تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التعميم ٣٣١ يفتح الآفاق

A man walks past a closed branch of Fransabank in Beirut September 4, 2013. Banks and private business corporations saw a one-day strike being held in many parts of Lebanon on Wednesday, organised by economic committees aiming to pressure Lebanese political parties to form a cabinet to maintain the country's economy, local media reported. REUTERS/Mohamed Azakir (LEBANON - Tags: BUSINESS) - RTX136NZ

لا يشكّل التعميم ٣٣١ الصادر عن مصرف لبنان في ٢٢ آب/أغسطس ٢٠١٣ دافعاً للشركات الناشئة ولللاستثمار في اقتصاد المعرفة فحسب، إنّما قد يتحوّل إلى محفّز لتطوير الأسواق الماليّة وتمتين الاقتصاد ودفع عجلة النموّ، خصوصاً إذا توفّرت الظروف الأمنيّة والسياسيّة الملائمة للاستفادة من هذه االخطوة الإصلاحيّة. يهدف هذا التعميم إلى تشجيع المصارف التجاريّة على الاستثمار في الشركات الناشئة، وذلك عبر ضمان مصرف لبنان نسبة ٧٥٪ من استثماراتها في رؤوس أموال شركات ناشئة تستوفي الشروط المحدّدة، أي أن تكون شركات لبنانيّة، مبتكرة عاملة في مجال اقتصاد المعرفة، كما تساهم في خلق فرص عمل. ويتيح التعميم ٣٣١ للمصارف التجاريّة إمكانيّة استثمار ٣٪ من أموالها الخاصّة في هذه الشركات على ألاّ يتعدّى الاستثمار الواحد 10٪ من هذه القيمة. وهكذا، يكون المصرف مجبراً على الاستثمار في ما لا يقلّ عن عشرة مشاريع، إذا أراد الاستفادة من التسهيلات كافّة المقدّمة إليه من مصرف لبنان وفق هذا التعميم. وإذا أخذنا في الاعتبار أنّ مجموع الأموال الخاصّة للمصارف العاملة في لبنان يبلغ ١٣.٥ مليارات دولار، يكون مصرف لبنان وضع من خلال هذه الخطوة مبلغ ٤٠٠ مليون دولار في خدمة اقتصاد المعرفة والمبادرين والابتكار، وحثّ المصارف على التوظيف في هذا المجال، آخذاً على عاتقه الجزء الأكبر من الأعباء، ومحفّزاً إيّاها على تنويع توظيفاتها وتوزيع مخاطرها.

في حوار مع "المونيتور"، يقول مدير عام البنك اللبنانيّ للتجارة الذي رافق هذه التعميم في مراحله كافّة فؤاد رحمة: "المنافغ التي يقدّمها التعميم للمصارف التجاريّة لا يستهان بها. أوّلاً، في حال تعثّر المشروع، للمصرف التجاريّ أوليّة في استفاء أمواله أيّ ما يعادل الـ٢٥٪ من المساهمة في الاستثمار، كون المصرف المركزيّ يتكفّل بتمويل الـ٧٥٪ الأساسيّة. ثانياً، عند تحقيق الاستثمار، إضافة إلى حصّته من الأرباح (٢٥٪)، يتقاسم والمصرف المركزيّ الأرباح الناتجة عن الـ٧٥٪ التي يموّلها هذا الأخير. هكذا وفي المحصلة، يكون المصرف التجاريّ يجني ٦٢.٥ ٪ من الأرباح، بينما لا تتعدّى مساهمته الـ٢٥٪ من كلفة الاستثمار".

والسؤال: "هل تشكّل هذه التحفيزات دافعاً كافياً للمصارف اللبنانيّة، وهي في غالبيّتها مصارف تجاريّة تقليديّة محافظة، من أجل الاستثمار في مجال اقتصاد المعرفة، والأهمّ من ذلك ، من أجل المساهمة مباشرة في رؤوس الأموال أي الانتقال من موقع المصرف المقرض إلى موقع المساهم الذي يشارك في الأرباح ولكن أيضاً يتحمّل الأعباء والمخطارة"؟ يقول رحمة: "العقبة الأساس أنّ المصارف غير معتادة أبداً على هذا النوع من العمليّاتة. المصارف غير مؤهّلة بعد للتعامل مع المبادرين، و لا للتعاطي مع هذا النوع من الاستثمارات. فعملها مختلف عمّا تقوم به اليوم، ألا وهو التوظيفات في الأصول الماليّة، لا سيّما في سندات الخزينة، أو إدارة القروض مع ما تفرضه هذه الأخيرة من ذهنيّة تتناقض مع مبدأ المبادرة وتحمّل المخاطر". أضف أنّ المصارف عموماً لا سيّما الكبيرة تتلافى الاستثمارات الصغيرة الحجم لما تشكّله من كلفة وعناء لا يبرّران الجهد المبذول. الأمر الذي يتنافى مع روحيّة التعميم ٣٣١ الذي يريد تشجيع الشركات الناشئة وروح المبادرة.

