تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مبضع جراح أجنبيّ يداوي جروح العراقيّين

يشكو العراق من تردي الاوضاع الصحية و انعدام الخدمات الطبية، مما اضطرار الكثير من العراقيين الى السفر الى دول مختلفة، والهند في مقدمتها، لأغراض علاجية.
TO GO WITH AFP STORY BY SAMMY KETZ
Surgeons operate on a patient at the Ibn Bitar Hospital for Cardiac Surgery in Baghdad on July 9, 2011. It will be three years before doctors in Iraq can perform heart surgery on infants, doctors say, in a country where birth defects are high due to marriage within extended families. AFP PHOTO/ALI AL-SAADI (Photo credit should read ALI AL-SAADI/AFP/Getty Images)

أعلن مندوب مكتب استشاريّ لأغراض العلاج في الهند على صفحة حسابه في موقع التّواصل الاجتماعيّ "فيسبوك"، عن قدومه إلى العراق، فوضع رقم هاتفه، لمن يروم الاتّصال به لتنسيق رحلة علاجه. واستثمر "المونيتور" ذلك، واتّصل به أكثر من مرّة، لكنّه لم يردّ على الاتّصالات. وفي خضمّ أزمة علاجيّة يمرّ فيها الوضع الصحيّ في العراق، ومن علاماتها اضطرار الكثير من العراقيّين إلى السفر لدول مختلفة، وفي مقدّمها الهند، لأغراض علاجيّة، فإنّ المواطن، فقد ثقته بالخدمات الصحيّة، لنقص التقنيّات والرعاية، وبات يسعى إلى العلاج الخارجيّ في دول مثل الأردن وإيران وتركيا لقربها الجغرافيّ، لكن المستشفيات الهنديّة كسبت المنافسة بسبب رخص أثمان العلاج. وبعدها، تأتي دول أوروبا الشرقيّة.

وإنّ موضوع العلاج في الخارج برمّته، رغم وجود الأسباب الّتي تضطر العراقيّ إلى جعله خياره المفضّل، لا يخلو من حالات فساد، وأبرزها المحسوبيّة.

وأكّد إداريّ، رفض الكشف عن اسمه في مستشفى الحلة الجمهوريّ، لـ"المونيتور" في 27/12 في بابل (100 كلم جنوبيّ بغداد)، أنّ بعض "الأطبّاء يتلقّون مبالغ ماليّة مقابل منح المريض تصريحاً يفيد بحاجته إلى العلاج في الخارج، رغم أنّ حالته المرضيّة لا تستدعي ذلك". وقال: "هذا التّصريح هو بمثابة إقرار يمرّر عبر لجان طبيّة شكّلتها وزارة الصحّة، والغرض من ذلك رحلة مجانيّة إلى خارج البلاد للعلاج والسياحة في آن واحد".

وأكّد هذا الإداريّ أنّ "مكاتب أهليّة تسمّي نفسها استشاريّة في قضايا العلاج في الخارج، أنشأت شبكات علاقات واسعة مع الأطبّاء الاختصاصيّين في البلاد والمستشفيات الأهليّة والحكوميّة بهدف الربح الماديّ على حساب الحقيقة".

ونشر الفتى مؤمل الخفاجي من بابل، صورة له على موقع التّواصل الاجتماعيّ "فيسبوك"، دعا خلالها الأصدقاء إلى "الدّعاء له بالشفاء من مرض توقّف الكليتين الذي ألمّ به"، بحسب تشخيص الأطبّاء العراقيّين.

وفي اتّصال هاتفيّ لـ"المونيتور" في 27/12 في بابل، مع والده مكي الخفاجي، قال: "لم تكن نيّتي السفر إلى الهند للعلاج، لكن الدافع المجتمعيّ بضرورة التأكّد من حالته وأسباب علّته اضطرّني إلى طلب العلاج في الخارج".

أضاف: "لقد جرى ذلك بكلّ سهولة، ذلك أنّ عشرات الأشخاص سافروا قبلي، وزوّدوني بأسماء المكاتب الاستشاريّة والمترجمين الّذين يعملون بمثابة أدلاّء على المستشفيات، ويروّجون لها أيضاً".

