تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مسيحيّو إربيل: لواء مسلّح... ثمّ هجرة نهائيّة؟!

A Christian woman carries a cross during a demonstration against militants of the Islamic State, formerly known as the Islamic State in Iraq and the Levant (ISIL), in Arbil, north of Baghdad July 24, 2014. Hundreds of Iraqi Christians marched to the United Nations office in Arbil city on Thursday calling for help for families who fled in the face of threats by Islamic State militants. REUTERS/Stringer (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS TPX IMAGES OF THE DAY) - RTR400H7

في إربيل، كانت المحطّة الثانية والأخيرة للوفد اللبنانيّ الرسميّ برئاسة وزير الخارجيّة اللبنانيّة جبران باسيل. وكان بحث ثانٍ في كيفيّة مساعدة لبنان للسلطات العراقيّة في موضوع النازحين من الأراضي التي احتلّها تنظيم "الدولة الإسلاميّة" في الموصل وشمال غرب عراق وبعض مناطق سهل نينوى. فقد روى أحد أعضاء الوفد اللبنانيّ لموقعنا أنّ كبار المسؤولين الأكراد الذين التقاهم الوفد بدوا أكثر متابعة لقضية "الدولة الإسلاميّة" ولحركتها الميدانيّة على الأرض، كأنّهم مسؤولون عسكريّاً عن المعركة الحاصلة، خصوصاً أنّ تهديداً جديّاً كان قد طال عاصمة إقليم كردستان العراقيّة، قبل أن يتدخّل الطيران الأميركيّ للمؤازرة. لم يخف أحد كبار مسؤولي إربيل بداية مفجأته واستغرابه لهجوم "الدولة الإسلاميّة" على المنطقة الكرديّة. فمن الناحية السياسيّة، لم تكن سلطات إربيل يوماً على وئام مع سلطات بغداد التي أعلنت "الدولة الإسلاميّة" الحرب عليها. ومن ناحية ثانية، يوحي المسؤول الكرديّ الكبير بالجانب المذهبيّ في استغرابه لحرب "الدولة الإسلاميّة" على الأكراد. فغالبيّة الأكراد الساحقة من السنّة، تماماً كهويّة "الدولة الإسلاميّة". إذاً لماذا هاجموا إربيل؟ لا جواب.

أكثر من ذلك، يعترف المسؤول الكرديّ الرفيع المستوى أمام الوفد اللبنانيّ بأنّ "الدولة الإسلاميّة" انتصرت معنويّاً في حربها ضدّ أعدائها، قبل أن تسجّل أيّ إنجازات عسكريّة ميدانيّة على الأرض. ويقول: "هزمنا نفسيّاً قبل بدء المعركة. كلّنا أصابنا الخوف وبعض الذعر، تماماً كما أصاب الهلع الناس، نتيجة أخبار الجرائم الجماعيّة المرتكبة. في قره قوش (المعروفة عراقياً بإسم بغديده)، وهي كبرى البلدات المسيحيّة في سهل نينوى، هرب السكّان قبل تقدّم مسلّحي "الدولة الإسلاميّة" نحو المدينة. بمجرّد سماع أخبار غير رسميّة وغير مؤكّدة، عن تقدّم هؤلاء، حزم أهل قره قوش ما تيسّر لهم من ممتلكات ونزحوا شمالاً إلى عنكاوا، الحيّ المسيحيّ في إربيل". لكنّ المسؤول الكرديّ نفسه، تابع معترفاً بأنّ "الدولة الإسلاميّة" باتت دولة فعليّة. حتّى أنّه على عكس التقديرات الصحافيّة المعطاة، يقول المسؤول الكبير للوفد اللبنانيّ إنّ المساحة التي يسيطر عليها تنظيم "الدولة الإسلاميّة" اليوم باتت تقارب مئتي ألف كيلومتر مربّع، وليس مجرد 130 ألف كيلومتر مربّع كما يقال، ويبلغ عدد سكّانها نحو عشرة ملايين نسمة. حتّى أنّه يقدّر أنّ "هذه "الدولة" باتت تملك في غضون أيّام قليلة نحو 1500 مركبة مدرّعة من مختلف الأنواع، بين مصفّحة وناقلة جند ودبّابة، غنمتها من الجيش العراقيّ الذي انهار في شمال غرب العراق، إضافة إلى قدرات ماليّة كبيرة. لكنّ الأخطر، بحسب قول المسؤول الكرديّ نفسه، أنّ مسلّحي "الدولة الإسلاميّة" يأتون من كلّ العالم. وقد روى لضيوفه اللبنانيّين أنّ قوّات البشمركه الكرديّة كمنت قبل أيّام لمدرّعة تنقل مسلّحين من "الدولة الإسلاميّة" فأصابتها، ليتبيّن لهم أنّ أحد مسلّحيها عربيّ غير عراقيّ، فيما الأربعة الباقون من جنسيّات أوروبيّة!

