تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل وزيرة الثقافة الإسرائيليّة مخمورة بالسلطة؟

تحبّ وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغيف أن تذكّر الفنّانين والمؤسسات الثقافيّة بأنّها تملك السلطة لتحديد مصيرها، بما في ذلك احتجاز أموالها إذا لم تستجب لمعاييرها الخاصّة بالوطنيّة.
Likud legislator Miri Regev, a former brigadier general and political hardliner of Moroccan origin, looks out a car window during a campaign stop in Netanya, north of Tel Aviv February 25, 2015. Israel's Sephardic community, Jews of Middle Eastern descent, have traditionally been the Likud party's backbone. But political analysts say Sephardim, disproportionately poorer than Israel's Ashkenazi Jews with roots in Europe, may throw their support elsewhere in the March 17 election, angry over the high cost of

حضرت وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغيف اجتماعها الأوّل مع ممثّلين عن المؤسسات الثقافيّة الإسرائيليّة في 11 حزيران/يونيو وهي على أتّم الاستعداد. فقد وصلت ريغيف، التي تتصادم مع "الفنّانين اليساريّين" منذ اليوم الأوّل لها في السلطة، برفقة مستشارين قانونيّين ومدفوعة بهدف واضح، ألا وهو أن تُظهر لهذه المجموعة من اليساريّين مَن صاحب السلطة الجديد.

وفي اليوم السابق، كانت ريغيف في عين العاصفة بعد أن هدّدت باحتجاز أموال مسرح "ألمينا" الذي أسّسه الممثّل العربيّ نورمان عيسى مع زوجته اليهوديّة، طالما أنّه يستمرّ في رفض الظهور في غور الأردن لأسباب سياسيّة. وكتب عيسى على صفحته على "فيسبوك": "يكاد الضغط الممارَس عليّ أن يكون ابتزازاً. لا تدفعوني إلى التصّرف خلافاً لما يمليه عليّ ضميري كي أضع حداً لهذا التهديد".

لكنّ ريغيف لم تتأثّر بجواب عيسى، ولا بالضجّة الإعلاميّة التي أثارها، بل استغلّت ذلك لكي تثبت لناخبيها أنّها لن تخضع "للدكتاتوريّة اليساريّة" الخاصّة بالفنون الإسرائيليّة. وأعلنت قائلة: "أنا أؤيّد حرية التعبير، لكن لا يتعيّن على وزير الثقافة توجيه التمويل الحكوميّ إلى مجموعات ومنظّمات تجرّد الدولة من شرعيتها وتدعم حملات المقاطعة".

يمكن أن نعارض مقاربة ريغيف وأجندتها، لكن لا يمكن أن ننكر أنّه لديها وجهة نظر منطقيّة. المشكلة الحقيقيّة مختلفة وأكثر جدية، وهي أنّ ريغيف مخمورة بالسلطة. فهي لم تكفّ عن التفاخر بأنّها فازت في انتخابات 17 آذار/مارس، وإن كانت تعد بأن تكون وزيرة ثقافة "للجميع".

وفي الاجتماع المشحون مع ممثّلين عن المجتمع الفنيّ في 11 حزيران/يونيو، شرحت ريغيف بأسلوبها المباشر والصريح، قائلة: "لدينا 30 مقعداً في الكنيست، أمّا أنتم فلديكم 20... نعرف أنّ اليسار يعتقد أنّ الثقافة الإسرائيليّة ملكه، [لكن] دعونا لا نخلط بين مَن هو الجمهور ومَن اختار [الجمهور]. أنا أحدّد المعايير ويمكنني أن أقرّر... أن تذهب كلّ الأموال إلى الضواحي وإلى يهودا والسامرة ليس إلا".

ريغيف على حقّ. فهي التي تحدّد معايير التمويل الحكوميّ، وقد قالت ذلك بعد الحصول على مشورة قانونيّة. لكنّ ما لا تفهمه هو أنّ الانتخابات انتهت، وباتت الآن وزيرة في الحكومة. وقد يكون حزب الليكود هو الحاكم، لكنّ هذا لا يسمح لها بإذلال خصومها الذين خسروا. لكن بدلاً من أن تُظهر ريغيف قليلاً من الحكمة والشهامة، تستمرّ في حملتها الانتخابيّة، وتتصرّف كما لو أنّها تحارب في الانتخابات الأوليّة من أجل مكان لها على لائحة مرشّحي حزب الليكود. وهي ليكوديّة فخور حتّى الرمق الأخير، وغير مستعدّة لتأخذ بعين الاعتبار هؤلاء اليساريّين المتغطرسين الذين يعتمدون اليوم على سخائها، ولا تعتذر عن وطنيّتها.

