تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل ستحدّد "الحرب القانونيّة" طبيعة النزاع الفلسطينيّ الإسرائيليّ؟

في النزاع الحاليّ في غزّة، تتقدّم إسرائيل على حركة حماس من الناحية العسكريّة، لكن للفلسطينيّين ربّما أفضليّة في "الحرب القانونيّة".
Members of delegations listen to Palestinian President Mahmoud Abbas address the 68th United Nations General Assembly at U.N. headquarters in New York, September 26, 2013. REUTERS/Eduardo Munoz (UNITED STATES - Tags: POLITICS) - RTX140XW

يسلّط النزاع الأخير بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين الضوء على عدد من الابتكارات في القتال الحربيّ. وتشمل هذه الابتكارات تقدّماً تكنولوجيّاً، إذ إنّ الفلسطينيّين يستعملون أنظمة صاروخيّة أكثر قوّة وأبعد مدى ونظام أنفاق متطوّراً، والإسرائيليّين يستعملون مجموعة من منهجيّات الحرب الحديثة، كالطائرات بلا طيّار والأسلحة الدقيقة. لكنّ الأهمّ من هذه التكنولوجيات قد يكون وسيلة القتال في القرن الحادي والعشرين التي أسمّيها "الحرب القانونيّة" (ما يُعرف بالانكليزيّة بـ "warfare").

يُقصد بالحرب القانونيّة، بحسب تعريف هذا الكاتب على الأقلّ، "استراتيجيّة استعمال القانون – أو إساءة استعماله – كبديل للوسائل العسكريّة التقليديّة لتحقيق هدف تكتيكيّ". وهناك وسائل عدّة لتنفيذ الحرب القانونيّة، لكنّ كلّ وسيلة تسعى إلى إحداث تأثير لا يمكن تمييزه عن تأثير القوّة المسلّحة الحركيّة أو الوسائل العسكريّة التقليديّة الأخرى.

ترجع الحرب القانونيّة، في سياقها الحديث، إلى حرب الخليج سنة 1990-1991، وبالتحديد إلى حادثة مخزن الفردوس التي تمّ في خلالها الهجوم على مخزن اعتُقد أنّه مركز قيادة عراقيّ، لكنّه كان في الواقع يشكّل ملجأ من القنابل لعائلات المسؤولين العراقيّين رفيعي المستوى. وقد تسبّب الانفجار بوفاة وإصابة مئات المدنيّين، ودفع العراقيّين إلى اتّهام القوّات الأميركيّة بارتكاب مجازر حرب.

ومع أنّه لم يكن هناك لاشرعيّة فعليّة في هذه الحادثة، إلا أنّ مجرّد ادّعاء ذلك، وصور القتلى في الإعلام أحدثت تأثيراً كبيراً. وكتب مايكل غوردون وبرنارد ترينور في كتاب "حرب الجنرالات" أنّ تداعيات الانفجار السياسيّة "حقّقت ما عجزت قوّات الدفاع الجويّة العراقيّة عن تحقيقه، ألا وهو أنّ الهجوم على وسط مدينة بغداد سيكون ضئيلاً، هذا إن تمّ أصلاً".

واستنتجت مجموعات عدّة أنّ ادّعاءات اللاشرعيّة، بالإضافة حالات سوء سلوك القوّات العدوّة، قد تكون فعّالة بقدر الوسائل العسكريّة التقليديّة في تحقيق هدف عسكريّ. وإنّ محاكاة حادثة الفردوس بترويج الخسائر المدنيّة على أنّها جرائم حرب تعني أنّ الحرب القانونيّة تؤمّن نوعاً مختلفاً من "الدفاع الجويّ"، لكنّه دفاع فعّال بقدر المقاتلين أو الأسلحة المضادّة للطائرات، إن لم يكن أكثر فعاليّة.

لا شكّ في أنّ اتّهام العدوّ بارتكاب جرائم حرب ليس جديداً في تاريخ الحروب، لكنّ ما يختلف اليوم هو الوسائل المتطوّرة للغاية لنشر الادّعاءات على الصعيد العالميّ. فانتشار وسائل الإعلام التي تبثّ الأخبار على مدار الساعة، وأشرطة الفيديو المصوّرة عبر الهواتف المحمولة، و"تويتر"، وكلّ عناصر ثورة المعلومات أصبحت أسلحة في يد من يمارسون الحرب القانونيّة.

بالإضافة إلى ذلك، عزّزت الحاجة إلى القانون الدوليّ من أجل التجارة العالميّة في السنوات الأخيرة ذهنيّة عالميّة موجّهة نحو القانون ومنفتحة بالتالي على عمليّات الحرب القانونيّة.

إنّ القانون الأساسيّ، من بين كلّ قوانين النزاع المسلّح، هو موجب أن يميّز المتحاربون بين المقاتلين والمدنيّين، وألا يهاجموا سوى المقاتلين. وبالتالي، في النزاع الحاليّ، سعت كلّ من حماس وإسرائيل إلى تحميل الطرف الآخر مسؤوليّة ارتفاع عدد الخسائر المدنيّة في محاولة واضحة لإقناع الرأي العالميّ بالجهة التي تتصرّف بطريقة غير شرعيّة، والحصول بالتالي على دعم من العالم بأسره.

