تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فتحية جتين والبحث عن الماضي: أصبح للأرمن المتأسلمين صوت

في مقابلة حصرية، تتحدث فتحية جتين، المحامية التركية المدافعة عن حقوق الإنسان، عن مسيرتها الشجاعة لكشف حكاية جدتها الأرمنية التي أخفت سرها لوقت طويل.
Turkish Armenian lawyer and author Fethiye Cetin takes part in a discussion at the Frankfurt Book Fair on October 15, 2008. Turkey is  guest of honour at the 60th edition of the book fair, which takes place from October 15 to 19, 2008. Fethiye Cetin is the lawyer of the family of slain Turkish-Armenian journalist Hrant Dink.  AFP PHOTO / JOHN MACDOUGALL (Photo credit should read JOHN MACDOUGALL/AFP/Getty Images)

بعدما قرأت عن فتحية جتين طوال أكثر من عقد وبعدما قرأت كتبها، تخيّلت أنها امرأة لاذعة وسريعة الانفعال، وربما منهكة بعض الشيء بسبب تقدّمها في السن، نظراً إلى كل المشقات التي تحمّلتها في حياتها الشخصية والمهنية. لكنني فوجئت عندما رأيت أن جتين هي النقيض تماماً. فهي تتميّز بابتسامة تنم عن ذكاء حاد، وتتحدث عن المسائل الأكثر فظاعة بصوت ناعم ولطيف وبتعاطف شديد. أسلوب جتين اللبق والهادئ أمرٌ نادر في المشهد السياسي التركي. بعد المقابلة التي أجريتها معها، علمت أن كل الأشخاص تقريباً الذين التقوها في لوس أنجلس أو تركيا يشاركونني الصورة التي كوّنتها عنها بعدما تعرّفت إليها.

ولدت جتين في بلدة مادن في محافظة إيلازيغ (شرق تركيا) في العام 1950. اختارتها جدتها لأمها، سحر، كي تشكف لها عن سرّها الذي أخفته لوقت طويل: كانت أرمنية أنقذها جندي من مسيرة الموت في العام 1915 وتبنّتها عائلته. اسمها الأصلي هيرانوش وكان عمرها يناهز آنذاك العشرة أعوام. بعد رحيل الأرمن، غُيِّرت أسماء بلداتهم، وكذلك أسماء الأيتام منهم. وقد نشأت سحر مواطنةً تركية ومسلمة. وبعد وفاتها في العام 2000، نعتها جتين في أسبوعية "أغوس" التي تُعتبَر صوت الجالية الأرمنية في تركيا. كانت صداقة طيّبة تجمع جتين برئيس تحرير "أغوس" ومالكها، هرانت دينك (الذي قُتِل في العام 2007). وصل هذا النعي إلى ما وراء البحار وقرأته شقيقة سحر الصغرى وأنسباؤها، آل غاداريان، فاتصلوا بأسبوعية "أغوس". وقد تمكّنت جتين من لقائهم في نيويورك. وفي العام 2004، أصدرت جتين كتاباً رائداً بعنوان "جدّتي" روت فيه حكاية جدتها، وقد تُرجِم إلى 13 لغة. في العام 2009، أصدرت كتابها الثاني "الأحفاد" [تُرجِم إلى ثلاث لغات]، الذي تضمّن مقابلات مع أحفاد المسيحيين الذين يخفون هويتهم في تركيا. وتعبّر في كتابها الأخير "أشعر بالعار" عن شكوكها وهواجسها بشأن قضية هرانت دينك التي شاركت فيها بصفتها محامية عائلة دينك.

وقد زارت جتين لوس أنجلس بناءً على دعوة من "المجلس الأرمني المتّحد من أجل إحياء ذكرى المجزرة الأرمنية" بين 12 و24 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.

المونيتور:  انقضت عشرة أعوام على صدور كتابك "جدتي". لقد كان كتاباً رائداً. بعد مرور عقد، كيف ترين تأثيره على المجتمع والسياسة في تركيا أو خارجها؟ وكيف أثّر الكتاب في حياتك الشخصية؟

