تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

دعم إماراتي لمصر متوقع على المدى البعيد

الاستقرار في مصر يصب في مصلحة الإمارات العربية المتحدة التي ستستمر بتقديم الدعم غير المشروط للقاهرة حتى بلوغ هذا الهدف.
United Arab Emirates Minister of Foreign Affairs Sheikh Abdullah bin Zayed Al Nahyan attends an Arab League Foreign Ministers emergency meeting at the League's headquarters in Cairo, December 21, 2013. Deadly violence in the West Bank has increased in recent months and at least 19 Palestinians and four Israelis have been killed since U.S.-backed Israeli-Palestinian peace talks resumed in July after a three-year break.    REUTERS/ Mohamed Abd El Ghany (EGYPT - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTX16QIT

في السنوات التي سبقت تأسيس الدولة الاتحادية للإمارات العربية المتحدة في العام 1971، توافد عدد من العرب الإسلاميين إلى ما سيصبح البلد الجديد، بصفتهم موظفين حكوميين بخاصة في مجالي التعليم والقضاء. تألفوا بشكل أساسي من مصريين رأوا فرصًا اقتصادية أفضل في الإمارات العربية المتحدة منها في مصر، وكانوا أيضًا يهربون من الإجراءات الصارمة بحقّ الإخوان المسلمين في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. كان لذلك أثر كبير على نظام التعليم الإماراتي؛ وعلى الصعيد الاجتماعي، شكّلت تلك الفترة الحافز لتشكيل "الإصلاح" في الإمارات العربية المتحدة المؤسسة حديثًا، وهي مجموعة إسلامية من الإماراتيين ترتبط بشكل وثيق بالإخوان المسلمين في مصر.

لكن هذه الفترة التي كانت أشبه بـ"شهر عسل" شارفت على نهايتها في تسعينات القرن الماضي عندما بدأت السلطات الإماراتية بالانزعاج من أسلوب "الإصلاح" وبرنامجه الاجتماعي. بقيت المجموعة شرعية من الناحية القانونية لكن أعيقت قدرتها على الارتقاء مع ازدياد شك السلطات فيها. استمر المصريون بالهجرة إلى الإمارات العربية المتحدة، وكذلك فعل غيرهم من جنسيات عربية أخرى، لكنّ نشاط الإخوان في الإمارات خارج نطاق مجموعة "الإصلاح" كان خفيفًا واقتصر على الحلقات الدراسية بين المغتربين العرب.

شكّلت هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، والتي أثبِت تورّط شخصين من الجنسية الإماراتية فيها، نقطة تحوّل فاقمت الشعور المعادي للإسلاميين داخل الدولة. سبّب ذلك خضة كبيرة في أبوظبي، وبعد فترة قصيرة، صدر قرار (وفق محادثات خاصة مع مسؤولين إماراتيين في ذلك الوقت) بتهميش إضافي لأي وجود إسلامي في البلد. وبالتالي، في حال تبين أنّ أيًا من المسؤولين الحكوميين العاملين في المؤسسات التعليمية، أو المشاركين في الشؤون الدينية وفي قطاعات أخرى، يشاطرون أيديولوجية الإخوان أو السلفية أو يروّجون لهما، كانت تجري إعادة تعيينهم أو فصلهم.

وقد أخذت الثورات العربية الإمارات، كما الجميع، على حين غرة. لم تتحمّس أبوظبي لثورة 25 يناير في مصر، متخوفة من أنّ الإطاحة بحسني مبارك ستؤدي إلى تمكين الإسلاميين في مصر، الأمر الذي سيكون له انعكاسات كبيرة في ما بعد على قوة الجماعات الإسلامية في أماكن أخرى، نظرًا للتأثير الجوهري الذي تتمتّع به مصر في العالم العربي.

ليس الأمر في أنّ أبوظبي رأت الإخوان كبديل فعلي لحكمها داخل الإمارات، بخاصة أنّ الدعم للـ"إصلاح"، ناهيك عن الإخوان، كان ضئيلاً داخل البلاد. وإنّ معظم السكان الإماراتيين، ومعظم المغتربين داخل الإمارات، دعموا السلطات الإماراتية دعمًا كبيرًا، ففي ظل قيادتها، ازداد رخاؤهم الاقتصادي مرات عدة على مر السنوات منذ تأسيس الدولة.

مع ذلك، أمكن الشعور بالتخوّف الكبير من اختراق الإمارات من قبل منظمة سرية عابرة للحدود، وهذا ما تراه أبوظبي في الإخوان. ولم يأت رد أبوظبي على الثورات العربية عبر تغيير نظامها السياسي، بل عبر تذكير شعبها لا فقط بأنّ نظامها ناجح بالنسبة لهم، بل بأنّ أي بديل آخر سيجلب الفوضى، وقد استطاع الإماراتيون لمس ذلك في المنطقة.

انتشر شعور في أوساط بعض الجهات الإماراتية الرفيعة جرى التعبير عنه مرارًا وتكرارًا في السر، بأنّ منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية ومؤسسات البحث الغربية لم تتمكّن من تقدير التهديد الذي يشكّله الإسلاميون على الإمارات، وبأنه في بعض الحالات، ارتبطت بعض المؤسسات بالفعل بالإسلاميين. ترتبت على ذلك آثار تجارية في أبوظبي: أدّت التطورات إلى فسخ عقد بحث مهم جدًا مع بعض الشركات الغربية. ففي إحدى المرات، أكّدت مصادر رفيعة المستوى في الإمارات أنّ لدى السلطات شكوكًا، مسوّغة أم لا، بأنّ أحد الموظفين البارزين يرتبط بالإخوان، ما أدّى في النهاية إلى الفسخ.

