تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا يتعثّر الجيش المصريّ في التصدّي للإرهاب بسيناء؟

Egyptian soldiers keep guard on the border between Egypt and southern Gaza Strip July 8, 2013. Armed men launched a series of attacks on Sunday on security checkpoints in the North Sinai towns of Sheikh Zuweid and El Arish close to Egypt's border with Israel and the Gaza Strip, and one soldier was killed. The Rafah border crossing between Egypt and Gaza Strip remained closed since Friday.
REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa (GAZA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST MILITARY) - RTX11GFK

العريش، مصر - مع تزايد معدّلات الهجمات الإرهابيّة في سيناء، وخصوصاً النوعيّة منها، مثل هجمتي، استهداف كتيبة 101 في العريش وارتكاز كرم القواديس العسكريّ في جنوب الشيخ زويد، يزداد التساؤل لدى كلّ المهتمين بشؤون شبه الجزيرة المصريّة، الملاصقة لحدود الصراع العربيّ – الإسرائيليّ: "لماذا يتعثّر الجيش المصريّ في التصدّي للإرهاب بسيناء؟".

لا يجدّ هذا التساؤل، الّذي يطرح نفسه بقوّة، بعد عام ونصف عام من الحرب على الإرهاب، إجابة حقيقيّة من السلطات المصريّة الحاكمة، أو على الأقلّ تتمّ مناقشته في الإعلام المصريّ، الّذي تفرض عليه رقابة شديدة من السلطات الحاكمة، إلى أن تحوّل إلى ثكنات عسكريّة. فعقب كلّ هجمة إرهابيّة، ينتشر العسكريّون في كلّ الوسائل الإعلاميّة على صورة خبراء ومحلّلين مكلّفين، لتبرير التعثّر وتحويله إلى نجاح كبير يصيب الشعب المصريّ بنشوة النصر، ليفاجأوا بعدها بمقتل العشرات من أبنائهم في هجمات أكثر نوعيّة من قبل.

وإنّ الحصول على المعلومات والحقائق للإجابة على هذا التّساؤل، وسط إجراءات المنع الأمنيّ، شاق وصعب للغاية، لكن نجح "المونيتور" في الوصول إلى أحد الضبّاط، الذين شاركوا في العمليّات العسكريّة في سيناء، وأكّد أنّ التعثّر هو نتيجة الخطط التقليديّة والروتينيّة غير المناسبة نهائيّاً في محاربة تنظيم إرهابيّ يحفظ تفاصيل سيناء عن ظهر الغيب.

وأضاف الضابط، الّذي امتنع تماماً عن ذكر اسمه، في حديث إلى "المونيتور": "عندما جئت إلى سيناء، لم أكن أعرف شيئاً نهائيّاً عن المكان، وكلّ ما كنت أعرفه مسبقاً درسته في الكليّة العسكرية عن التشكيك في وطنيّة أبناء سيناء، وتفاجأت بعد أشهر عدّة بأنّنا من دون أبناء سيناء لا يمكن أن نحقّق أيّ إنجاز عسكريّ في صحراء لا نعرف تفاصيلها نهائيّاً".

وتابع: "لم أتكلّم إلاّ لخوفي على وطني الّذي أقسمت بأن أحميه. وأنا أتحدث بصراحة شديدة ليفهم الرّئيس السيسي الّذي أحترمه، وربما أرى فيه مستقبل مصر، أنّه إذا لم ينظر جيّداًَ إلى ما يحدث في سيناء ستضيع مصر ويتكرّر سيناريو 67".

وللتوضيح أكثر عن أسباب التعثّر، قال الضابط: "إنّ السبب الأوّل والأهمّ هو أنّنا نفتقد إلى عنصر المعلومات الّتي يفترض أنّها مهمّة الأجهزة الإستخباراتيّة، ويبدو من واقع تجربتي أنّها تعمل على جمع المعلومات من داخل مكاتبها المكيّفة".

وعن السبب الثاني، أشار إلى "الرّوتين المتّبع في الحملات العسكريّة اليوميّة"، وقال: "نحن نخرج ونتحرّك بمعدّات عسكرية ثقيلة خاصّة بالحروب النظاميّة وسط المدنيين، وهذا عمل إجباريّ مثل الواجب المدرسيّ. ويجب علينا أن نعود بعد انتهاء الحملة اليوميّة بنتائج إلى القيادات لإثبات استمراريّة تحرّكنا، فنضطرّ إلى حرق العشش، ونحن نسمّيها بؤراً إرهابيّة، وحرق السيّارات والدرّاجات البخاريّة واعتقال في شكل عشوائيّ في مناطق الاستهداف في الشيخ زويد ورفح، وهي مناطق اختباء الإرهابيّين، وهذا ما ينشر في شكل روتينيّ ويوميّ على صفحة المتحدّث العسكريّ".

أضاف: "إنّ السبب الثالث، هو الاضطرار للضغط على المعتقلين تحت التعذيب الشديد للحصول على أيّ معلومات، وهذا يؤدّي إلى قتل تعاطف ذويهم تدريجيّاً مع الجيش، خصوصاً أنّ عدداً كبيراً من المعتقلين أبرياء".

