تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الدواء القاتل

Counterfeit medicine confiscated by Swiss customs is displayed during the Swiss customs annual news conference at the Euroairport in Basel-Mulhouse February 7, 2012. Swiss customs registered 1298 cases of attempted illegal imports of medicines by post in 2011, 34 percent for the treatment of erectile dysfunction.    REUTERS/Pascal Lauener (SWITZERLAND - Tags: CRIME LAW HEALTH) - RTR2XG4B

القاهرة ـ إنّ تجارة الأدوية من التّجارات الحسّاسة الّتي لها أبعاد تخصّ الأمن القوميّ في مصر، ولم تسلم هذه التّجارة من يدّ مافيا الدواء، إذ وصل حجم الأدوية المغشوشة في السوق المصريّة إلى 30 في المئة من حجم السوق.

ولم تكتف مافيا الدواء بالغش في أدوية لا تسبّب الوفاة، بل امتدّت الأيدي القذرة لتغش في أدوية حيويّة عدّة مثل أدوية علاج السرطان والالتهاب الكبدي والحساسيّة والسكّري والأورام.

مسؤوليّة الغشّ في الدواء تائهة بين وزارة الصحّة والتفتيش الصيدليّ والشرطة ووزارة التّموين، يبقى المستهلك هو الضحيّة لعدم إنشاء هيئة مصريّة مستقلّة للدواء تتولّى متابعة الدواء من حيث التّسجيل والتّسعير والتداول والرّقابة ومطابقة الجودة، إضافة إلى الأضرار الكارثيّة على الاقتصاد القوميّ المصريّ.

وفي هذا السياق، تحدّث وكيل نقابة الصيادلة المصريّة الدّكتور محّمد سعوديّ لـ"المونيتور" فقال: إنّ هذه المشكلة مرتبطة ارتباطا وثيقاً بالصيدليّات صاحبة الفروع المتعدّدة الّتي يتميّز أصحابها بامتلاك رأس مال كبير جدّاً، إضافة إلى قربهم من دوائر اتّخاذ القرار في مصر، حيث تعدّ هذه الصيدليّات المصدر الرئيسيّ لبيع الأدوية المغشوشة والمهرّبة.

أضاف: إنّ عدم وجود قوانين رادعة لردع مسألة غش الدواء أدّى إلى انتشار تلك الظاهرة، إذ أنّ قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955 لا يتناسب مع الغشّ الّذي انتشر في السنوات الماضية، والعقوبات إمّا غرامة لا تقلّ عن 20 ألف جنيه مصريّاً، ممّا يساوي 2635 دولاراً، ولا تزيد عن 50 ألف جنيهاً مصريّاً، ممّا يساوي 6587 دولاراً أو سجن عامين، وهذا لا يعدّ قانوناً رادعاً.

وتقدّمنا بمقترحات إلى وزارة الصحّة لتشديد عقوبة الغش في الدواء لتصل في الحالات التي يتسبّب فيها غش الدواء بالوفاة إلى عقوبة الإعدام.

وأشار سعودي إلى أنّ التّواصل المفقود بين وزارة الصحّة والصيادلة أدّى إلى اتّساع ظاهرة الأدوية المغشوشة، إذ أنّ وزارة الصحّة المعنيّة بأخبار الصيادلة بالأدوية المغشوشة لا قنوات اتّصال مباشرة بينها وبين الصيادلة مثل خطوط الإنترنت الّتي من خلالها يمكن إخبار الصيدليّات عن أيّ دواء يحتوي على مشاكل سواء أكان مغشوشاً أم هناك أخطاء في التركيبة الخاصّة به.

وأشار سعودي إلى "أنّ مشروع الهيئة المصريّة للدواء المقدّم إلى رئاسة الجمهوريّة هو نسخة طبق الأصل عن هيئة الغذاء والدواء الأميركيّة أف. دي .اية"، لافتاً إلى أنّ "المشروع يلاقي معارضة كبيرة من وزارة الصحّة المصريّة لأنّه سيحرمها من إيرادات كبيرة عن طريق الإدارة المركزيّة في الوزارة الّتي تتقاضى مبالغ ماليّة كبيرة نظير تسجيل أو تسعير أيّ دواء في السوق المصريّة، وهو فكر محدود للغاية".