أما داخليًا، فازداد تخوّف السلطات من أنشطة الإخوان التي ينفّذها المغتربون المصريون ومجموعة "الإصلاح"، وإنّ صحة هذه التخوفات أو عدمها لا يزال موضوع اختلاف. صرّح الإخوان المصريون علنًا أنهم غير مهتمين بـ"تصدير الثورة"، لكنّ السلطات الإماراتية أوضحت لمحاوريها الدوليين بأنّها تملك إثباتًا على سعي الإخوان إلى زعزعة استقرار البلد.

على خلفية ذلك، ليس من المستغرب أنّ الإماراتيين دعموا بشدة عزل الجيش المصري للرئيس محمد مرسي بعد انتشار الاحتجاجات في شهر تموز/يوليو من السنة الماضية. وبعد خلعه، أنشأ الإماراتيون "فريق العمل المصري" الذي يترأسه وزير دولة إماراتي، مع مكاتب في أبوظبي والقاهرة. تلقّى المونيتور ورقة توجيهية من وزارة الخارجية تعطي تفاصيل عن قوة العمل المصرية وعن المساعدة التي أرسلتها الإمارات لمصر.

وبحسب الورقة التوجيهية، جرى التوقيع على اتفاقية مساعدة خاصة في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي بقيمة 7.4 مليارات دولار تقريبًا، بما فيها مبلغ مليار دولار مخصّص للبنك المركزي جرى إرساله بعد إقصاء مرسي بوقت قصير. وتم تخصيص 3.2 مليار دولار إضافي لاحتياجات الوقود والهيدروكاربون، و3 مليارات دولار من المفترض أن توجَّه نحو مشاريع إنمائية، مع أنّ هذه الأموال لم تصل فعليًا بالكامل حتى الآن. وجرى تقديم ملياري دولار إضافيين كوديعة بدون فوائد في البنك المركزي المصري للمساعدة على استقرار الجنيه المصري. 

أما من الجانب غير الاقتصادي، فكانت أبوظبي حاسمة في دعمها لموقف القاهرة من الإخوان على الساحة الدولية، سواء أكان بعد الإطاحة بمرسي مباشرة أم في ما بعد. وبعد أشهر قليلة من تسمية القاهرة للإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية في شهر كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، على خلفية الهجمات التي تبنّتها جماعة أنصار بيت المقدس الإرهابية، أعلنت المملكة المتحدة عن إعادة النظر في مسألة الإخوان المسلمين. ظنّ كثيرون أنّ الرياض كانت المحرّض على عملية إعادة النظر هذه، بما أنّ سفير لندن إلى السعودية ترأس العملية، لكنّ أبوظبي كان لها الحصة الأكبر في ذلك. وبحسب مصادر رفيعة المستوى في أبوظبي، وجدت السلطات من المغضب أن يتمكّن الإخوان المسلمون من اللجوء إلى المملكة المتحدة وحتى من استعمال وسائل الإعلام البريطانية لنشر رسائلهم.

وأكثر ما يساعد العلاقة الحالية بين السلطات الجديدة في القاهرة وأبوظبي هو المفهوم الذي لا يعتبر فقط أنّ الإخوان هم قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة بشكل عام ومصر بشكل خاص، بل أيضًا أنّ الرئاسة الجديدة قادرة على إيقاف مصر على رجليها مجددًا من الناحية الاقتصادية. أما النقاش فتمحور حول ضرورة أن يكون كلّ من المساعدة والدعم من الإمارات والسعودية للحكومة المصرية الجديدة مشترطًا ببعض الإصلاحات التي تتراوح بين إصلاحات اقتصادية وقضائية. وتؤثر هذه الأخيرة مباشرة على الاقتصاد، إذ إنّ سمعة القضاء المصري في الإعلام الدولي مؤخرًا قد تسبّبت بعدول بعض المستثمرين الدوليين المحتملين عن الاستثمار بسبب نظرتهم المستقبلية للبلد. وتعرب بعض الحكومات الغربية في السر عن رغبتها في ضم إصلاحات القطاع الأمني بالإضافة إلى التحرك في مسائل حقوق الإنسان.

لكن وعلى الأقل للوقت الحاضر، لا تعتزم أبوظبي المشاركة في تقديم دعم مشروط، إذ لا ترى الإمارات أنّ الشروط الرسمية ستزيد كثيرًا، إن زادت في الأساس، من قدرة القاهرة على تحقيق الاستقرار، على الأقل في المدى القصير أو المتوسط، إلا في حال بعض الإصلاحات الاقتصادية ربما. ومن لحظة تولي عبد الفتاح السيسي سدة الرئاسة وحتى الساعة، لم تقدّم الإمارات أي مساعدة إضافية، وقد يكون السبب هو انتظار أبوظبي لرؤية ما إذا كان الرئيس يعتزم معالجة مسألة نظام الدعم من أجل تقليص العجز. وفي حال جرى ذلك، قد يعني الأمر تدفقًا إضافيًا وشيكًا للمساعدات.

إنّ الروابط بين أبوظبي والقاهرة طويلة وثابتة، وما يشجّع أبوظبي هو أنّ العلاقة واضحة: رغبة في تحقيق الاستقرار واستمرار الوضع الراهن، بدلاً من عدم إمكانية التنبؤ بالمستقبل والانقلاب. وإنّ معارضة الإمارات الإيديولوجية للإخوان ترتبط عن كثب بهذا الموضوع. ليس من المتوقع أن تطرأ تغييرات كبيرة على هذا الوضع، وقد أوضح الإماراتيون أنّهم يرون في دعم مصر هدفًا على المدى البعيد.

More from H.A. Hellyer

Recommended Articles