تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الشعراء الشعبيون في العراق.. بين الدعاية والابداع

يزداد اعداد الشعراء الشعبيون الذي ينظمون القصائد باللهجة المحلية بشكل بارز في العراق، ووظّفت الأحزاب ذلك في الدعاية السياسية. كما ان الحكومة استثمرت الظاهرة، لتعزيز معنويات المقاتلين في الجبهات، واستثمر الشعراء مواهبهم الشعرية في التعبير عن انتماءهم المذهبي، والدفاع عن عقائدهم الدينية.
An Iraqi soldier stands guard below the Statue of Mutanabbi, a 10th century poet and one of the towering figures of Arabic literature, on the banks of the Tigris River in Baghdad December 16, 2011. REUTERS/Thaier al-Sudani (IRAQ - Tags: SOCIETY MILITARY) - RTR2VBFQ

بابل — يُجيد الكثير من العراقيين، قول الشعر الشعبي، وهو كلام موزون، مكتوب باللهجة العامية، ويتحدث عن دعم الحشد الشعبي ومقاتلة تنظيم داعش في ظاهرة ملفتة في الفضائيات، ومواقع التواصل الاجتماعي، والاذاعات العراقية، ما جعل هذه الموهبة الفطرية، تنتشر في المجتمع أكثر ألوان الابداع الأخرى، مثل الشعر باللغة الفصحى والرسم.

ويقول الشاعر الشعبي، حيدر الشمري، للمونيتور في 21/1، في بابل، ان البعض "يتخذ منها مهنة للتكسب المالي"، مشيرا الى ان "اهتمام البعض في ان يصبح شاعرا أكثر من اهتمامه في ان يكون في المستقبل، طبيبا او مهندسا، على سبيل المثال".

ويعترف مدرس اللغة العربية كاظم حسن، في حديثه للمونيتور في 20/1 في بغداد، بان "القصيدة الشعبية المسيّسة تغلبت على الشعر الفصيح الذي لم يعد له فرصة للانتشار امام موجة الشعر باللهجة العامية".

والشعر الشعبي، كان على الدوام، انعكاس للأحداث السياسية والاجتماعية التي مر بها العراق. واجاد فيه شعراء متخصصون، معروفون بجودة بصياغته. لكن الشعر الشعبي، اليوم، بحسب الكاتب والناقد علي حسن الفواز، في حديثه للمونيتور في 20/1 في بغداد، بات "ظاهرة متضخمة اكبر من حجمها، وهي ليست وليدة اليوم، إذ ان النظام الرئيس العراقي صدام حسين الذي اطيح به في 2003، وظّفها في إشاعة ثقافة الإعلان الحربي".

ويؤكد الفواز على "غياب آلية لمراجعة و فحص النصوص، وعدم وجود معايير فنية لصناعة هذه القصيدة، والتي لها تاريخ مهم في الثقافة الشعبية، عبر شعراء مهمين كتبوها مثل، مثل الحاج زاير، وملا عبود الكرخي".

واعتبر الفواز ان "القصيدة تستثمر اليوم أيضا، لنوع من الإعلان السياسي والثقافي، بما يقلل من قيمتها الفنية ورسالتها في صناعة وعي شعبي يعزز الرؤيا الجمالية والفكرية والإنسانية، ومواجهة القبح والتكفير والإرهاب".

ويقول الباحث الاجتماعي والفولكلوري، رحيم غالب، في حديث للمونيتور، في بابل في 23/1 ان "الكثير من الذين يجيدون هذا الشعر اميون، وثقافتهم محدودة، ما ينعكس على انتاجهم الشعري".

ويرى انه "نتاج البطالة والتقاعس عن طب العلم، هو أحد أوجه الجهل في المجتمع".

ويقول "ازدادت اعداد الشعراء الشعبيين في العراق بعد 2003 بشكل مذهل، وأصبح الشاب العاطل عن العمل، الفاشل في المدرسة، والذي لا يجيد أي مهنة، شاعرا، لغرض التكسب وطلب الشهرة".

ويتابع "ينطبق ها الامر على كثيرين، لكن هذا لا يمنع من وجود شعراء شعبيين تخرجوا من الجامعات ويزاولون المهن المفيدة، لكنهم باعداد قليلة".