لهذا السبب، وبعد مضي سنة على صدور التعميم، لم تكن عديدة الاستثمارات المباشرة للمصارف التجاريّة في الشركات الناشئة. فقد سجّلت إلى اليوم عمليّة واحدة، وهي مساهمة بنك الموارد في شركة Presella، وهي متخصّصة في حجز بطاقات الحفلات عبر الإنترنت وبيعها. يقول رحمة: "ملّفات أخرى هي قيد الدرس تنتظر موافقة مصرف لبنان". كانت المحفّزات المقدّمة من قبل المصرف المركزيّ كفيلة في دفع المصارف نحو ابتكار الوسائل المناسبة لتجاوز العقبات. هكذا تمّ إنشاء صناديق استثمار متخصّصة من أجل الاستفادة من الفرصة المتاحة. وأهمّ هذه الصناديق بيريتيك ٢ وMEVP Middle East Venture Partners، ويبلغ حجماهما كلّ من ٣٥ مليون دولار و٥٠ مليون دولار. تساهم في الأوّل مصارف لبنانيّة كبيرة مثل بنك لبنان والمهجر، البنك اللبنانيّ للتجارة، وفرنسابنك. ومن أبرز المساهمين في الثاني بنك عودة. ويقول رحمة: "الفرق الأساسيّ بين المصارف التجاريّة وهذه الصناديق المتخصّصة أنّ الاستثمارات بالنسبة إلى هذه الأخيرة ليست اختياريّة، إنّما إجباريّة. فهي تشكّل سبب وجودها، ولهذه الغاية، يديرها أهل اختصاص وكفاءات، وهم يساهمون على قدر نجاحاتهم وإنجازاتهم. وهذا سوف يشكّل دافعاً للاستثمارات في مجال الاقتصاد الرقميّ، كما سوف يساهم في تثقيف المصارف وتأهيلها لهذا النوع من الأعمال". ويضيف: "استغرق الأمر بعض الوقت من أجل إقرار الإطار القانونيّ لعمل هذه الصناديق، فالقوانين اللبنانيّة ليست مهيّئة لذلك". 

والسؤال: "هل يشكّل هذا الضخّ النقديّ أيّ الـ٤٠٠ مليون دولار عاملاً تضخّم، خصوصاً إذا لم تتوافر فرص الاستثمار في بلد يعاني اقتصاده من تراجع وركود بسبب الأزمة السياسيّة التي يعيش وتردٍّ في الأوضاع الأمنيّة. يقول أحد المصرفيّين: "لن توظّف هذه الأموال دفعة واحدة إنّما علي مراحل". هذا يعني أنه سيتم احترام التوازن بين العرض والطلب على الاستثمارات. وعن وجود ما يكفي من فرص استثمارDeal Flow، كان ملفتاً أن يتمّ إنشاء وبدفع من التعميم ٣٣١، مراكز تدريب للمبادري Enterpreneurs Bootcamp هي مراكز تدريب لرواد الأعمال والشركات الناشئة. "وقد تمّ إنشاء اثنين، ونعمل على إنشاء الثالث"، يقول رحمة. أمّا عن استراتيجيّات الخروج من الاستثمارات Exit Strategy في ظلّ غياب بورصة فعّالة ومتطوّرة، يضيف: "العمل على تطوير الأسواق الماليّة مستمرّ، ولكن قد لا يشكّل هذا الأمر عقبة في لبنان، حيث يشكّل حجم الودائع المصرفيّة ٥٠٠٪ من الناتج القوميّ. فأصحاب هذه الودائع قد يبحثون عن فرص استثماريّة يفوق مردودها الفائدة المقدّمة من قبل المصارف، وقد يساهمون مباشرة في هذه الشركات ومن خارج البورصة عبر ما يسمّى الـTrade Sale".

لا شكّ أنّ هذا التطوّر الإيجابيّ في الأسواق الماليّة اللبنانيّة لم يكن ممكناً لولا الدور الرياديّ لمصرف لبنان الذي ابتكر الأدوات النقديّة المناسبة التي مكّنت المصارف من توسيع رقعة أعمالها، وفتحت آفاقاً جديدة أمام المبادرين والمبتكرين والمستثمرين. ولكن هل يعود هذا الدور كمحرّك للإصلاح ودافع للنموّ والإبداع إلى المصرف المركزيّ؟ أم تنحصر مهمّة هذا الأخير في ضبط التضخّم والحفاظ على الاستقرار النقديّ؟ في بلد متعافى، قد تكون مهمّة تشجيع النموّ وخلق فرص عمل وتطوير الاقتصاد من مهمّة السلطات الحكوميّة. ولكن في لبنان، حيث الحكومة شبه غائبة والمؤسّسات مهدّدة بالفراغ المستدام، حسناً فعل المصرف المركزيّ، وفي نطاق أعماله، بمحاولته ملء الفراغ الذي خلّفه الآخرون.

More from Sami Nader

The Middle East in your inbox

Deepen your knowledge of the Middle East

Recommended Articles