تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العرقوب أمام خطرين: داخليّ وحدوديّ

Syrians, who fled the fighting in their country, arrive with their belongings at night in the Shebaa region, southern Lebanon, November 11, 2013. Picture taken November 11, 2013. REUTERS/Karamallah Daher (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL UNREST CONFLICT) - RTX15A7X

العين الأمنيّة اللبنانيّة شاخصة جنوباً، وتحديداً نحو منطقة العرقوب التي تقع عند الحدود اللبنانيّة – السوريّة، وتضمّ قرى: شبعا، كفرشوبا، الهباريّة، كفرحمام وراشيّا الفخّار. تتميّز هذه المنطقة بخصوصيّة جغرافيّة وديموغرافيّة، وهي ذات أغلبيّة مسلمة سنيّة، ولكنّها هي تقع على تماس مع عدد من القرى الشيعيّة أبرزها الخيام، والمسيحيّة مثل راشيّا الفخّار ومرجعيون والقليعة وبرج الملوك، والدرزيّة ومنها الماري وحاصبيّا والفرديس. أمّا من الجهة السوريّة فتقابلها هضبة الجولان. أكبر بلدات العرقوب هي شبعا التي تقع عند مثلّث الحدود اللبنانيّة - السوريّة – الاسرائيليّة، وما زالت مزارعها منطقة محتلّة من قبل اسرائيل ومتنازعاً عليها، ولكن تعتبر الأمم المتحدة أن مزارع شبعا هي أراضي سورية، وهذه حال تلال كفرشوبا المحتلّة أيضاً.

كما كلّ لبنان، تغيّر وجه منطقة العرقوب، نتيجة النّزوح السوريّ الكثيف إليها، والذي يتركّز في قرى كفرشوبا والهباريّة، وخصوصاً شبعا، التي تأوي - وحدها - أكثر من سبعة آلاف نازح، ممّا يفوق عدد أبنائها المقيمين الذي يقارب الخمسة آلاف. معظم هؤلاء النّازحين هربوا من بلدتي بيت جن ومزرعة بيت جن في ريف دمشق الشرقيّ، نتيجة احتدام المعارك في هذا المحور بين الجيش السوريّ والمسلّحين، وهم يقيمون حاليّاً إمّا في منازل تمكّنوا من استئجارها نتيجة المساعدات الماليّة الشهريّة التي يتلقّونها من الأمم المتّحدة، وإمّا في مبنى تابع للجماعة الاسلاميّة ذات الحضور السياسيّ اللاّفت في المنطقة، وهم يحصلون على تموين من غذاء ودواء عبر الأمم المتّحدة وبعض التبرّعات. أمّا عند أطراف بلدات المنطقة، فأنشئت مخيّمات تضمّ حوالى 5000 نازح آخرين، وهي تتوزّع في محيط قرى قبل السقي، والخيام والهباريّة.

في ظلّ هذا الواقع، رأت مصادر أمنيّة مطّلعة على أوضاع المنطقة أنّ خطرين يحدقان بقرى العرقوب حاليّاً: الأوّل يهدّد الأمن داخل هذه القرى، والثاني يستهدف حماية الاستقرار السائد على الحدود اللبنانيّة - الاسرائيليّة. فوسط اكتظاظ العرقوب، وبعد المعركة التي شهدتها عرسال مطلع آب 2014 بين الجيش اللبنانيّ وعناصر "جبهة النّصرة" وتنظيم"الدولة الإسلاميّة" الذين خرج معظمهم من مخيّمات النّازحين السوريّين داخل البلدة، تسود حال من القلق قرى العرقوب وجوارها، خوفاً من تكرار هذا المشهد. فما الذي يمنع وجود خلايا نائمة بين النّازحين؟ وما الذي يمنع أن يخرج فجأة آلاف المسلّحين من بينهم ويسيطروا على المنطقة؟ خصوصاً في ظلّ تناقل معلومات تفيد بدخول عناصر من "جبهة النّصرة" إلى العرقوب والاستقرار فيها، وانتقال عدد كبير من المسلّحين السوريّين الذين سقطوا جرحى خلال معارك ريف دمشق إلى شبعا عبر الحدود اللبنانيّة – الاسرائيليّة، بعدما تمّت معالجتهم داخل مستشفيات اسرائيل.

هذه المخاوف تعزّزها سلسلة من الحوادث الأمنيّة التي تقع باستمرار في المنطقة وجوارها وكادت تؤدّي مرّات عدّة إلى فتنة لو لم يتمّ ضبطها، ابرز الحوادث التي سُجلت خلال العام 2014 تمثلت بالتوتر الذي حصل في شبعا وجوارها من القرى الدرزية بين مسلحين معارضين للنظام في "بيت جن" وآخرين موالين له من أبناء قرية "حضر" ذات الكثافة الدرزية، وقد عملت أحزاب المنطقة وفعالياتها ورجال الدين من كل الطوائف على منع انتقال الحريق إلى منطقتي العرقوب وحاصبيا وراشيا، لتجنيب المنطقة الانزلاق نحو فتنة مذهبية أو طائفية. كما وتعرّض أهالي شبعا إلى اعتداءات متكرّرة مصدرها النازحون وارتفاع نسبة السرقات. ففي حزيران 2014 تعرّضت سيدة للطعن من الخلف، لم يعرف الفاعل، لكن أصابع الاتهام توجهت إلى النازحين، وفق المصادر. كما يمارس نوع آخر من التّحريض المذهبيّ عبر توزيع بيانات من دون توقيع، تذكّي الفتنة بين السنّة والدروز، وترجمت إشكالات عدّة كان أخطرها مقتل شيخ درزي في حاصبيّا في آذار 2013 وكان قد تم العثور على جثته داخل متجره بعد أن تعرض إلى إطلاق نار ست مرات، ووقوع إشكال بين قريتي الماري الدرزيّة وعين عرب السنيّة في نيسان 2012، ممّا استدعى تدخل فاعليّات سياسية المنطقة لمعالجة الذيول.