وتشنّ حماس حرباً قانونيّة بطريقة محترفة من خلال ترويج مقتل المدنيّين كنتيجة للهجمات الإسرائيليّة المتعمّدة عليهم. وتردّ إسرائيل على حماس بتحميلها المسؤوليّة لأنّها تنفّذ عمليّاتها بين المدنيّين، خلافاً للقانون الدوليّ. بالإضافة إلى ذلك، تشدّد إسرائيل على أنّ مدنيّين كثراً يموتون بسبب خلل في صواريخ حماس وسقوطها على غزّة.

وقد اتّخذت إسرائيل مؤخّراً خطوة غير اعتياديّة بالاتّصال هاتفيّاً بالمدنيّين الذين يقطنون في مبانٍ تخطّط لقصفها. وأشارت تقارير أيضاً إلى أنّ الطائرات الإسرائيليّة التي تعمل بلا طيّار تُستعمل لإلقاء مناشير تحذيريّة على أسطح المباني المستهدفة. لكن على الرغم من هذه التحذيرات، لا يزال المدنيّون يسقطون لأنّه ليس واضحاً ما هي المواقع الآمنة بالنسبة إلى الفلسطينيّين. مع ذلك، تُقدَّم هذه التدابير كدليل على جهود إسرائيل الاستثنائيّة الهادفة إلى الامتثال للقانون الدوليّ الذي يلحظ حماية المدنيّين.

ولا يستطيع الفلسطينيّين اتّخاذ تدابير مماثلة لأنّهم ببساطة لا يملكون التكنولوجيا والموارد لشنّ حرب قانونيّة عالية الدقّة كتلك التي يحاول الإسرائيليّون ممارستها. وبالتالي، لا خيار أمامهم سوى إطلاق الصواريخ عشوائيّاً على المراكز السكنيّة الإسرائيليّة، لكن لا شيء في القانون الدوليّ يبرّر الاعتداء العشوائيّ على المدنيّين من أيّ طرف كان. وتستخدم إسرائيل هذه الهجمات الصاروخيّة العشوائيّة، بالإضافة إلى ادّعاءات استعمال دروع بشريّة وانتهاكات أخرى لقانون الحرب، لاتّهام حماس بالإرهاب.

مع ذلك، تمكّن الفلسطينيّون من شنّ نوع من الحرب القانونيّة بشكل ناجح في منتديات القانون الدوليّ. فعلى سبيل المثال، رأت محكمة العدل الدوليّة في رأي استشاريّ سنة 2004 بعنوان "التداعيات القانونيّة لبناء جدار في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة" أنّه لا يمكن أن يعتمد الإسرائيليّون على القانون الدوليّ لتبرير الحاجز الأمنيّ الذي ادّعوا أنّه ضروريّ فيما شدّد الفلسطينيّون على أنّه يقسّم العائلات ويعيق التطوّر الاقتصاديّ.

إلى ذلك، تضمّن تقرير بعثة الأمم المتّحدة لتقصّي الحقائق بشأن النزاع في غزّة سنة 2009، والمسمّى بـ "تقرير غولدستون" تيمّناً بكبير المحقّقين في البعثة ريتشارد غولدستون، انتقادات طالت الطرفين، لكنّه أيّد مواقف الفلسطينيّين بشكل عامّ. ومع أنّ غولدستون أكّد لاحقاً أنّ الادّعاء القائل بأنّ الإسرائيليّين يستهدفون المدنيّين عمداً خاطئ، إلا أنّ مضمون التقرير بالإجمال معادٍ لإسرائيل.

ومؤخّراً، في 23 تموز/يوليو، حقّق الفلسطينيّون انتصاراً كبيراً في الحرب القانونيّة عندما صوّت مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتّحدة لصالح تشكيل لجنة للتحقيق في جرائم حرب إسرائيليّة محتملة في النزاع الحاليّ. ومع أنّه يمكن نظريّاً التحقيق أيضاً في الأعمال التي ارتكبتها حماس، إلا أنّ هناك سبباً وجيهاً لإدانة قرار المجلس ما وصفه بـ "انتهاكات منتشرة ومنهجيّة وسافرة لحقوق الانسان وحريّاته الأساسيّة الدوليّة ناجمة عن العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة".

لقد نجح القانون في حلّ نزاعات كثيرة. فنزع سلاح الجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ تحقّق من خلال مفاوضات مرتكزة على القانون أدّت إلى دمج الجيش في المنظومتين القانونيّة والسياسيّة.

ومع أنّ طرفي النزاع الحاليّ في غزّة يلجآن كلاهما إلى الحرب القانونيّة، إلا أنّ هذه الأخيرة للأسف لم تنجح بعد في نقل القتال من ساحة المعركة إلى قاعة المحكمة.

More from Charles J. Dunlap, Jr.

Recommended Articles