تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مكاتب سفر في غزة تتاجر بأحلام الشباب وتحتال عليهم أو ترميهم للموت.. والحكومة تبرر بـ"الظروف الاستثنائية"

Palestinian fishermen ride a boat in the Mediterranean Sea off the coast of Gaza City April 28, 2014. REUTERS/Mohammed Salem (GAZA - Tags: SOCIETY) - RTR3MYZV

الشاب أحمد حسين-اسم مستعار- 27 عاما، تعرّض إلى محاولتي نصبٍ من قبل مكتبا سفر عاملين في قطاع غزة بعد أن تقدّم لهما بطلباتٍ للهجرة خارج فلسطين، إلا أنه عاد الكرّة مرة ثالثة ولاقى ذات المصير، حتى بلغ ما فقده من مالٍ على مدار عامين ألفي دولار.

أحمد قال لـ"المونيتور" إن محاولاته للهجرة بدأت في عامه الجامعي الأخير قبل نحو ست سنوات، ورغم تعرُّضه للنصب من مكاتب السفر التي تعمل في مجال الهجرة غير الشرعية بعيداً عن عين الحكومة في غزة، أصر على المحاولة مرةً تلو أخرى.

وأضاف :"سوء الأوضاع الاقتصادية في غزة منذ أكثر من ثماني سنوات، دفعتني لمحاولة السفر، وبددت أموالي، حتى اضطررت للاستدانة من أصدقائي، فأنا كنت صغيراً في السن، ومكاتب السفر التي كنت أتوجّه إليها كانت تأخذ مني الأموال بحجة أنها تكاليف مبدئية، وبعد وقتٍ معيّن يقولون لي بأن المحاولة لم تنجح والأموال غير مُسترجعة لأنها تكاليف التواصل مع السفارات".

وبيَّن أحمد أن مكاتب السفر التي تعامل معها كانت أقل إجحافاً واحتيالاً من نظيراتها، إذ أن مجمل ما احتيل عليه من مال بسيطاً مقارنةً مع أشخاصٍ آخرين في المكاتب الأخرى، ناهيك عن أن الاحتيال تجاوز نطاق غزة من مكاتب السفر ليصل إلى رمي بعض الشباب الذين ارتموا في أحضان تلك المكاتب في عرض البحر قبالة دول أوروبا، وفق قوله.

باتت الهجرة حلمٌ يراود معظم شباب قطاع غزة، حتى وإن كانت بشكلٍ غير شرعي أو آمن، الأمر الذي جعلهم يجازفون حتى بحياتهم، إضافةً إلى أموالهم. فأمير هاشم- اسم مستعار-، 30 عاماً، كان أوفر حظاً من أحمد من حيث الوصول إلى جزء من حلمه بالسفر، لكنه أتعس منه لأن مصيره كان بأن ألقى به المهربين قبل ثلاثة أعوام، ومعه العشرات من المهاجرين غير الشرعيين في عرض البحر الأبيض المتوسط.

نجا أمير بأعجوبة من محقّق بعد انقاذه من قبل خفر السواحل اليوناني، وسرد قصته :"كان برفقتي على متن المركب الصغير، العشرات من الشباب الذين قرروا أن يهاجروا من عددٍ من الدول العربية، من بينهم فلسطينيين، حينما قذفنا المهربين وسط البحر لنواجه مصيرنا وحدنا، وبقينا نُصارع الأمواج لعدة ساعات، غير أن العناية الالهية كانت بجانبي وبعض الشباب لننجو بحياتنا وإنقاذ من قبل خفر السواح اليوناني".

ولفت أمير لـ "المونيتور" إلى أن الكذب من قِبل أصحاب مكاتب السياحة والسفر الذين يعملون في مجال تهجير وتهريب الشباب في غزة هو سيد الموقف، إذ أنه وبعد ترحيله إلى غزة راجع المكتب وأكد له مالكه بأنه ليس له أي ذنب، وإنما ذنب المهربين الذين استلموهم في أوروبا.

وأضاف أمير :"اكتشفت فيما بعد بأن أصحاب المكاتب بغزة والمهربين في أوروبا يتقاسمون الأموال، وبالتالي فهم شركاء بكل ما يحصل لنا، يرموننا للموت دون أن يتخذوا أي إجراءات لتأميننا، وما يهمهم أولاً وأخيراً هو الحصول على المال فقط، فهم يتاجرون بالبشر".

وأشار إلى أن تعطّشه للسفر وعدم اهتمامه ببعض التفاصيل التي تبيّن مدى صدق أو كذب تلك المكاتب، أوقعه في هذا المشكلة التي كادت تودي بحياته، إضافةً إلى ضياع أكثر من ستة آلاف دولار، التي وفّرها خلال سنوات عمله في قطاع غزة.