وأشارت مصادر نيابيّة في المنطقة إلى أنّ نوعاً من حال الطوارئ قد أعلن في شبعا الشهر الفائت بعد اجتماعات عدّة عقدتها الفاعليّات عقب معركة عرسال، وأسفرت في آب / أغسطس عن قرار عدم استقبال المزيد من النّازحين والطلب من الأهالي الإبلاغ عن أيّ تحرّك مشبوه.

منذ شهر آذار / مارس، كان الجيش اللبنانيّ قد بدأ يعزز حضوره في قرى العرقوب ومرجعيون، مكثّفاً عمليّات رصد تسلّل المسلّحين من سوريا وإليها عبر جبل الشيخ، وزاد عدد نقاط المراقبة ونصّب الحواجز الثابتة والمتحرّكة. وأخيراً، نجحت القوى الأمنيّة في توقيف عصابة لبنانيّة وسوريّة مؤلّفة من 4 أفراد تقوم بتهريب الأسلحة بين لبنان وسوريا عبر العرقوب وجبل الشيخ، وصولاً إلى بلدة بيت جن السوريّة.

إلاّ أنّ المشروع الذي حاول تنظيم "الدولة الإسلاميّة" و"جبهة النصرة" تنفيذه في عرسال عبر السيطرة على البلدة، ثمّ الامتداد منها إلى قرى أخرى بغية إنشاء إمارتها المنشودة التي تصل إلى حدود مدينة طرابلس على طول 70 كلم شمالاً، لا يصلح تطبيقه في قرى العرقوب الجنوبيّة على حدّ تعبير المصادر التي أكّدت أنّ حجم أيّ تمدّد لهما في الجنوب لا يقارب ما كان يسعى إليه الإرهابيّون في عرسال. وتبقى النقطة الأهمّ أنّها ستصطدم بالقرى الشيعيّة الجنوبيّة التي تمثّل معقلاً لـ"حزب الله".

أمّا التّهديد الثاني والأكبر، وفق المصادر الأمنيّة، فيكمن في أيّ عمل عسكريّ قد تعمد مجموعة أصوليّة من بين النّازحين إلى تنفيذه بهدف زعزعة استقرار الحدود اللبنانيّة - الاسرائيليّة، ممّا يشكّل خرقاً للقرار الدوليّ 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006 وأنهى حينها "حرب تمّوز" بين لبنان واسرائيل. فقرى العرقوب تقع ضمن المنطقة التي نصّ القرار الدوليّ على إنشائها جنوب نهر الليطانيّ وأن تكون خالية من أيّ أفراد مسلّحين أو معدّات أو أسلحة، باستثناء سلاح القوى الشرعيّة و"اليونيفيل". وبالتّالي، إنّ أيّ انتشار للسلاح بين النّازحين يعتبر خرقاً للقرار 1701، حسب المصادر التي سألت: ماذا لو عمدت هذه المجموعات إلى إطلاق النّار من الأراضي اللبنانيّة إلى اسرائيل؟ ومن يضمن نتائج تصعيد عسكريّ مماثل قد يعيد الوضع في الجنوب إلى نقطة الصفر؟ وشدّدت على ضرورة أن يعي المجتمع الدوليّ خطورة هذا الوضع وأن يحرص على الحفاظ على تطبيق هذا القرار. مع الإشارة إلى أنّ عمليّات إطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانيّة في اتّجاه اسرائيل تتكرّر، وآخرها كان من بلدة الماري المجاورة لقرى العرقوب في تمّوز الماضي، وردّت عليه اسرائيل بقصف مدفعيّ استهدف منطقة مزارع شبعا ومحيط كفرشوبا، رغم أنّها أعلنت استبعاد أن يكون "حزب الله" وراء إطلاقه.

وسألت المصادر أيضاً: ما الذي يعيق أن يقدم تنظيم "الدولة الإسلاميّة" و"جبهة النصرة" على خطف عناصر من "اليونيفيل" كرهائن؟ مثلما فعلت في هضبة الجولان حيث حاصرت في 30 آب / أغسطس جنوداً فيليبينيّين من "قوّة الأمم المتّحدة لمراقبة فضّ الاشتباك في الجولان" المتمركزة هناك منذ 1974، لكنّهم نجحوا في الفرار. وفي 28 آب / أغسطس، كانت خطفت أكثر من 40 جنديّاً فيجيّاً قرب القنيطرة السوريّة.

كلّ هذه الأسئلة تبقى مشروعة طالما أنّ موضوع النّازحين السوريّين لم يعد محصوراً ضمن الإطار الإنسانيّ، أو ضمن الوجود القسريّ الذي فرضته التطوّرات السوريّة، بل أصبح يشار إليه من زاوية احتضانه لعناصر تهديد للساحة اللبنانيّة أو كقاعدة انطلاق للجماعات المسلّحة للعمل داخل لبنان أو في سوريا. وقد ترسّخ هذا الانطباع بعد الدور الذي لعبته مخيّمات عرسال خلال المواجهة مع الجيش اللبنانيّ.

More from Esperance Ghanem

Recommended Articles