تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيش... نجت من الطوفان الكبير لتغرق في الرمال

زار مراسل المونيتور آثار مدينة كيش التي يرجع تاريخها إلى نحو 5000 سنة ق.م، ولم يتبق منها سوى أطلال مدفونة تحت الرمال، تنتظر التنقيب الذي غاب عنها لفترة طويلة.
General view of the ancient city of Babylon near Hilla, south of Baghdad February 28, 2015.  REUTERS/Alaa Al-Marjani (IRAQ - Tags: SOCIETY) - RTR4RKUI

شرق بابل، العراق — منذ أن قام فريق إنكليزيّ متخصّص في علم الآثار من متحف فيلد وجامعة أوكسفورد بالتنقيب في آثار مدينة كيش (80 كيلومترا جنوبي بغداد) بين عامي 1923 و1929، لم يجر في هذه المدينة التي يرجع تاريخها إلى نحو 5000 سنة ق.م أيّ تنقيب آخر، بل غطّت رمال الصحراء الآثار الظاهرة، وباتت أطلالاً وكثباناً رملية وتلالاً.

وحسب السجل الأثريّ، يبدو أن مدينة كيش نجت من الغرق، بعد الطوفان العظيم الذي حدث قبل نحو قبل 7600 سنة، الذي تذكره الديانات اليهودية والمسيحيّة والإسلام.

هذا ما جعلها مدينة لها ميزة خاصّة. بيد أنّ ما أضاف إلى هذه الميزة، أنّها شهدت ظهور الملك الأكديّ الشهير سرجون الذي وصلت فيه الدولة الأكديّة إلى مستوى الإمبراطوريّة. فقد ضمّ هذا الملك الشجاع المدن المجاورة لكيش إلى مملكته، وغزا الأقطار المجاورة للعراق مثل الأناضول وسوريا وفلسطين وسواحل البحر المتوسّط ومنطقة الخليج العربيّ.

الزائر لهذه المدينة التي تبعد عن مدينة بابل الأثرية في بابل بنحو 12 كم نحو الشرق، لن يجد في الوقت الحاضر، سوى المزيد من الاندثار في الأثار التي طُمست في الرمال بصورة اكثر من ذي قبل.

وأفاد حارس المنطقة الأثريّة الذي يدعو نفسه "أبو علي" لـ"المونيتور" بأنّ "لا جديد في التنقيب واستكشاف هذه المدينة التاريخيّة، فلم تجر عليها أعمال تنقيب، ولم تتوافر لها الحماية من مهرّبي الآثار، سوى إحاطتها بسياج شبكيّ لا يوفّر الحماية اللازمة".

وتقع آثار كيش في منطقة زراعيّة، وتجاورها قرى مزارعين متناثرة، غير أنّ الساكنين في تلك المناطق نادراً ما يزورونها حسب ما قاله لـ"المونيتور" الشيخ حيدر الياسري، الذي يسكن ناحية الإمام التي تبعد نحو خمسة كيلومترات عن الآثار، مرجعاً السبب إلى أنّ "الناس يعتقدون أنّ الجنّ يسكن فيها".

فضلاً عن الاعتقادات الغيبيّة للناس، تحدّث الشيخ الياسري عما سمّاه "عدم إدراك لدى الكثير من أهالي تلك المناطق لأهميّة هذه الآثار". يوضح ذلك بمثال: "فقد عثر المزارعون في عام 1995 على قطع ذهبيّة مطمورة في إحدى الحفر العميقة، ممّا خلق نزاعاً عشائريّاً للاستحواذ عليها، وتدخّلت الشرطة لانتزاع هذا الكنز الأثريّ من أيدي أفراد العشائر".

مخاوف ميتافيزيقيّة من جهّة، وأطماع بذهب الماضي من جهّة أخرى... هذا ما يؤكّده مدرّس التاريخ المتقاعد علي لفتة من بابل، في لـ"المونيتور". ويقول إنّ "الجهل وغياب الوعي بالتاريخ، أدّيا إلى إهمال المنطقة، إذ يربطها البعض بالخوف من القوى الخفيّة التي تسكن فيها".

ويتابع: "من جانب آخر، وجد فيها بعض سكّان المنطقة الفرصة للإثراء غير المشروع، فشرعوا ينقّبون بصورة سريّة بحثاً عن اللقى الأثريّة، وبالفعل فقد سرق الكثير منها".

تبدو آثار كيش التاريخيّة من بعيد في الوقت الحاضر، مجرّد هضاب كالحة اللون. وبالاقتراب منها، بدت بقايا جدران منخوبة، وكتلاً متآكلة لا يمكن معرفة طبيعتها، أهي لبقايا قصور أو بيوت أو معابد. فتقادم الزمن، والإهمال الشرس لفترة زمنيّة طويلة، والتنقيبات الجائرة للصوص الآثار قد حوّلتها إلى مكان مأساويّ.

في حديثه إلى "المونيتور"، قال عضو المجلس البلديّ في محافظة بابل طارق السلطاني، إنّ "المنطقة تضمّ أكثر من أربعين تلاًّ تضمّ في بطونها آثار تعود إلى الحضارات الأكديّة والآشوريّة والبابليّة".

وهذه التلال تعصف بها الريح ويطويها النسيان، والمصادفات وحدها تكشف كنوزها. وها هو مدير هيئة آثار بابل التابعة لوزارة السياحة والآثار، حسين فليح يشير إلى الصحافة في 6 كانون الأوّل/ديسمبر 2013 بواحدة منها : "أدّت الأمطار الغزيرة إلى انجراف التربة ممّا كشف عن قرابة 100 قطعة أثريّة مختلفة تعود إلى الدولة الساسانيّة والبابليّة في العراق".

وتضمّ مدينة بابل الأثريّة، حيث تقع آثار كيش أكثر من 400 موقع أثريّ محدّد ومسجّل، فيما تؤكّد دائرة الآثار والسياحة أنّ هناك 10 آلاف موقع أثريّ مسجّل رسميّاً لم يتمّ التنقيب إلاّ عن 2% منها فقط.

وفعلاً ما زال العراق يحتوي على المئات من مناطق الآثار غير المنقّب فيها، مثل آثار كربلاء، وبابل التاريخيّة التي لم ينقّب عن نحو 75 في المئة من آثارها بحسب تصريح اعلامي لمعاون محافظة بابل، علي عبد سهيل، بينما أصبح جزء كبير منها مهملاً، ومعرّضاً إلى السرقة.

ويقول أستاذ التاريخ في جامعة بابل والباحث الآثاريّ عامر عجاج، لـ"المونيتور" في بابل، مؤشرا على صور لديه للمدينة إن "التلّ الأكبر واسمه تلّ الأحيمر والذي يبعد مسافة خمسة كيلومتر عن مركزها، اندثرت تحته الزقورة ومعبد الإله إنانا، وورد ذكرهما في ملحمة گلگامش، وهي عمل أسطوريّ شعريّ كتب في العهد السومريّ، بين عامي 2750 و2350 قبل الميلاد".

وفي هذا الشأن، يؤكّد عجاج أنّ "إعادة ترميم هذه المناطق الآثاريّة الواسعة لن تتمّ إلاّ بمشاريع استثماريّة توفّر المبالغ اللازمة لاستقدام الخبرات الأجنبيّة التي تساعد على الكشف عنها... فهي آثار تهمّ العالم كونها تعود إلى حقبة تاريخيّة ضاربة بالقدم".

More from Adnan Abu Zeed