تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لم لا تثق إيران بالولايات المتحدة

انعدام الثقة بين إيران والقوى العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا يزال يقف في طريق التوصل لاتفاق نووي شامل.
EDITORS' NOTE: Reuters and other foreign media are subject to Iranian restrictions on leaving the office to report, film or take pictures in Tehran.

An anti-U.S. mural is seen on a wall of a government building in central Tehran October 12, 2011. U.S. authorities said on Tuesday that they had broken up a plot by two men linked to Iran's security agencies to kill the Saudi envoy, Adel al-Jubeir. One man was arrested last month while the other was believed to be in Iran. REUTERS/Morteza Nikoubazl (IRAN - Tag

تجري حاليًا محادثات مكثفة بين دبلوماسيين إيرانيين بارزين والدول الكبرى لتضييق هوة الخلافات والتوصّل إلى اتفاقٍ نوويٍّ شاملٍ بحلول الأول من تموز/يوليو المقبل.

إن العقبة الرئيسية أمام تحقيق مثل هذا الاتفاق هو نقص جوهري في الثقة بين الجانبين. فلو وجدت الثقة لكانت معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية كافية لتهدئة المخاوف بشأن الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني. غير أن الأمور العالقة حاليًا تتخطى التدابير المنصوص عليها في المعاهدة.

يكمن الحلّ المستدام لكلا الجانبين في اتخاذ تدابير لبناء الثقة وتخفيف الشكوك والارتياب الذي يشعر به كل طرف تجاه الطرف الآخر.

وبينما مخاوف الولايات المتحدة من إيران معلومة في الغرب، يبقى من المهمّ توضيح الأسباب وراء عدائية طهران تجاه الحكومة الأمريكية.

ونذكر في ما يلي هذه الأسباب بإيجاز:

1. لقد عارضت الحكومات الغربية بشدة جهود إيران لتأميم صناعة النفط الخاصة بها في أوائل الخمسينات. وقد أحالت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إيران إلى مجلس الأمن الدولي باعتبارها "تهديدًا للسلام الدولي" بما لديها من جرأة لانتزاع السيطرة على مواردها من الشركات الأجنبية، مما أدّى إلى فرض عقوبات وغيرها من وسائل الضغط على إيران في ذلك الوقت.

2. في عام 1953، دبّرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة انقلابًا أطاح بالرئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطيًا٬ محمد مصدق، ووضعتا الشاه على كرسي الحكم بصفته الديكتاتور المطلق. وقد أدّى ذلك إلى اقتلاع طريق الديمقراطية التي كانت إيران تسير عليه على مدى عقود.

3. قدّمت الولايات المتحدة والغرب دعمهما الكامل للشاه لربع قرن، ممّا أدّى إلى بروز نزعة تطرف بين الشعب وجاءت الثورة الإسلامية في عام 1979 كنتيجة طبيعية لنهج الغرب تجاه إيران.

4. منذ قيام الثورة، تركزت السياسة الأمريكية تجاه إيران على هدفٍ واحدٍ وهو تغيير النظام من خلال وسائل قسرية مثل العقوبات والعزل ودعم الجماعات المعارضة التي تورطت في بعض الأحيان في أعمالٍ إرهابيّة. ولم تقم الحكومة الأميركية بإعادة النظر [بجدوى] هذه السياسة وذلك حتّى فترة متأخرة مع ولاية الرئيس باراك أوباما الثانية.

5. بعد الثورة، قامت العديد من الدول الغربية بالانسحاب انفراديًا من التزاماتها التعاقدية مع إيران وغادرت البلد مع عشرات المليارات من الدولادات المدفوعة مسبقًا لمشاريع صناعية لم تكن قد استُكملت.

6. في عام 1980، قام الديكتاتور العراقي صدام حسين بغزو إيران، مسبّبًا بحربٍ دامت ثمانية سنوات أودت بحياة أكثر من 300،000 إيرانيٍّ وأسفرت عن أضرارٍ بأكثر من تريليون دولار أميركي. وقد قامت الولايات المتحدة والغرب بدعم الرئيس الراحل بغزوه هذا.

7. لجأ صدّام إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد إيران خلاب الحرب العراقية الإيرانية، ممّا أسفر عن مقتل وإصابة ممّا يزيد عن 100،000 شخصٍ من المدنيّين. وللأسف، قامت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية بتزويد بغداد بالدراية والمواد اللازمة لتطوير هـذه الأسلحة وقامت حتىّ بتزويدها بصور الأقمار الصناعية لمواقع القوات الإيرانية مع العلم أن صدام أراد استخدام أسلحة الدمار الشامل ضدها.

8. في عام 1988، في خلال الحرب العراقية التي فُرضت على إيران، شنّت الولايات المتحدة أكبر عملية عسكرية بحرية منذ الحرب العالمية الثانية ضد إيران، مدمرةً منصات النفط الحيوية الإيرانية في الخليج الفارسي.

9. في عام 1988، قامت قوات البحرية الأمريكية بإطلاق النار على طائرة ركاب مدنية إيرانية، مسفرةً عن مقتل 290 شخصًا بريئًا بما في ذلك 66 طفلًا.

10. في عهد الرئيس الإيراني المعتدل هاشمي رفسنجاني في أوائل التسعينات، رحبّت إيران باقتراح إدارة جورج بوش الذي عُرف تحت اسم "النوايا الحسنة تولّد حسن النية"، وعبرت عن تعاونها من خلال تسهيل الإفراج عن الرهائن الأمريكيين والغربيين في لبنان. ومن المفارقات، ردّت الولايات المتحدة على هذه النوايا الحسنة من خلال زيادة الضغط والعداء تجاه إيران.

