تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التمركزات الحاكمة: حدود تأثير القبلية على شكل برلمان مصر القادم

Men from the Baja tribe drink Gabana or  traditional coffee, in front of their huts in the Egyptian town of Shelatine, 1,060 km (659 miles) south of Cairo, April 22, 2009. REUTERS/Asmaa Waguih   (EGYPT SOCIETY TRAVEL) - RTXE9O4

دائماَ ما يدور الحديث عن دور العائلات والقبائل المصرية في العملية السياسية إبان كل حدث انتخابي في مصر سواء قبل ثورة 25 يناير 2011 أو في السنوات التالية لها، حيث تحرص العائلات والقبائل خاصة في صعيد مصر ومحافظات سيناء ومطروح على تواجد احد أبنائها في البرلمان. ولكن يبدو أن ثمة تغييراً قد طال هذه الظاهرة بعد ثورة 25 يناير ومع صعود التيارات الإسلامية. وقد كان من الطبيعي أن ينعكس الاستقطاب والانقسام، الذي حدث في مصر على القبائل والعائلات، على نحو يشابه ما حدث في المجتمع بصفة عامة، بينما يبدو من تحركات القبائل الأخيرة جهوزيتهم لخوض الانتخابات البرلمانية بشكل منظم وموحد، وذلك من خلال المجمع الانتخابي، وهو تجمع يشكًل من كبار العائلات ويجري فيه تصويت انتخابي بين أفراد العائلة لاختيار المرشحين للانتخابات، ولكنه يظل قيد الكتهنات.

مصطلح العصبية القبلية يُعني الموالاة للقبيلة العائلة وتأييدها بشكل يعكس مدى سطوة ونفوذ القبيلة، والتي كانت تخضع للنظام الحاكم أياً كانت توجهاته تحقيقاً للمصالح المشتركة وأهمها الحفاظ على الأمن مقابل منحهم النفوذ، وربما تمثل الانتخابات البرلمانية فرصة لبقاء نفوذ القبيلة وتفوقها، ولكن بعد حدوث بعض الانقسامات، وهي انقسامات داخل القبائل وفي القبائل التي تقطن التجمع السكاني الواحد( القرى والنجوع)، خاصة في الانتخابات البرلمانية لعام 2011، وقدرة جماعة الإخوان المسلمين على اختراق العائلات الصغيرة والمهمّشة، لدفع مرشحين من عائلات صغيرة ينتمون إمًا للخوان المسلمين أو حتى باق التيارات الدينية مثل حزب النور السلفي للترشيح في الانتخابات، تسعى القبيلة للعودة من جديد والحفاظ على تماسكها، وهو ما انعكس من المؤتمرات التي تعقدها للتوعية بأهمية الانتخابات والإعلان عن مرشحيها، والتحالفات الانتخابية مع الأحزاب السياسية المصرية، ويظل التساؤل مطروح حول شكل التحالفات القبلية في الانتخابات البرلمانية المقبلة؟ وهل ستسهم الانتخابات البرلمانية القادمة في عودة نفوذ القبيلة من جديد؟

يتحدث وائل زكريا، برلماني سابق ما بين عامي 2000 إلى عام 2010، ومرشح في الانتخابات البرلمانية القادمة التي ستعقد يومي 22 و23 مارس 2015 ، وينتمي إلى قبيلة "المطاعنه"عن رغبة أهل دائرة إسنا محافظة الأقصر، في ترشيحه للانتخابات، حيث تتوارث عائلته المقاعد البرلمانية منذ عام 1923. وأرجع زكريا السبب في ذلك إلى حب الناس لشخصه ولعائلته وتقديمه الخدمات لأهل بلده.

وأنضم زكريا إلى قائمة حزب المصريين الأحرار، وبرًر ذلك بالقول: "لأنهم أصدق في كلامهم وبرامجهم من باقي الأحزاب التي عرضت على شخصه. أمّا سبب اختيار الحزب لزكريا هو تاريخه المشرف ونزاهته، حسب زكريا.

ولكن زكريا لم يفلح في الفوز بمقعد البرلمان السابق عام 2011. وأرجع السبب في ذلك إلى دخوله في قائمة بإسم "حزب الحرية"، وهو مشابه لاسم جماعة الإخوان المسلمين "حزب الحرية والعدالة"، ممًا أربك الناخبين، وظنوا أنه مُمثلاً للإخوان.

ويقًر زكريا في حديثه مع "المونيتور" بحدوث تغيير في مصر بعد 25 يناير، بسبب سعي الشباب إلى التغيير. وشدًد في حديثه على قدرة جماعة الإخوان المسلمين من اختراق العائلات والقبائل بعد 25 يناير، وكسب تعاطف الناخبين باسم الدين.

في ظل بدء الماراثون الانتخابي، وتنافس المرشحين في الدخول إلى قوائم، أعتبر الأستاذ أبو الفضل الإسناوي، باحث متخصص في الصوفية وشئون القبائل بمؤسسة الأهرام المصرية، أن القبائل لا تستطيع تشكيل قوائم بمفردها. ويفسًر ذلك بالقول: "القبائل لا تستطيع تشكيل قوائم نظراً لاتساع نطاق القوائم في قانون الانتخابات الجديدة، الذي يمتد من حدود محافظة أسوان إلى محافظة الجيزة".