وطالب سعودي بإعادة النظر في إجراءات تكهين الماكينات الخاصّة بصناعة الدواء، ثمّ بيعها، حيث تعدّ هذه الماكينات المصدر الرئيسيّ لمصانع "بير السلم"، التّي تعمل على الغش في الدواء. لذا، يجب إصدار قرار بأن يتمّ صهر هذه الماكينات وإعادة تدويرها وعدم بيعها لأشخاص مجهولين. كما يجب منع استيراد الماكينات المصنّعة للأدوية، إلاّ للشركات المصرّح لها بإنتاج الدواء وتصنيعه.

وأكّد رئيس جمعية المراقبة والجودة لحماية المستهلك المستشار أمير الكومي لـ"المونيتور" أنّ جمعيّة حماية المستهلك تؤدّي دورها في الرّقابة على الصيدليّات عن طريق إجراء حملات تفتيش على الصيدليّات، وفقاً لنشرات وزارة الصحّة، بالأدوية الموقوفة أو المهرّبة أو المغشوشة.

وقال: نحن نقوم باستدعاء المسؤول عن التفتيش على الصيدليّات لاتّخاذ الإجراء القانونيّ، وفقاً لنوعيّة الجريمة. ونحتاج إلى مجهود أكبر لمتابعة كلّ الصيدليّات في محافظات مصر وقراها، وهذا يتطلّب إمكانات ماديّة أكبر، ونطالب بجعل المختبرات الّتي تحلّل العيّنات تحت مظلّة واحدة لسرعة إنجاز التّحاليل الخاصّة بالعيّنات.

أضاف: "إنّ جمعية حماية المستهلك تساند مشروع قانون الهيئة المصريّة للدواء والغذاء. وإذا لم تتّخذ الحكومة الحاليّة قراراً بالموافقة عليه، فلن نستسلم وسنذهب بمشروع القانون إلى مجلس الشعب المقبل".

وأوضح أنّ أغلب دول العالم أسّست هيئات كهذه، ومنها دول شقيقة مثل السعوديّة والأردن.

ومن جهته، أكّد وكيل وزارة الصحّة في قطاع الصيدلة السّابق الدّكتور مصطفى ابراهيم لـ"المونيتور" أنّ ما تتقاضاه الإدارة المركزيّة من أموال نظير تسجيل أو تسعير دواء يرجع إلى تحليل عيّنات هذا الدواء وفحصها قبل طرحه في الأسواق. وإنّ وزارة الصحّة تؤدّي الدور المنوط بها قانوناً لمراقبة الدواء في مصر.

وقال: "إنّ تجارة الدواء تأتي في المركز الثاني بعد تجارة السلاح عالميّاً، ممّا يشجّع العديد من معدومي الضمير على التلاعب في الأدوية، سواء بتقليل نسب المادّة الفعّالة أو بغش التركيبة بالكامل".

وأكّد القياديّ في التّحالف المدنيّ الديموقراطيّ وعضو مجلس حقوق الإنسان المصريّ جورج إسحاق لـ"المونيتور" أنّ المجلس القوميّ لحقوق الإنسان طالب بتفعيل تطبيق القوانين اللاّزمة لوقف الإعلانات التي تنتهك صحّة الإنسان، وتهدّد حقوقه الأساسيّة، وأهمّها "الحقّ في العلاج الآمن"، ومراجعة القوانين المعنيّة بالصحّة والغش التجاريّ وبتعديل قانون حماية المستهلك، بما يرفع كفاءته وفعاليّته لحماية المواطن المصريّ وتفعيل دور المرصد الإعلاميّ التّابع للجهاز والعمل على قصر بيع الدواء في الصيدليّات فقط، وضرورة النظر إلى إمكان إنشاء المنظّمة المصريّة للأغذية والأدوية، الّتي يكون لها الحق من دون غيرها في أن تمنح شهادة الصلاحيّة لأيّ منتج طبيّ أو غذائيّ يصنع في مصر أو يتمّ استيراده من الخارج، وإطلاق حملة للتوعية على الحقوق الصحيّة والوقائيّة لحماية المواطنين من خلال الجهات المعنية، وإلزام القنوات إتاحة مساحة زمنيّة لتوعية المواطنين على المنتجات الضارّة بالصحّة ومخاطر الأدوية والسلع والأغذية المغشوشة الّتي تروّجها الإعلانات المضلّلة مع ضرورة إلزام المنتجين الإعلان عن الآثار الجانبيّة على عبوة المنتج. ويبقى المواطن المصريّ ضحيّة لإهمال الأجهزة المعنيّة الّتي دائماً ما تأتي قراراتها متأخّرة، بعد تفاقم الأزمات.