تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أسواق الساحل تحتضن عمال حلب وتجارها

A fishmonger cleans fish at a wet market in Latakia city May 25, 2014. REUTERS/Khaled al-Hariri (SYRIA - Tags: FOOD BUSINESS EMPLOYMENT) - RTR3QRGH

لم يعد الساحل السوري كما كان عليه قبيل اندلاع الثورة السورية، فمنذ بدأت المواجهات المسلحة في أنحاء البلاد بدأ عمليات نزوح متفرقة من محافظتي حمص وحماة ومناطق أخرى إلى محافظتي طرطوس واللاذقية، وكانت ظروف بعض النازحين سيئة جراء تعرضهم للتضييق من قِبَل الأجهزة الأمنية، ومن قِبَل بعض أنصار النظام السوري في الساحل الذي تنحدر أغلبية سكانه من أصول علوية، لكن الأمر اختلف منذ تمكنت كتائب مسلحة مناوئة للنظام السوري من السيطرة على أحياء في مدينة حلب، حيث نزح عشرات الآلاف من أبنائها إلى الساحل السوري جراء المعارك الطاحنة والقصف العنيف.

أحد الناشطين في مجال الإغاثة من أبناء مدينة طرطوس، رفض الكشف عن اسمه قال للمونيتور: "كنا نعمل في مجال الإغاثة على نطاق ضيق وبدون ترخيص من السلطات، لكن منذ جاءت موجات النزوح الضخمة من حلب دخلت المؤسسات الرسمية على خط الإغاثة، وقامت السلطات بفتح مراكز إيواء والإشراف عليها، وأصبحنا نعمل من خلال جمعيات مرخصة، لقد تعاملت السلطات على نحو مختلف مع النازحين من حلب، وسهلت لهم الإقامة والحصول على المساعدات والدخول في سوق العمل".

أغلب الذين جاؤوا إلى الساحل من حلب هم من صغار التجار والحرفيين المهرة، وبدؤوا بالعمل مع أبناء الساحل ثم بدأ بعضهم يفتح مشاريعه الخاصة، ويشير كلام الناشط الإغاثي إلى أن السلطات السورية لم تعاملهم بنوع من الشك حيال نواياهم، ولم تخضعهم لرقابة أمنية شديدة. وعلى الرغم من أنهم من أبناء "الطائفة السنية"، فإن المجتمع المحلي "العلوي" لم يعاملهم بحذر وخوف، والأرجح أن ذلك يعود إلى أنهم يعتبرون من أنصار النظام السوري، إذ تقول الرواية الشائعة أن الحرب فرضت عليهم فرضاً، وأن مسلحين من ريف حلب اقتحموا المدينة دون موافقة أغلب سكانها.

بدأ يظهر التواجد الحلبي في سوق العمل في طرطوس واللاذقية على نحو واسع مؤخراً، وربما يكون أغلب الحرفيين في منطقتي طرطوس واللاذقية الصناعيتين من أبناء حلب، وكذلك يمكن لجولة عادية في الأسواق أن تُظهر حجم هذا التواجد إذ إن أغلب العمال في المطاعم والمحلات من حلب، أيضاً أظهرت الانتخابات الرئاسية حجم التواجد التجاري لأبناء حلب، حيث علق بعض تجارها لافتات ضخمة داعمةً للأسد في مدن الساحل السوري.

لكن ألا يؤثر هذا التواجد على التوازن الاقتصادي وعلى فرص عمل أبناء الساحل؟ يقول أحد أصحاب الورش الصناعية من أبناء الطائفة العلوية، فضل عدم ذكر اسمه: "العمال والحرفيون الحلبيون مهرة ونشيطون، وهم يبتلعون سوق العمل، لقد استخدمت في ورشتي العديد منهم، لكن ذلك لا يشكل تهديداً بالنسبة للعمال من أبناء الساحل، لأن كثيراً من الشبان التحقوا بجبهات القتال في صفوف الجيش وقوات الدفاع الوطني وتركوا أماكن عملهم شاغرةً".

ماذا عن تجار حلب الذين جاء بعضهم مع رؤوس أموالهم وفتحوا مشاريعهم الخاصة، ترى ألا يشكل ذلك منافسةً خطرةً بالنسبة لأصحاب المشاريع ورؤوس الأموال في الساحل؟ يجيب على سؤالنا: "صحيح أن أرباحنا وأعمالنا تراجعت مؤخراً، إلا أننا لا نعرف بالضبط إذا كان ذلك ناتجٌ عن الحرب وتردي الأوضاع الاقتصادية العامة، أم أنه ناتج عن منافسة أبناء حلب، لكن عدد سكان محافظتي اللاذقية وطرطوس لا يتجاوز ثلاثة ملايين في الأصل، وأضيف إليهم ما يقرب من مليون ونصف المليون نازح على الأقل وأغلبهم من حلب، وهو ما يعني أن هؤلاء سوق إضافي يحتاج إلى رأٍس مال ومشاريع إضافية، ومن ناحية أخرى يبدو تواجد رأس المال واليد العاملة الحلبية في مناطق سيطرة النظام السوري مفيداً له في الحفاظ على قيمة العملة والتماسك الاقتصادي".

ليس هناك إحصائيات دقيقة عن أعداد النازحين في الساحل السوري، وإنما هناك تقديرات من مراقبين وناشطين تفتقد للدقة، لكن التجول في مدن الساحل يظهر تزايد عدد أبناء الداخل السوري حتى كاد عدد "السنة" يقارب عدد "العلويين" في الساحل، إلا أن ذلك لا يبدو أنه يثير قلقاً لدى "العلويين" أو السلطات السورية، فأولئك الذين نزحوا إلى الساحل هم  أنصار للنظام السوري، أو أنهم أولئك الذين لا يريدون خوض الحرب ضده، أو لا يستطيعون خوضها.

عن أثر الطائفية على النازحين وأوضاعهم في الساحل السوري يقول أحد أبناء حلب الذين يعملون في الساحل السوري، وفضل عدم ذكر اسمه: "منذ قدمت إلى اللاذقية مع عائلتي فاراً من جحيم الحرب تمكنت من العثور على عمل في أحد ورش تصليح السيارات، لم أتعرض لمضايقات تذكر ربما لأنني كنت دائماً أعلن تأييدي للنظام السوري، ولاحقاً عرفت أن العلويين هنا يعاملون أبناء حلب أفضل من معاملتهم لأبناء ريف حماة مثلاً، يبدو الاصطفاف الطائفي واضحاً لكنه لا يعدو تلميحات وإشارات ومضايقات بسيطة، كذلك لم أتعرض للاعتقال والتحقيق المهين على الحواجز الأمنية، خلافاً لنازح أعرفه من أبناء ريف حماة تعرض للاعتقال والتعذيب لبضعة أيام ودون توجيه أية تهمة".

على الرغم من الممارسات الطائفية لبعض أجهزة النظام السوري والميليشيات المرتبطة بها، التي وصلت إلى حد ارتكاب مذبحة طائفية مروعة في قرية "البيضا" قرب بانياس العام الماضي، فإن النظام السوري يحافظ على نوع من التوازن في تعامله مع مختلف الطوائف، ويظهر ذلك من خلال احتضانه لأبناء حلب في الساحل السوري وتسهيل انخراطهم في سوق العمل، ويبدو أنه يستفيد من ذلك اقتصادياً من جهة، وسياسياً من جهة أخرى من خلال تقديم نفسه للعالم كنظام سياسي يحتضن جميع الطوائف.