واعتبر نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الشعراء الشعبيين، أداة إعلامية مهمة لنشر فكر نظامه، وحث الناس على القتال في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، فأقام عشرات المهجرانات الشعرية، شارك فيها شعراء اصبحوا مشهورين بسبب ظهورهم في التلفزيون، ومنهم الشاعر هادي عكاشة الذي قتل على ايدي جماعات مسلحة تابعة لإيران في 1991، بسبب قصيدة له ضدها في الحرب. ولجأت القوى السياسية في العراق، الى استثمار اهتمام الشباب بهذا النوع من الابداع "الفطري"، عبر إقامة المهرجانات والاحتفالات، وسعت الفضائيات الى كسب الجمهور، عبر إقامة برامج لهؤلاء الشعراء الشعبيين، وخصصت البرامج الإذاعية والتلفزيونية لهم.

وتعترف الشاعرة جنان الصائغ، في حديثها للمونيتور، في 20/1 في بغداد، بان "الظاهرة تفشّت في الآونة الأخيرة، وفي حين البعض اعتبرها ظاهره ادبية بحتة، فان البعض الآخر اعتبر الشعر الشعبي، هدّام للغة العربية بسبب لهجته المحلية العامية".

وبحسب الصائغ فانه "مهما اختلفنا حول الموقف من الشعر الشعبي، فانه يظل ظاهرة ابداعية جميلة، يعبّر بها الناس عن انفسهم وعما يدور في البلد من احداث".

ان الجدل حول هذه الظاهرة يكشف الدور المؤثر للشعر الشعبي في المجتمع، وقدرته على توثيق الأمكنة والازمنة للأحداث. ويُرجع الكاتب والاعلامي ناصر الحجاج في حديثه للمونيتور، في 20/1، في بغداد، انتشار الظاهرة بشكل واسع، الى "أسباب تاريخية"، فيقول ان "هذه النوع من الإنتاج الادبي الإنساني يشكل المادة الفنية الاكثر شيوعا منذ القدم فهو ابداع يلازم العراقيين في الحرب حيث المقاتل العربي يردد الشعر خلال نزوله للمعركة، كما ان الاحتفال بالولادة والزواج لا يتم إلا بالأهازيج الشعرية".

ويضيف الحجاج "المآتم الحسينية الدينية اعتمدت على الشعر في إيصال فكرتها وصياغة قصصها، فصار الشعر سلعة متداولة".

وحول الاستثمار السياسي لهذا الابداع، يقول الحجاج، ان "نظام صدام شجّع الشعراء الشعبيين خلال الحرب على نظم الشعر في المعارك وبإغراءات مالية ضخمة، فواصل الشعراء بعد 2003 تمجيدهم للسياسيين وللحرب حتى يومنا هذا".

لكن الشاعرة شذى عسكر في اتصال للمونيتور معها، في 20/1 ، حيث تقيم في كركوك، ترى ان "ظاهرة كثرة الشعراء الشعبيين في العراق ليست غريبة، لان العراق بلد الشعراء سواء الفصحى، او الشعبي".

واعتبرت عسكر ان "سياسات الحكومات تؤثر على الظاهرة وتزدهر وتضمحل تبعا لها، فحين يحتاج الحاكم والأحزاب، الى الشعراء الشعبيين كوسيلة اعلام للمدح، يزداد اعداد الشعراء، كما يصح العكس ايضا".

وفي موقع التواصل الاجتماعي في "فيسبوك"، يتسابق عراقيون على تدوين قصائدهم الشعرية، في حسابات مخصصة لهذا النوع من الابداع، ويحصل ذات الأمر في "توتير".

ويقول الكاتب والشاعر علي سرحان، في حديثه للمونيتور في 20/1 في بغداد، ان "لغة الشعر الشعبي هي اللغة الدارجة وهي الاقرب الى النفوس في سياق ثقافي سمته الابتعاد عن القراءة، وتراجع المعرفة، وغياب المسرح والموسيقى".

واعتبر سرحان ان "الانسان بالتعبير عن نفسه وفق حاجة نفسية واجتماعية، ما أدى الى طغيان هذا النوع من الادب الشعبي في المجتمع، لاسيما وان قصيدة النثر غامضة، وغير مفهومة، لدى الناس من غير أصحاب الاختصاص".

لقد أتاح التنافس السياسي في العراق، تحول الشعراء الشعبيين الى مدّاحين لهذا الحزب او ذاك، فيما آثر البعض الاخر التعبير عن رفضه للفساد والإرهاب عبر القصيدة، وانبرى اخرون في التعبير عن مشاعرهم الدينية بإلقاء القصائد بين الجمهور.

More from Wassim Bassem

Recommended Articles