أما قصة الشاب عبدالله سمارة – اسم مستعار- 23 عاماً، فقصته تختلف قليلاً، من حيث حجم الخسائر التي وقعت عليه وعائلته، إذ خرج العام الماضي من غزة عن طريق أحد مكاتب السفر ودفع نحو سبعة آلاف دولار للوصول إلى تركيا، ومنها بطريقةٍ ما يصل إلى رومانيا، غير أنه بقي فيها بمخيمات اللجوء لنحو ثلاثة اشهر، مكلّفاً عائلته الفقيرة في غزة أعباءً إضافية حينما بدأت بإرسال مصروفات شهرية له حوالي مائتي دولار.

وقال سمارة لـ"المونيتور" إن الأمر كان صعباً للغاية عليه لأنه وضع أهله بمأزقٍ مالي انتهى بعد أربعة أشهر وعودته إلى غزة، مبيناً أن صاحب "مكتب التهريب" صوّر له الكثير من الأحلام و"جمّل" العديد من الأمور وأزال العوائق كي يأخذ منه المبالغ الكبيرة التي استدان معظمها.

وأوضح أن هذه المكاتب لا شئ يحكمها، فتعمل على تهريب الشباب دون أن يستطيع أحد اتهامها بشئ، مضيفاً :"لا أحد يستطيع إمساك أي دليل على تلك المكاتب، فهي تنجز لنا نصف الاجراءات بشكلٍ قانوني، فسفرنا من غزة إلى مصر ومنها إلى تركيا شرعي وقانوني، وكافة الإجراءات فيما بعد تكون بالتنسيق مع مهربين من تركيا، ولذلك تكون الشُبهة بعيدة عن تلك المكاتب، رغم وجود صلات وشراكة بين مكاتب غزة ومهربي أوروبا".

تواصل مراسل "المونيتور" مع عددٍ من مكاتب السفر المعروفة بهذا النوع من الخدمات، تهجير الشباب، ليتثبّت بشكل قاطع من الأمر، وبجد أن معظم من تحدّث معهم على أنه مواطن يرغب بالهجرة من قطاع غزة رحّبوا "بمساعدته" في الهجرة بمقابل مبلغ مادي لا يقل عن خمسة آلاف دولار.

وعلى الرغم من أن ثمن إصدار التأشيرات لأوروبا لا تتجاوز الألف دولار، إلا أن صاحب أحد المكاتب الواقعة وسط مدينة غزة، برّر تقاضيه هذا المبلغ المالي المرتفع بالإجراءات الطويلة والمتعبة، مضيفاً :"نتقاضى مبلغ خمسة آلاف دولار مقابل عمل إجراءات خروجك من غزة ووصولك الى اوروبا".

وحول طرق الوصول إلى أوروبا، أشار إلى أن السفر يكون بطريقتين :"الأولى إما السفر من غزة إلى مصر ومنها إلى أي دولة اوروبية، والثانية من غزة الى مصر ومنها الى دولة اوروبية وبعدها الى دولة أخرى يريدها المهاجر".

عددٌ من القصص التي استطاعت "المونيتور" الوصول إليها كانت سبباً مهماً في أن تبحث عن شروط إعطاء تراخيص لمكاتب السياحة والسفر وطرق عملها، إذ قال مدير دائرة السياحة في وزارة السياحة والآثار بغزة، والمسئول عن إعطاء التراخيص لتلك المكاتب، المهندس رزق الحلو، إنه يوجد مجموعة من الشروط التي تُمنح على أساسها مكاتب السفر تراخيصاً للعمل، من أهمها الموافقة الأمنية من قِبل وزارة الداخلية وكفالة بنكية بحوالي أربعة آلاف دينار أردني، إضافةً إلى وجود مكان لعمل المكتب.

وأوضح الحلو لـ"المونيتور" أنه يوجد رقابة على تلك المكاتب، لكنها غير كافية وأدّت إلى بروز بعض المكاتب التي تعمل في مجال الهجرة غير الشرعية، مضيفاً :"لا يوجد رقابة كافية من قِبلنا على تلك المكاتب لأن عدداً منها عمِل في ظروفٍ استثنائية، في الوقت الذي كانت تراعي فيه الحكومة تلك المكاتب من حيث تأجيل دفع الضرائب ومقابل التراخيص بسبب قلة عملها".

وكشف أن العديد من البلاغات وصلت إلى دائرته من قِبل المواطنين تشتكي على مكاتب السفر، واتخذت العديد من الإجراءات في حقها :"على إثر تلك البلاغات أغلقنا بعض المكاتب، وصحّحنا أوضاع البعض الآخر، فيما أنه لازالت قضايا منظورة لدينا لمكاتب أخرى لم يتم البت فيها، فأي مكتب يُثبت أنه تجاوز القانون نتعامل معه قانونيا ونوقفه عن العمل".

ولفت الحلو إلى أن بعض القضايا تأتي إليهم وفيها سوء تفاهم بين المواطنين وأصحاب المكاتب، إلا أن ذلك الأمر لا يمنع أن يكون هناك العديد من المكاتب التي تعمل بشكلٍ غير قانوني لتهجير الشباب، وفق قوله.

More from Mohammed Othman

Recommended Articles