تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هذه سمات عهد الرئيس سليمان..

Romania's President Traian Basescu (R) walks with Lebanon's President Michel Suleiman during an official welcoming ceremony at Cotroceni palace in Bucharest February 28, 2012. President Suleiman is on a three-day official visit to Romania. REUTERS/Bogdan Cristel (ROMANIA  - Tags: POLITICS) - RTR2YKF8

يشارف عهد الرئيس اللبناني ميشال سليمان على نهايته. لم يبقَ سوى أيام قليلة لا بل ساعات قبل انقضاء مدته الدستوريّة. ففي 25 أيار/مايو الجاري يخلي الرئيس قصر بعبدا ويعود إلى منزله، وذلك وفقاً لمواد الدستور وأحكامه. تعديلات الطائف تحتّم على الرئيس تسليم الصلاحيات كافة إلى الحكومة مجتمعة في حال عدم انتخاب رئيس جديد قبل الموعد المذكور. وهذا أصبح شبه حتمي.  

على الرغم من اتهام البعض له، إلا أن الرئيس سليمان لم يسعَ إلى تمديد ولايته مثل غيره من الرؤساء الذين سبقوه. لو كانت تلك نيّته، لما كثّف حراكه السياسي في الفترة الأخيرة بغية إعادة التوازن إلي المشهد السياسي الداخلي، ولما صعّد مواقفه لا سيّما تلك الداعية إلى احترام الدستور والإقلاع عن مقاطعة جلسات انتخاب جديد رئيس للجمهوريّة، ولما وجّه تلك الانتقادات اللاذعة إلى حزب الله آخذاً عليه وضع سلاحه خارج إطار الشرعيّة وتورّطه في الحرب السوريّة.

بدا الرئيس في الفترة الأخيرة من عهده كما لو أنه في سباق مع الزمن، يحاول التعويض عن فترة البدايات التي يمكن تسميتها سليمان-1. صحيح أنه في تلك الفترة لم يتّخذ قرارات مثيرة للجدل، لكن صحيح أيضاً أنه كان في خلالها قليل الكلام ويتلافى المواجهة، إلى درجة أن البعض أخذ عليه ضعفه لا بل تراخيه أمام حزب الله. أما سليمان في السنتَين الأخيرتين فمختلف. سليمان-2 تميّز بجرأة عالية وحراك مميّز حتى ولو أثارت بعض مواقفه الأخيرة سجالاً واسعاً وصل إلى حدّ التجريح. ربما الظروف ساعدت أو فرضت عليه التغيير. فقد أظهر انهيار فريق 14 آذار في العام 2011 وتطوّرات الأزمة السوريّة، فائض قوة حزب الله الذي تخطّى الدولة اللبنانيّة حجماً ودوراً. وهو ما اضطر الرئيس إلى السعي من أجل إعادة التوازن على الساحة الداخليّة.  

وفي جردة حساب سريعة، لا بدّ من التوقّف عند أبرز سمات هذا العهد. أولاً نجاح الرئيس على الصعيد الدبلوماسي. لا شكّ في أن سليمان نجح في استعادة الدور الدبلوماسي الأول لموقع الرئاسة الأولى. فهذا الدور كان قد تلاشى في فترة ما بعد الطائف لصالح النظام السوري المولج الفعلي بالملف الخارجي. كذلك تراجع الدور لصالح رئاسة الحكومة التي شغلها لفترة طويلة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، تلك الشخصيّة الوازنة لا بل المؤثرة الفاعلة على المستوى الدولي. نجح سليمان في استعادة دور الرئيس كصانع للسياسة الخارجيّة. ربما ساعده في ذلك تراجع النفوذ السوري والشلل الذي أصاب مجلسَي النواب والوزراء لفترات طويلة كانت في خلالها الرئاسة الملاذ الآخير والمؤسسة الوحيدة المنتظمة في الجمهوريّة.

أما السمة الثانية لعهد سليمان فهي سعيه الدؤوب والمتواصل إلى تحييد لبنان عن صراعات المحاور وعن الحرب الدائرة في سوريا. هكذا كان القوة الدافعة وراء "إعلان بعبدا" في حزيران 2012 على طاولة الحوار، والداعي إلى عدم التورّط في الداخل السوري. أقِرّت الوثيقة بموافقة جميع الأطراف قبل أن يعود حزب الله ويرفضها، بعدما نجح في استعادة المبادرة على أرض المعركة في الداخل السوري وتغيير موازين القوة لصالحه. لكن ما كتب قد كتب. والأهم أن إعلان بعبدا كرّس مبدأ تحييد لبنان عن المحاور والصراعات، وهو مبدأ لطالما كان من المحرّمات وحكراً على فريق من المسيحيّين. أما اليوم، فقد أصبح مبدأ تحييد لبنان مطلباً جامعاً يطالب به المسيحيّون والمسلمون على حدّ سواء، لا بل يمكن الحديث عن إدراك لديهم بأنه شرط مؤسس لبقاء الكيان وديمومة العقد بين اللبنانيّين.

وثالثاً، اللامركزيّة الإداريّة. صحيح أن قانون اللامركزيّة لم يقرّ بعد، لكن بدفع من الرئيس تمّ تشكيل لجنة أنجزت أعمالها منذ فترة وجيزة. وقانون اللامركزيّة في انتظار أن يسلك طريقه إلى مجلس النواب من أجل مناقشته وإقراره. هنا أيضاً بأسلوبه المؤسساتي والهادىء، نجح سليمان في التقدّم بملف عالق منذ اتفاق الطائف، لطالما كان أيضاً من المحرّمات ولطالما خضع للابتزاز السياسي والمساومات. وليس سراً على أحد أن إقرار اللامركزيّة في بلد متعدّد مثل لبنان، يبدّد التشنّج المذهبي ويساهم في تحويل الصراع من صراع بين الطوائف إلى تنافس تنموي ما بين المناطق.

سياسة خارجيّة فاعلة، وتحييد لبنان عن الصراعات الإقليميّة، واللامركزيّة كإطار منظّم على الصعيد الداخلي.. هذه بالإضافة إلى أخرى، أهم إنجازات الرئيس المنتهية ولايته، معالم سوف تلتصق باسمه. وقد يكون مساره في الحكم أبرز سمات عهده لما يحمله من عِبر ودلائل. فسليمان أتي بتوافق دولي وبرعاية قطريّة، يوم كانت قطر أقرب إلى سوريا وإيران وحزب الله. حاول الرجل التوفيق ولعب دور الحكم. لكن سرعان ما أدرك أن دور الحكم بحاجة إلى حد أدنى من التوازن الداخلي وإقرار الجميع في الداخل بقانون اللعبة، أي بمقتضيات الدستور والمؤسسات. لذلك راح يذكّر بمقوّمات الدولة السيّدة، أولها حصريّة السلاح بيد الشرعيّة وثـانيها احترام المؤسسات وعدم تعطيلها.

بدأ عهده ساعياً إلى التوافق، وأنهاه مدافعاً عن السيادة. وفي هذا المسار عبرة لمن يخلفه ولمن يسعى إلى استقرار البلد الصغير.. علّه يبدأ من حيث انتهى سليمان.

More from Sami Nader

Recommended Articles