جتين:  كان الحديث عن أحداث 1915 من المحرّمات في تركيا؛ لم يكن يؤتى على ذكرها لا في العلن ولا في السر. كان يسود صمت مؤلم، صمت حول المجزرة الأرمنية وحول الأرمن المتأسلمين. سُجِنت لفترة وجيزة في العام 1980 بسبب مشاركتي في الاحتجاجات ضد النظام العسكري عندما كنت طالبة شابة. كنّا شجعاناً وكانت مقاومتنا مدوّية. كنّا نغنّي الأناشيد ونهتف عالياً بشعاراتنا. في زنزانتنا الصغيرة، نشأت بيننا أواصر صداقة قوية، نحن نساء المقاومة، لكن كلما كنا نثير مسألة جذورنا الأرمنية، كنا ننتقل إلى التكلّم همساً. هذا ما دفعني إلى الخروج إلى العلن بعد بضعة عقود [في العام 2004] ونشر هذا الكتاب. أردت أن أُسمِع صوتي عالياً وبوضوح. شعرت بأنني أدين بذلك لجدّتي وسواها من الأشخاص الذين نجوا من تلك الأحداث والذين تغيّرت حياتهم وهوياتهم تغييراً كاملاً ولم يحظوا مطلقاً بفرصة التحدث عن الموضوع. لقد توفّي معظم الأجداد. لا نعرف ما الذي عاشوه لكننا نعرف صمتهم. في رأيي، لا تقتصر الإبادة فقط على أعداد الأشخاص الذين قُتِلوا، بل إنها ترتبط بحدّة الصمت المحيط بها في المجتمع. كلما كان الصمت أعمق، أصبحت المأساة البشرية أكبر.

على صعيد شخصي، لقي الكتاب أصداء إيجابية. لم أتعرّض للاضطهاد. سابقاً، واجه كتّاب معروفون مثل أورهان باموك اتّهامات بسبب تطرّقهم إلى المسألة، لكن كتابي لقي أصداء إيجابية. وهذا أعطانا الأمل لتحطيم جدار الصمت. بعد صدور كتابي الأول، "جدّتي"، بدأ الأشخاص يتقصّون حول نسبهم العائلي وشجرة العائلة. في تركيا، قلة من الأسر تملك ما يُعرَف بشجرة العائلة. لكن بعد صدور الكتاب، بدأ الشباب يطرحون الأسئلة. أدركوا أن بعض الروايات عن نسبهم العائلي غير منطقية ويجب التقصّي بشأنها. قال بعضهم، "نعم، إنه أمر غريب أنه لم يكن لجدّتي أقرباء على قيد الحياة، هل يُعقَل أنها كانت من أصل يوناني أم أرمني؟" وهكذا بدأوا يتقصّون. ما زلنا عاجزين عن وضع رقم دقيق لتحديد أعداد الأرمن الذين اعتنقوا الإسلام، لكنني استوحيت الكتاب الثاني من قصصهم.

بعد صدور كتاب "جدتي"، انقسمت عائلتي إلى مجموعتين. المجموعة الأولى تملّكها الغضب وسألتني: "لماذا تثيرين الآن مسائل قديمة؟" "لماذا تكشفين هويتنا على الملأ؟" كانوا قلقين من ردود الفعل السلبية التي يمكن أن يُحدثها الكتاب. أما المجموعة الثانية، لا سيما الجيل الشاب، فقد تقبّلت الأمر وتملّكها الفضول. وهذا يمنحني الأمل.

المونيتور:  إذاً لم تتلقِّ أية ردود فعل سلبية على كتابك؟ ولم تستخدمي كلمة "إبادة" - التي لا تزال مرفوضة من الدولة التركية - في الكتاب. هل كان هذا قراراً متعمّداً من قبلك؟

جتين:  لم أستخدم الكلمة لأنّ جدّتي لم تستخدمها. أردت أن أبقى أمينة للرواية كما جاءت على لسانها. لو استخدمت كلمة "إبادة"، لكان هذا اجتهاداً من جانبي. كان هدفي أن أعرض قصّتها. لم أرد أن أصدر أحكاماً حول الطريقة التي يجب أن ننظر بها إليهم اليوم؛ أردت أن أعرض حياتها وتجاربها. ولهذا السبب تماهى القرّاء مع الرواية الإنسانية في الكتاب، كما أعتقد. حتى إن أشخاصاً من الانتماءات القومية المتشدّدة في تركيا لا يزالون يوقفونني في الشارع اليوم ويقولون لي إن الكتاب جعلهم يعيدون النظر في شجرة عائلتهم وساهم في جمعهم بأقارب لم يكونوا يعلمون بوجودهم. أعتقد أن السبب هو أنها قصة محض إنسانية وهي الأولى من نوعها التي تكشف النقاب عن جانب خفي في التاريخ. قالت لي مجموعة من الشباب خلال جلسة لقراءة الكتاب: "إنه أمر جيد أنك كتبت قصة جدّتك التي اعتنقت الإسلام، لكننا نتمنّى لو أنك كتبت أيضاً القصص الأخرى لنضالات الجدات المسلمات التركيات". فأجبتهم: "كتبت قصة جدتي، وسأكون مسرورة جداً بقراءة قصص الآخرين أيضاً".

