تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مشروع كيري لوقف إطلاق النار خطأ لا يرتكبه سوى المبتدئين

أقحم وزير الخارجية الأميركي جون كيري نفسه في المأزق شرق الأوسطي عندما فشل في استعياب أنّ وقف إطلاق النار يجب أن يترافق مع اتفاقٍ شاملٍ بين إسرائيل والفلسطينيين وإلا فسيُستأنَف النزاع.
U.S. Secretary of State John Kerry (C), stands next to Qatari Foreign Minister Khaled al-Attiyah, (R) and Turkish Foreign Minister Ahmet Davutoglu as they make statements to reporters during their meeting regarding a cease-fire between Hamas and Israel in Gaza, at the U.S. ambassador's residence in Paris July 26, 2014. REUTERS/Charles Dharapak/Pool (FRANCE - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTR407J4

ستكون محقًا إذا افترضْتَ أنّ الطريقة التي يتعامل فيها وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع الأزمة في غزة لن تعود عليه بجائزة نوبل للسلام، والسبب ليس في الواقع تفضيله اتّباع محور تركيا- قطر بدلاً من محور مصر- السعودية.

إنّ فشله يتخطّى ذلك بأشواط. فعندما جازف بتحويل الطريق المسدود عسكريًا إلى حافز للتقدّم دبلوماسيًا، علِق وزير الخارجية الأميركي في المأزق شرق الأوسطي كما لو كان مبتدئًا.

بدلاً من أن يدعم كيري موقع الرئيس الفلسطيني محمود عباس كخطوة أساسية لحلّ النزاع، عمل لصالح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يفضّل إدارة النزاع. لم يدرك كيري أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي أقحم نفسه في ما شخّصه الفيلسوف الألماني جورج ويلهلم فريدريش هيغل منذ أكثر من قرنين على أنّه "عجز المنتصر". وقد حُفِر هذا العجز على جدران كلّ منزل جرى تدميره في غزة، حيث طُمِر عشرات المدنيين العُزّل تحت الأنقاض؛ وحُفِر أيضًا في الإعلانات الـ56 الظاهرة في المنازل والشوارع في إسرائيل، والتي تنعي الجنود الإسرائيليين الذين سقطوا في النزاع.

وحتى بعد ثلاثة أسابيع من القصف، مع أكثر من 1,000 ضحية وحوالي 400,000 نازحٍ، لا تزال حماس تُطلِق الصواريخ مباشرة إلى الداخل الإسرائيلي. أدركت القيادة الأمنية والسياسية في البلد أنّ الحلّ العسكري سيتطلب إحكام القبضة مجددًا على كامل قطاع غزة؛ لكنّ ذلك يعني أيضًا تحمّل مسؤولية رفاه 1.8 مليون فلسطيني فقير وعاطل عن العمل، ضعيف من الناحية الجسدية والعاطفية.

إذا وقعت غزة تحت سيطرة الإسرائيليين، ستصبح ساحة متمرّدة تجذب العناصر الأصوليين الضاريين، وستنتشر هذه الظاهرة لابتلاع الضفة الغربية أيضًا. إذا جرى ذلك، قد تندلع انتفاضة جديدة في الضفة الغربية تؤدي إلى انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية وعباس والاستراتيجية الدبلوماسية. قد يتوقف التعاون مع مصر، والأردن، والسعودية، وتتأذى علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة، وأوروبا وباقي الدول نتيجة لذلك. بالإضافة إلى ذلك، من الضروري التنبّه إلى أنّ ما سبق ذكره لا يشمل بعد عدد الضحايا من الطرفين التي سينتج من احتلال غزة.

يعي نتنياهو تمامًا هذا السيناريو المروّع، ولديه أسباب منطقية لدفع شركائه السياسيين بعيدًا، أهمهم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان (الذي كان، حتى وقت ليس ببعيد، يُعتبَر إلى حد كبير محبوب واشنطن) الذي يؤيّد إعادة احتلال غزة. في المقابل، إنّ رئيس الوزراء مستعدّ أن يرضى بدلاً من ذلك بهدف أكثر اعتدالاً: نزع سلاح غزة؛ وهو في الواقع هدف مناسب. هذا وبالكاد قد مرّ شهر على إعلان نتنياهو في محاضرة ألقاها في معهد دراسات الأمن القومي في 29 حزيران/يونيو أنّه "في أيّ ترتيب مستقبلي، ستضطرّ إسرائيل إلى السيطرة على الأراضي حتى نهر الأردن لوقت طويل جدًا." إلى أي أراضي يشير نتنياهو في قوله إنّ إسرائيل ستواصل السيطرة عليها لوقت طويل جدًا. لا يزال جيش الدفاع الإسرائيلي حتى الآن يُطلق النار على أي مزارع من غزة يقترب من المنطقة الأمنية التي قامت إسرائيل بترسيمها إلى غرب الحاجز الأمني. وقال نتنياهو أيضًا إنّ نزع سلاح الدولة الفلسطينية شرط لأي حلّ للدولتين. من سيشرف على نزع السلاح من قطاع غزة ويحرص على ألا تعيد حماس حفر شبكات الأنفاق وتجدّد مخزونها من الصواريخ والقاذفات؟ في الوقت عينه، قال رئيس الوزراء، "مرة بعد مرة، رأينا كيف أنّه لا يمكن الاعتماد على القوات المحلية التي درّبها الغرب لوقف الإسلاميين بعد مغادرة هذه القوى الغربية."