11. خلال فترة رئاسة المصلح محمد خاتمي، كانت إيران من بين الدول الأولى في العالم التي أدانت الهجمات الإرهابية في 11 أيلول وتعاونت بشكلٍ غير مسبوقٍ مع الولايات المتحدة في "الحرب على الإرهاب"، ممّا ساعد على الإطاحة بحكومة طالبان في أفغانستان، وتسهيل تشكيل حكومة جديدة لتحل محلها. في المقابل، كافأت إدارة بوش ايران بتصنيفها عضو في "محور الشر".

12. وكما شرحت في كتابي "إيران والولايات المتّحدة: نظرة مطّلع إلى الماضي الفاشل والطريق إلى السلام"، اقترحت إيران في عهد محمود أحمدي نجاد دعوة ممثل الولايات المتحدة في أفغانستان لإجراء محادثات بشأن التعاون في أفغانستان. رحبت ايران أيضًا بالخطة الروسية بشأن القضية النووية والتعامل معها خطوة بخطوة، التي كان لا بدّ من شأنها تهدئة مخاوف الدول الغربية الكبرى بشأن البرنامج النووي الايراني. وعرضت إيران أيضًا أن تقوم الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالإشراف الكامل على منشآتها النووية لمدة خمس سنوات، وأشارت حتّى إلى أنها مستعدة لوقف تخصيب اليورانيوم عند مستوى 20٪، إذا تم تزويدها بقضبان الوقود لمفاعل الابحاث في طهران. ومع ذلك، ردّت الولايات المتحدة والغرب على كل هذه المبادرات السخيّة بتصعيدٍ للضغوط والعقوبات.

13. وقد أدّت سياسات الولايات المتحدة إلى المبالغة بعسكرة المنطقة، نتيجة لعمليات البيع الضخمة المتواصلة للأسلحة العسكرية الأميركية للدول العربية الخليجية الغنية مثل السعودية.

14. وتشكّل محاصرة الجيش الامريكي الفعّالة لإيران تهديدًا رئيسيًا للأمن القومي الإيراني.

15. وقد وفرت الحكومة الأمريكية الدعم غير المشروط لإسرائيل، من دون أي اعتبار للتطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني، مخالفة بذلك القانون الدولي.

16. وقد دعمت الولايات المتحدة مجموعة من الطغاة الوحشيين والأنظمة الفاسدة، من شاه إيران، لزين العابدين بن علي في تونس، حسني مبارك رئيس جمهورية مصر والأنظمة الملكية العربية القمعية - ممّا أثبت للجماهير الإيرانية والعربية عدم المصداقية الأميركية وادعائها أنها في طليعة دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

17. تجسّد السياسة الخارجية الأميركية ازدواجية المعايير بامتياز. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك واقع أن الولايات المتحدة كانت قد غضّت النظر عن بلدان تطور أسلحة نووية مثل الهند وباكستان وإسرائيل، التي لم توقع حتى على معاهدة حظر الانتشار النووي، في حين فرضت ضغطات قسرية ضد إيران، التي ليس لديها حتى برنامج أسلحة نووية وهي عضو في معاهدة حظر الانتشار النووي.

18. دعمت الولايات المتحدة المجموعات الإرهابية في المنطقة، بدءًا من العناصر المتطرفة في المعارضة السورية والجماعات الإرهابية الانفصالية الهادفة إلى تفكيك إيران مثل جماعة جند الله البلوشية الإرهابية ومنظمة مجاهدي الشعب الإيراني السيئة السمعة التي قامت باغتيال أكثر من 17،000 إيرانيًّ منذ قيام الثورة الإسلامية.

19. كما أشرح لي في كتابي "الأزمة الإيرانية النووية: مذكرات"، قامت الولايات المتحدة والغرب بعد الثورة، بالانسحاب من جميع الاتفاقات النووية والعقود مع ايران والطعن "بحقها الراسخ" بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي بالاستفادة من التكنولوجيا النووية السلمية. وضغطت الولايات المتحدة على ألمانيا لإيقاف مشروع محطة بوشهر، التي كان قد تمّ تنفيذ 90٪ منه، مقابل مبلغ 8 مليارات مارك ألماني كان قد تمّ تسديده. ودفعت واشنطن فرنسا لإلغاء اتفاق تخصيب اليورانيوم التي وقّعت عليها في عام 1973، والتي شملت إيران في كونسورتيوم بقيمة 1.2 مليار دولار مع "يوروديف" لتخصيب اليورانيوم في فرنسا لمفاعل طهران البحثي ومحطة بوشهر للطاقة.

إنّ انعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران هي بالطبع متبادلة. ومع ذلك يمكن للطرفين الاستفادة كثيرًا من وجود علاقة إيجابية بينها بصفة الأولى أعظم قوة عالمية، والثانية قوة إقليمية كبرى في منطقة الشرق الأوسط.

 إذا تحققت مثل هذه الشراكة، فمن شأنها أن تسهم إلى حدًّ كبيرٍ في تعزيز الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط. والخطوة الأولى نحو هذا التعاون جارية بالفعل، مع إحراز تقدم في المفاوضات النووية، وبعد أن تمّ إنشاء قنوات ثنائية رسمية بين الولايات المتحدة وإيران في إطار المحادثات النووية.

سيكون الحلّ السلمي للنزاع النووي الايراني بلا شك لمصلحة جميع الأطراف، ويمكنه أيضًا أن يخدم "كنموذج" يُحتذى به للتصدي للتحديات الانتشار في المستقبل، بل وربما يؤدي إلى خلق ترتيب إقليمي للوقود النووي في الشرق الأوسط الشرق.

More from Seyed Hossein Mousavian

Recommended Articles