور" أنّ "الدعوة الفلسطينيّة لاستقبال اللاجئين تذكير إيجابيّ للعالم بأنّ هؤلاء اللاّجئين لديهم وطن وأرض، لكنّ احتمال العودة مستبعد جدّاً ومستحيل، لكنّها تبقى خطوة رمزيّة لها أهميّة إعلاميّة"، وقال: "هذه الخطوة تأتي في سياق الضغوط السياسيّة والإعلاميّة الّتي تمارسها السلطة على إسرائيل دوليّاً، في ظلّ فراغ سياسيّ وديبلوماسيّ ووطنيّ كبير تعيشه فلسطين".

أضاف: "إنّ رفع العلم الفلسطينيّ في الأمم المتّحدة والإعلان عن الاستعداد لاستقبال اللاّجئين، كلّها خطوات هامشيّة ورمزيّة، مقارنة بالأجندة الرئيسيّة الّتي كان متوقّع القيام بها سواء من خلال المبادرة الفرنسيّة لمجلس الأمن، أو إحداث حراك على عمليّة السلام بعد انتهاء الأطراف الدوليّة من الملف الإيرانيّ، وهو ما لم يحدث".

وأيّد الكاتب والمحلّل السياسيّ أحمد رفيق عوض في حديث لـ"المونيتور" ذلك، وقال: "إنّ السلطة ليست لديها القدرات الماليّة واللوجستيّة لاستقبال لاجئين جدد، إضافة إلى الرّفض الإسرائيليّ، وهو الأمر الّذي سيترتّب عليه تغيير ديموفرغرافيّ في فلسطين التاريخيّة. السلطة ليست لديها القدرة على استيعاب اللاّجئين".

أضاف: "إنّ الطلب الفلسطينيّ لا علاقة له بالاستعداد والاستيعاب بقدر ما هو دلالة رمزيّة وعاطفيّة، ورسالة لجميع العالم أنّنا ورغم كلّ ما نعانيه من حصار وفقر على استعداد لاستقبال أبناء شعبنا". وفي الجانب الآخر، هو محاولة لـ"نزع الشرعيّة الأخلاقيّة عن إسرائيل أمام كلّ المحافل الدوليّة، وهذا جزء من عمل السلطة الفلسطينيّة في الساحة الدوليّة لإظهار إسرائيل أنّها ضدّ حقوق الإنسان وقرارات الشرعيّة الدوليّة".

ويبدو أنّ الفلسطينيّين الّذين عرفوا الهجرة واللّجوء قبل 67 عاماً، لن يعرفوا نهاية لهذه الحكاية، حيث تدفعهم أقدارهم للجوء جديد آخر، هرباً من الموت في سوريا إلى دول أخرى بانتظار اللّحظة الّتي تسمح لهم بالعودة إلى وطنهم فلسطين.

More from Ahmad Melhem

Recommended Articles