وعن إنجازات الحملات في القضاء على العناصر الإرهابيّة، رفض الضابط الإدلاء بأيّ تصريحات إضافيّة، إلاّ أنّ أحد مشايخ سيناء المقرّبين من الأجهزة الاستخباراتيّة، قال لـ"المونيتور": إنّ النتائج الحقيقيّة غير مرضية.

أضاف: "لدى قوّات الجيش العزيمة والقدرة الكافية على تطهير سيناء في فترة قياسيّة، ولكن البيروقراطيّة وعدم توصيف المشكلة في شكل صحيح، من بعض القيادات غير المتمتّعة بمهنيّة كافية لفهم واقع سيناء، تجعل مهمّة الجيش في القضاء على الإرهاب كحرث البحر".

وتابع: "إنّ القيادات الّتي تخطّط للحرب على الإرهاب في سيناء تعمل بعقليّة تجهل كلّ الجهل ديموغرافيّاً سيناء، وهذا يصبّ في صالح غرق سيناء في الوحل".

وفي أكتوبر 2013، أكّد اللّواء أحمد وصفي، وهو قائد الجيش الثاني الميدانيّ والعمليّات العسكريّة في سيناء آنذاك، في حواره لصحيفة "الوطن" المصريّة، انتهاء العمليات العسكريّة بنجاح، وإعلان الجيش السيطرة على سيناء. ولقب وصفي، بعد هذا الإعلان، بأسد سيناء، وظهر في عيون المصريّين كالبطل الّذي خلّصهم من الإرهاب، رغم استمرار الهجمات الإرهابيّة. وفي مارس 2014، صدر قرار من قيادة الجيش بتعيين اللواء محمد الشحات، كقائد للجيش الثاني والعمليّات العسكريّة في سيناء، بدلاً من وصفي.

وحاول الشحات، الابتعاد عن خطأ وصفي، لكنّه بالغ في تصريحاته الإعلاميّة بنتائج سيطرته على الوضع في سيناء وتقدّمه في الحرب على الإرهاب، مع نشر أرقام عن إنجازاته وصفها أهالي سيناء بالخياليّة.

ورغم استمرار تصريحات القيادات العسكريّة التحدّث عن التقدّم الكبير في القضاء على الإرهاب، يفاجئ المتابعون للأوضاع بتقدّم نوعيّ وكبير في الهجمات الإرهابيّة. وبعد هجمات العريش في نهاية يناير المنصرم، قرّر الرّئيس السيسي، تخويل مهمة مكافحة الإرهاب في سيناء إلى تشكيل ما أسماه "القيادة الموحّدة لشرق القناة"، وسيعمل تحتها كلّ من الجيش الثانيّ والثالث الميدانيّ، بدلاً من الجيش الثاني فقط.

ورأى أحد الباحثين في شؤون سيناء والجماعات المسلّحة، والّذي رفض الكشف عن هويّته، أنّ الحلّ ليس متعلّقاً بتغيير الأشخاص، وقال في حديث إلى "المونيتور": "إنّ المشكلة في تغيير عقليّة الأشخاص وفي وضع استراتيجيّات محترفة للتصدّي للإرهاب، اعتماداً على سرعة فهم ما يدور في سيناء قبل فوات الأوان".

أضاف: "منذ بدء الحرب على الإرهاب في أغسطس 2013، تغيّرت عشرات القيادات والضباط المسؤولين في سيناء، سواء أكان كقيادات رفيعة المستوى أم كقيادات حملات ميدانيّة، ولكن عقليّة التّنفيذ واحدة، والنّتيجة بالتّأكيد التعثّر، وزيادة المظالم بين المدنيّين".

وتابع: "إنّ العقليّة العسكريّة القديمة لن تفيد إلاّ بتوصيلنا إلى نموذج العراق أو أفغانستان أو سوريا. لذلك، إذا أرادت الإرادة السياسيّة الحاليّة القضاء على الإرهاب، وانتشالنا من المستنقع، فيجب أوّلاً التوقّف فوراً عن العبث وزيادة المظالم بين الأبرياء، إذ أنّ المظالم أكبر مفرخة للإرهاب. ثانياً، اكتساب ثقة أهالي سيناء وإعطاؤهم ضمانات حقيقيّة لاعتراف الدولة بهم وحقّهم في المواطنة والتنمية، وإشراكهم في وضع حلول المشكلة. ثالثاً، تخويل مهمّة محاربة الإرهاب إلى تشكيلات وقوّات محترفة من الجيش والشرطة، كفرق مكافحة الإرهاب الدوليّ لدى الشرطة، وفرق الصاعقة والقوّات الخاصّة بالجيش، والتخلّي الفوريّ عن الحرب النظاميّة في منطقة مدنيّة يجيد الإرهابيّون التنقّل والتخفّي فيها".

وما بين الجدل الإعلاميّ حول نجاحات الجيش المصريّ واستمرار الهجمات الإرهابيّة، يأمل الناشطون والمهتمّون بسيناء، ضرورة إعادة نظر الدولة المصريّة، في استراتيجيّات حربها، بمعايير توقّف مفرخة التطرّف، للنجاح في القضاء على عدو لا ينتظر الغد، لتدمير وطن يحلم بالاستقرار.

More from A correspondent in Sinai

Recommended Articles