تجاهل كيري هذه النقطة الحساسة مسلّمًا أمره لنتنياهو، ولم يتمكّن من إعادة رئيس الوزراء إلى الساحة الدبلوماسية حيث ينتظر كلّ من عباس ومبادرة السلام لجامعة الدول العربية. ولسوء الحظ، بدلاً من التركيز على موقع عباس الضعيف، انشغلت حكومة أوباما مجددًا بأمور مؤقتة. وبقيامها بذلك، سمحت الحكومة لرئيس مكتب حماس السياسي خالد مشعل باستغلال نتنياهو ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في الوقت عينه؛ سمحت له بالتسبّب بانقسام بين إسرائيل والولايات المتحدة، فيما تُقحِم حماس نفسها بين تركيا وقطر من جهة، وخصومهما في مصر والسعودية من جهة أخرى.

ماتي ستينبرغ هو خبير في شؤون الشرق الأوسط، عمل كمستشار لأربعة رؤساء في جهاز الشاباك، وهو مقتنع بأنّ فشل أي انتصار عسكري وبأنّ العوائق التي تمنع إسرائيل من فرض تفوّقها العسكري في ساحة المعركة تشكّل أساس استراتيجية حماس الحالية. سيكون التنسيق الدبلوماسي أكبر عدو للمجموعة بما أنّ ذلك سيسحب الدعم الشعبي الكبير المقدم لها ويحوّله إلى الفريق الشرعي. وإنّ النهج القائم على تنظيم سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار بين جولات القتال لا يمتّ بصلة إلى التوصّل إلى تنسيق دبلوماسي، وذلك يصبّ في مصلحة حماس. وفي غياب أي بديل، يضطر شعب غزة اليائس إلى دعم هذا التنظيم. ويشكّل ذلك أقرب طريق إلى العنف وإلى سيطرة حماس على الضفة الغربية والقدس الشرقية.

لا يجب أن ننسى أنّ حماس انضمّت إلى حكومة المصالحة في وقت كانت فيه يائسة ومعزولة في الأغلب، وأنّ الحكومة الجديدة التزمت بمبادرة السلام الخاصة بالجامعة العربية وبالمبادئ الثلاثة الخاصة بالمجموعة الرباعية: الاعتراف بدولة إسرائيل، والالتزام بالاتفاقيات السابقة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والتخلّي عن العنف. وجرى ذلك بعد أن ضيّق نظام السيسي الحصار على قطاع غزة ووجّه ضربة قاضية إلى الأنفاق التي تربط فلسطين بمصر. وإنّ عجز حكومة اسماعيل هنية عن دفع الرواتب أو تأمين الخدمات الأساسية قلّص الدعم الشعبي للنظام. وإذا استمرّ النزاع، سيسوء السيناريو الاقتصادي والسياسي الذي من المرجّح أن تواجهه حماس إلى حد كبير.

حان الوقت الذي يجب أن يقوم فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما بدعوة نتنياهو ليقول له، "بيبي ]نتنياهو[، أنا أدرك أنك ترغب في نزع سلاح غزة. أرجوك، الجامعة العربية مستعدة لإرسال جيوشٍ لتجريد حماس من سلاحه وإعادة بناء كلّ ما هدمته. لكن لدينا بضع شروط مسبقة. ستكون قواتهم تحت إمرة قوات أمن السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، التي قمنا بتدريبها وتسليحها. أتذكّر بوضوح كيف قمت بمهاجمتي عندما وافقت على التعاون مع حكومة المصالحة الفلسطينية، وكيف قمت بتعليق العملية الدبلوماسية. حسنًا، سيتعيّن عليك الآن أنت أيضًا التعاون مع تلك الحكومة على جميع الأصعدة، ويشمل ذلك العودة إلى المفاوضات للتوصّل إلى حلّ دائم يقوم على أساس مبادرة السلام العربية. وفي النهاية، سيتعيّن عليك ترسيم الحدود الشرقية لإسرائيل، بما في ذلك في القدس، وتقديم جدول زمني لإزالة المستوطنات والانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية. نعم، أنا أدرك أنك تواجه مشكلة مع بنت [وزير الاقتصاد نفتالي بنت] وليبرمان، لكن حسبما أرى الوضع، إذا كان الناس مستعدين لدعمك دعمًا كاملاً في الحرب، أنا على ثقة أنهم سيدعمونك دعمًا كاملاً في عملية السلام."

More from Akiva Eldar

Recommended Articles