وهناك عيّنة أخرى من الّذين يستعدّون للسفر إلى الهند للعلاج في بداية كانون الثاني/يناير المقبل، هي سعيد محيسن من كربلاء (108 كلم جنوب غربيّ بغداد)، الّذي أكّد لـ"المونيتور" في 28/12 في كربلاء، أنّه "فضّل مستشفى في أبولو في العاصمة الهنديّة دلهي، بعدما قارن أسعار علاج تبديل صابونة مفصليّة في ساقه، فوجد أنّ قيمة العمليّة الجراحيّة في الأردن تبلغ نحو عشرة آلاف دولار، فيما تنخفض إلى النصف إذا ما أجراها في الهند".

ويمكن استنتاج كون الظاهرة باتت عمليّة تجاريّة تتسلّل منها رائحة التربّح غير المشروع، عبر مئات الإعلانات والملصقات في مراكز المدن وشبكات التّواصل الاجتماعيّ، والّتي تعرض خدماتها العلاجيّة في الخارج.

وإنّ الدولة شجّعت على ذلك أيضاً، عبر تخصيص الأموال لتمويل الحالات المستعصية، الّتي لا علاج لها داخل البلد، إلى الخارج، بحسب استشارة طبيّة، وحسب قرار لجنة تبتّ في حقّ المواطن في التّمويل الحكوميّ لعلاجه.

وأكّد الموظّف في مطار بغداد الدوليّ عبّاس السلطاني لـ"المونيتور" في 28/12، في بغداد "زخم المسافرين إلى الهند تحديداً طلباً للعلاج"، وقال: "إنّ طائرة تقلع يوميّاً من مطار بغداد إلى الهند، وأغلب ركّابها من طالبي العلاج في ذلك البلد".

وأشار إلى أنّ هذا التّأكيد يستمدّه من "احصائيّات المسافرين في المطار، إضافة الى المشاهدة العينيّة اليوميّة".

وعزا الطبيب كاظم شاكر من بابل في حديثه لـ"المونيتور" في 27/12 في بابل، أسباب هرع الناس إلى العلاج في الخارج إلى "انعدام ثقتهم بالقطاع الصحيّ في العراق"، وقال: "حتّى إذا كان تشخيص الطبيب صحيحاً، وعلاجه يفي بالغرض، إلاّ أنّ الناس لا يقتنعون بذلك، بسبب الدعاية القويّة في الشارع لصالح السفر إلى الخارج".

ورأى أنّ ما يعزّز ذلك، "انهيار القطاع الصحيّ في العراق منذ تسعينيّات القرن الماضي بسبب الحروب المتتالية، وتراجع أعداد الأطبّاء العراقيّين الاختصاصيّين عقب سنوات العنف الطائفيّة بعد عام 2003".

أضاف: "قبل كلّ شيء، يتوجّب على الدولة محاربة الظاهرة لا تشجيعها، ورفع شعار (العلاج في الداخل هو الخيار)، بعد تهيئة الإمكانات اللاّزمة لذلك".

وسمّى شاكر، بعض الأمراض الّتي تعتبر "مستعصية"، ويفضّل المرضى علاجها داخل العراق، مثل "توقّف الكليتين، واستبدال الأعضاء والسرطان، وفتح القلب والأورام، وزرع الشرايين، وانحرافات العمود الفقريّ".

من جهته، أكّد المواطن حليم حسن من النّجف لـ"المونيتور" في 28/12 في النّجف (160 كلم جنوبيّ بغداد) أنّ "الرّشوة تؤدّي دوراً كبيراً في الحصول على تمويل للعلاج في الخارج"، لافتاً إلى أنّ "وسيطاً طلب منه مبلغ خمسمائة دولار بهدف ترتيب سفره إلى الخارج".

وبسبب انتشار أخبار الفساد في إيفادات العلاج في الخارج، اضطرّت وزارة الصحّة إلى الدفاع عن برنامج "علاج العراقيّين في الهند"، نافية وجود حالات فساد فيه. وتنفق وزارة الصحّة ملايين الدولارات كلّ عام على إيفادات العلاج في الخارج، فيما رأى حسن أنّ "إنفاق هذه الأموال الضخمة على بناء المستشفيات والمشاريع الصحيّة سيكون أجدى وأنفع".

ومن جهته، رأى باحث الاجتماع لطيف حسن في حديثه لـ"المونيتور في 28/12 في النّجف، أنّ "التّرويج للعلاج في الخارج، بمثابة حملة تسقيطيّة مقصودة ضدّ الخدمات الصحيّة الوطنيّة، من قبل الشركات والمكاتب المستفيدة الّتي تربح في شكل كبير من جراء استثمارها في هذا القطاع".

More from Adnan Abu Zeed

Recommended Articles