مسألة واحدة يتقاطع عندها رأي المسؤول الكرديّ الكبير مع آراء مسؤولي بغداد هي: من سينزل على الأرض ليستأصل "الدولة الإسلاميّة" من هناك؟ أمر لا جواب عليه أيضاً لدى المسؤول الكرديّ. لكنّ الأخير نفسه كشف لضيوفه اللبنانيّين أنّ القوّات الكرديّة مصمّمة على استعادة المناطق التي تمدّدت إليها "الدولة الإسلاميّة" في منطقة سهل نينوى. فهي أصلاً مناطق متنازع عليها بين بغداد وإربيل، ولم تحسم قضيّتها منذ عشر سنوات. لكنّ الأكراد يتمسّكون بها لأسباب عدّة، اقتصاديّة واستراتيجيّة. لذلك، يقول المسؤول الكبير في إربيل إنّ قوّاته ستطرد مسلّحي "الدولة الإسلاميّة" من السهل خلال أسابيع، ويضيف: "لكن طبعاً بمؤازرة من الطيران الحربيّ الأميركيّ، حيث ينفّذ غارات ندخل، وحيث لا يفعل، يظلّ الوضع على حاله".

ماذا عن المسيحيّين في إربيل؟ أكّد المسؤول الكرديّ لمحاوريه أنّه منفتح على تسليحهم، وعلى إعطائهم كلّ ما يساعد على طمأنتهم، حتى إنشاء وحدات مسلّحة خاصّة من المسيحيّين الذين باتوا مقيمين في كردستان العراقيّة، لكن في إطار قوّات البشمركه لا خارجها، وأنّه يمكن أن يكون لهم وضع خاصّ ضمنها، نوع من وحدة من المقاتلين المسيحيّين، لكن تحت إمرة البشمركه عسكريّاً، لأنّ أيّ حالة مسلّحة خاصّة يمكن أن تثير المشاكل، تماماً كما حصل مرّات عدّة في التاريخ العراقيّ – الكرديّ.غير أنّ المسؤول نفسه لم يبد مقتنعاً بأنّ المسيحيّين مصمّمون على القتال. فانطباعه أنّهم هزموا نفسيّاً نهائيّاً، كأنّهم باتوا ينتظرون الهجرة النهائيّة صوب الغرب، وأنّ ما يعوقهم اليوم أنّ معظم النازحين لا يملكون أيّ أوراق ثبوتيّة أوّ هويّات أو جوازات سفر، حيث انتزعها منهم مسلّحو "الدولة الإسلاميّة" أثناء تهجيرهم المأساويّ. لذلك فهم اليوم ينتظرون الترتيبات المتّخذة، إمّا من قبل سلطات إربيل وإمّا من قبل المنظّمات الدوليّة، من أجل منحهم وثائق ثبوتّية موقّتة. بعدها قد يكون السفر غرباً خيارهم الأوّل، ليقفلوا صفحة تاريخهم الطويل على تلك الأرض بآخر سطر من التراجيديا السوداء. مسألة بدا المسؤول الكرديّ متأكّداً منها، وهو يتّحدث إلى أعضاء الوفد اللبنانيّ الرسميّ، تماماً كما يقينه من أنّ العراق السابق لم يعد موجوداً، ولن يعود يوماً!