ويختلف هذا السلوك كلّ الاختلاف عن قيم الزعيم الصهيونيّ التعديليّ زئيف جابوتينسكي القائمة على النبل والنزاهة السياسيَّين، ورئيس الوزراء المبجّل من حزب الليكود، مناخيم بيغن، الذي عرف كيف يكون زعيماً للجميع. فالمهمّ بالنسبة إلى ريغيف هو أن تتمكّن في الانتخابات المقبلة من أن تقدّم إلى ناخبيها اليمينيّين مجموعة من الأمثلة التي تبيّن أنّها تصرّفت بعزم، وأذلّت اليسار، وأظهرت لهؤلاء الفنّانين اليساريّين من هو صاحب السلطة. عيسى هو ضحيّتها الأولى، وسيكون هناك بلا شكّ ضحايا آخرون.

ووصف الممثّل المخضرم المحترم شلومو فيشينسكي، الذي شارك في اجتماع 11 حزيران/يونيو، الوضع، قائلاً: "لا مجال لتغيير الوضع، هم فازوا ونحن خسرنا. لكن يمكننا أن نعمل معاً... نحن نعتمد عليها، وأتمنّى لها التوفيق".

خسر فيشينكي ابنه، ليور، في العام 2004 في انفجار استهدف ناقلة الجنود المدرّعة التي كان يقودها في رفح، قبل حوالى سنة من الانسحاب من غزة في العام 2005. ولا تتفوّق عليه ريغيف ورفاقها اليمينيّون إطلاقاً من ناحية الالتزام بالصهيونيّة والدولة. فقد ضحّى بابنه البكر، الذي تشبّع من هذه الشعارات والقيم في البيت، من أجل هذه الشعارات والقيم بالذات. ولهذا السبب، تُعتبر كلمات فيشينكسي حكيمة، وإن كانت تدلّ على شيء من الاستستلام. فهي تفضح ريغيف كسياسيّة شعبويّة تافهة تعتقد أنّها تحتكر الثقافة من الآن فصاعداً.

من الواضح أنّ فيشينكسي يعتبر الظروف المهينة مؤلمة، لكنّه قرّر عدم مواجهة ريغيف وتفادي الدخول في جدل معها حول حدود الثقافة ومعنى حبّ الوطن – خلافاً للممثّل غافري باناي الذي وصفها بالسوقيّة بعد تعيينها وزيرة للثقافة، ما شكّل منفعة سياسيّة إضافيّة لها في صفوف اليمين.

وستقوم ريغيف، كما أعلنت في اجتماعها مع الفنّانين وفي الإعلام، باحتجاز أموال أيّ شخص يتجرأ على تجريد دولة إسرائيل من شرعيّتها. ويدخل هذا التحرّك ضمن نطاق حقوقها، وهو في بعض الحالات القصوى، من واجبها أيضاً. لكنّ مشكلة ريغيف هي أنّها لا تعرف حدوداً، ونزع الشرعيّة هو مسألة تأويل وتفسير، وليس بالضرورة مفهوماً قابلاً للقياس. وهنا بالضبط، يمكن كبح حريّة التعبير الفنيّة.

وينطبق الأمر نفسه على نفتالي بينيت، رئيس حزب "البيت الليهوديّ" ووزير التعليم، الذي أمر في 9 حزيران/يونيو بحذف مسرحيّة "زمن موازٍ" التي عُرضت على مسرح "الميدان" من لائحة المسرحيّات المموّلة من الحكومة والملائمة لتلاميذ المدارس الصغار في السنّ. وهذه المسرحيّة هي من كتابة وإخراج بشار مرقس، ومستوحاة جزئياً من قصّة إسرائيليّ عربيّ يدعى وليد دقّة حُكم عليه بالسجن المؤبّد بسبب مشاركته سنة 1948 في خطف الجنديّ موشيه تمام وتعذيبه وقتله.

نالت المسرحيّة سنة 2014 موافقة لجنة من الخبراء تابعة لوزارة التعليم وجدت أنّ محتوى المسرحيّة لا يطرح إشكاليّة بالنسبة إلى الأطفال. لكن بعد احتجاج عائلة تمام، أعاد بينيت النظر في هذا القرار، واستبعد المسرحيّة لأسباب أخلاقيّة، قائلاً: "لن يموّل المواطنون الإسرائيليّون مسرحيّات فيها تسامح تجاه قتلة الجنود".

وكما كان متوّقعاً، لقي قرار بينيت ترحيباً من اليمين، أي من قاعدته الانتخابيّة، مع أنّ المسرحيّة نالت مؤخراً، وللمرّة الثانية، موافقة لجنة الخبراء الثقافيّة. وكانت اللجنة قد وافقت عليها في المرّة الأولى في عهد خلف بينيت، شاي بيرون، بعد أن وجدت أنّها لا تحتوي على أيّ عناصر مهينة أو تحريضيّة. لكنّ بينيت أراد أن يترك بصمة منذ البداية.

أمّا في حالة ريغيف، فالأمر يدعو إلى القلق إذا كان هذا هو النهج الذي ينوون اعتماده.

More from Mazal Mualem

Recommended Articles