ويشبًه الإسناوي علاقة الأحزاب السياسية بالقبائل، بالحضن الدافئ، حيث تلجأ الأحزاب إلى العائلات للحصول على أصواتهم.

ويركًز الإسناوي على التفتت الذي أصاب القبائل بعد ثورة 25 يناير، خاصة فيما أسماه "الالتزام القبلي"، أي اتفاق العائلات على مرشح بعينه، والمستمر حتى الآن. ويشرح: "العائلة لديها مستويين وهما؛ البيت الحاكم ويكون المقعد البرلماني منه، أما المستوى الثاني وهو الخدمي، وتذهب أصواته للبيت الحاكم، مقابل تقديم الأخير خدمات لهم. واعتبر المستوى الخدمي كان الأسهل اختراقاً من قبل الإخوان. ولكنه يرى أن الالتزام القبلي عاد بعد ثورة 30 يونيو، ولكن بصورة أضعف.

ويؤكد على قدرة القبائل في إحداث حراك انتخابي على خلاف الأحزاب السياسية، التي مازالت تتعارك حتى الآن. وفسًر ذلك بالقول:"القبائل يستعدون بفاعلية للانتخابات عبر عقد مؤتمرات".

ويعتبر أن الترشيح القبلي هو الرهان الكاسب للانتخابات القادمة. وشرح بالقول: لأن أغلبية المرشحين من الأحزاب هم من أبناء تلك القبائل والعائلات في محافظات مصر، بالإضافة إلى أن النسبة الأكبر من المستقلين من العائلات والقبائل. وبالتالي، قد يكون التنافس في الانتخابات المقبلة هو تنافس عائلي-عائلي أو قبلي-قبلي.

وطرح تساؤلاً أعدّه بالهام وهو: هل الترشيحات المقبلة تقتصر على محافظات الدلتا والصعيد؟!. أجاب بالإيجاب. ولا ينفي الإسناوي حقيقة وجود ترابط عائلي في محافظات القاهرة مثل منطقة مصر القديمة ومنشية ناصر، ومحافظة حلوان ومحافظة الفيوم، ولكن بدرجة أقل من الصعيد. وأضاف: "هذا يعطي رسالة مفادها أن التنافس العائلي في مصر لا يقتصر على الأقاليم والريف، ولكن يمتد إلى العاصمة المصرية".

وتطرق الإسناوي في حديثه إلى "المونيتور" عن الترابط بين الدولة والقبائل. والذي يتحقق من خلال وزارة الداخلية، التي تعيًن العمد والمشايخ مقابل المساعدة في ضبط الحالة الأمنية. كما تسيطر العائلات على المجالس الشعبية المنتخبة وتحصل على عدد أكبر من التعيينات في المجالس التنفيذية و أجهزة الدولة المختلفة منها القضاة والنيابة والشرطة والجيش"، حسب الإسناوي. والذي وصفه بـ"التغلغل الداخلي".

وأستبعد الإسناوي نجاح القوى الثورية من داخل القبائل في الانتخابات البرلمانية، إلا لو كانوا من أبناء العائلات الكبيرة.

يتجدد الصراعات والمشاكل بين القبائل وداخل القبيلة الواحدة أثناء فترة الانتخابات البرلمانية. وفي هذا السياق، يتحدث الشيخ أحمد الإدريسى، شيخ مشايخ الطريقة الأحمدية الإدريسية، وأحد أهم وسطاء المصالحة بين القبائل ومن بينها النوبيين والهلايل بمحافظة أسوان، عن أن دوره في المصالحات بين القبائل يزيد من التوافق بين القبائل وداخل القبيلة نفسها واختيار أفضل المرشحين. وأضاف: "ولكن في وقت الصراعات تزداد النزاعات بين القبائل حول اختيار المرشحين، والذي يتم في النهاية على أساس شخصي وليس على أساس الكفاءة".

وشدًد في حديثه مع "المونيتور" على وجود توافق قبلي حالياً، واستشهد بقبيلة الجعافرة في محافظة أسوان، حيث يوجد أكثر من ثماني بيوت يجتمعون على مرشح واحد. والأكثر من ذلك، هناك قبائل قريبة من بعضها، تتفق على اختيار مرشح الإعادة، حسب الإدريسي.

واعتبر الإدريسي في ختام حديثه أن القبيلة هي النواة الطبيعية لكل مجتمع والحزب الأصيل الذي لا يتفتت مهما شهد من الصراعات. ولكنه اعتبر القبائل في الصعيد ومرسى مطروح وسيناء لا تتفتت مقارنة بالقبائل في الدلتا والوجه البحري.

إن تنامي درجة الوعي السياسي للمصريين على خلفية التغيرات التي شهدتها مصر"ومازالت" وزيادة نسبة المشاركة السياسية لديهم منذ ثورة 25 يناير، أدى إلى ظهور أحزاب جديدة لم تعتمد في ترشحاتها على تلك القبائل والعائلات، لا سيما وأن العائلات والقبائل دائماً ما تكون أكثر تحمساً وتفاعلاً مع الانتخاب بالنظام الفردي دعماً للمرشح الذي يمثلهم.