المونيتور:  تجربتك في إبراز انتمائك الأرمني إلى العلن، واغتيال صديقك هرانت ديك في العام 2007، كل هذه الأحداث وقعت خلال حكم "حزب العدالة والتنمية". كيف تقيّمين التغيير في نظرة المجتمع التركي إلى الأرمن في هذه الحقبة؟

جتين:  لقد تغيّر الكثير. بات بإمكاننا بالتأكيد أن نتحدث بحرية أكبر عن الهوية الأرمنية. كانت لـ"حزب العدالة والتنمية" انطلاقة إيجابية نوعاً ما في التعامل مع الأقليات كافة، من خلال الخطة التي وضعها لإعادة أملاك الكنائس والمعابد وسواها من مباني المؤسسات إلى الأقليات. حصل نوعٌ من التقبّل لمختلف الهويات في المساحة الاجتماعية. عندما اغتيل هرانت في العام 2007، رأينا آلاف الأشخاص يحتشدون في غضون ساعات في موقع الجريمة، تضامناً مع أسرته. وسار الملايين في مأتمه هاتفين: "كلنا هرانت، كلنا أرمن". كان هذا غير مسبوق. لكن لم يُبَتّ حتى الآن في قضية مقتله، ولا تزال هناك أسئلة لم تلقَ أجوبة بعد. لا تزال هناك مشاعر سلبية قوية تجاه الأرمن تغذّيها بعض المجموعات ويكرّرها مسؤولون حكوميون كبار من حين لآخر. حتى الخطوات الصغيرة، مثل تعيين كاتب أرمني مستشاراً لرئيس الوزراء، يمكن النظر إليها بإيجابية. بيد أن النظرة التي تعتبر أن الأقليات متواطئة مع القوى الأجنبية لا تزال حية. لقد منح "حزب العدالة والتنمية" متنفّساً للمثقّفين عبر اعتماده إجراءات تجعل من الصعب اتهام الأشخاص بالإساءة إلى الهوية التركية مثلاً، إذ بات المدّعون العامون بحاجة إلى إذن من وزير العدل لتوجيه مثل هذه التهم. لكنه ليس حلاً دائماً، فماذا يحدث إذا تغيّر الوزير واستُبدِل بآخر ذي رؤية مختلفة؟ لا نرى سوى حلولاً مؤقتة لانتهاكات حقوق الإنسان.

المونيتور:  كيف تقارنين بين جمهورك في جنوب كاليفورنيا وجمهورك في تركيا؟

جتين:  لم أزر الولايات المتحدة منذ العام 2004. هذه المرة الأولى التي أزور فيها لوس أنجلس، وجمهوري هنا هو بغالبيته من الأرمن الأميركيين. فلو أردت مقارنتهم مع جمهوري في تركيا، المجموعتان متشابهتان تقريباً في المقومات الأساسية لمشاعرهما. ألاحظ ردود فعل متشابهة حيال القصص التي أتشاركها معهم. من المهم بالنسبة إلى الجمهورَين أن يُكسَر جدار الصمت المحيط بالأحداث، ويُكشَف النقاب عن الذكريات، لأنها الطريقة الأنسب كي تبدأ عملية الشفاء. لهذا باشرنا ترميم الينابيع في مسقط رأس جدّتي في تركيا. هذه الينابيع بناها أبناء البلدة الأرمن قبل العام 1915، لكنها تحوّلت أنقاضاً. دعَونا الشباب الأرمن من أرمينيا وفرنسا والولايات المتحدة للعمل إلى جانب متطوّعين أتراك وأكراد من مختلف أنحاء البلاد من أجل ترميمها. بدأ الناس يتحدّثون اللغة الأرمنية بصوت عالٍ في البلدة بعد انقضاء عقود. تجري المياه في هذه الينابيع من جديد. وهي بمثابة دليل على معافاتنا الشخصية وكذلك معافاة المجتمع عبر استعادة تاريخنا المشترك. في العام 2012، صدر وثائقي بعنوان "ينابيع حباب: قصة ترميم" لمشاركة الحكاية مع الأشخاص الذين قد لا يحظون أبداً بفرصة زيارة حباب، والهدف منه هو إظهار أنه يمكن تحقيق المعافاة من خلال التعاون بدلاً من طمس الاختلافات.

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial