تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عندما تقف حكومة غزّة عاجزة أمام إغلاق معبر رفح...

A Palestinian boy waits with his family, hoping to cross into Egypt, at Rafah crossing between Egypt and the southern Gaza Strip February 4, 2014. Egyptian authorities partially opened the Rafah crossing, Gaza's main window to the world, on Tuesday for three days, Palestinian border officials said. Since July 2013, the authorities have kept the crossing largely closed; only opening it partially for humanitarian purposes. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa (GAZA - Tags: POLITICS SOCIETY IMMIGRATION TPX IMAGES OF T

غزّة- لفظ الرضيع أحمد أبو نحل البالغ من العمر أربعة أشهر أنفاسه الأخيرة في خلال الدقائق القليلة التي تركته والدته فيها لتعدّ له زجاجة الحليب. عندما عادت إليه، كان هامداً.. لم تلاحظ كما العادة حركة صدره الواضحة ولم تسمع صوت أنفاسه العالي، نتيجة ما يعانيه من تضخّم في القلب.

وتقول إسلام أبو نحل (24 عاماً) لـ"المونيتور"، "بمجرّد أن رأيته هكذا ولم أسمع تنفّسه، عرفت أنه مات. بكيناه بحرقة في البيت. لقد مات ونحن نراقبه، وننتظر فتح معبر رفح كي نتمكّن من نقله إلى تركيا لتلقّي العلاج".

عيد أم.. حزين

وتروي الوالدة في منزل العائلة في غزّة، أن ابنها أحمد لم يقضِ معهم من الوقت ما قضاه في المستشفيات. وجسده أصبح مليئاً بالبقع الزرقاء من كثرة الحقن.

وتجدر الإشارة إلى مرور أكثر من 46 يوماً على إغلاق المعبر رفح البرّي مع مصر، في حين ينتظر المئات من المرضى الخروج من القطاع لتلقي العلاج في مستشفيات مصر وتركيا والمملكة العربيّة السعوديّة ودول أخرى بعد تحويلهم من قبل وزارة الصحة الفلسطينيّة.

وقد ابلغت السلطات المصرية وزارة الداخلية في حكومة غزة بفتح معبر رفح البري لثلاثة أيام ابتداءاً من السبت القادم. ويأتي هذا القرار بعد تشديد رؤساء عرب خلال القمة العربية، بما في ذلم الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور، على ضرورة فك حصار غزة.

من جهته يقول والد الرضيع عدنان أبو نحل (31 عاماً) "هو شعور بالعجز أن يموت طفلي بين يدَيّ ونحن ننتظر فتح المعبر. كان عندنا أمل أن ينجو، لكني لم أستطع فعل شيء له. وأجد نفسي كل يوم أمام سؤال: هل قصّرت في حقه؟".

وكان عدنان قد اصطحب ابنه إلى مستشفيات إسرائيليّة، لكن المعنيّين أشاروا إلى عدم وجود أي علاج لحالته التي سرعان ما تدهورت وأدّت إلى تضخّم كبده.

إلى ذلك، تلفت الوالدة الثكلى إلى أن عيد الأم الذي صادف في الواحد والعشرين من شهر آذار/مارس الجاري، مرّ حزيناً عليها.فابنها أحمد توفي قبل أيام، في 13 من الشهر ذاته. ولم يخفّف من ألمها سوى وجود ابنتيها تالا ولانا حولها.

تغيّب قسريّ عن العمل

والمرضى ليسوا الفئة الوحيدة التي يهدّد إغلاق المعبر حياتها، بل ثمّة من أصبح عمله مهدداً أيضاً بفعل ذلك الإغلاق. فيقول المذيع في قناة "الغد العربي" في لندن جياب أبو صفيّة لـ"المونيتور"، "أجّلتُ تذكرتي خمس مرّات، وفي النهاية تمّ إلغاؤها إذ لم أستطع اللحاق برحلتي". ويشير إلى أنه جاء إلى القطاع لحضور زفاف شقيقه، فوجد نفسه عالقاً في سجن لا يخرج منه سوى المعتمرين إلى مكّة في السعوديّة.

يضيف أن زملاءه في العمل غطّوا غيابه. لكن بسبب انتهاء فترة إجازته وعدم حصولهم على إجازاتهم، بدأوا يلحّون عليه للعودة. ويلفت إلى أن "لا أحد يشعر بمدى وطأة حصار القطاع سوى من يعيش في داخله".

إلى ذلك، نظّم "المونيتور" ورشة عمل في واشنطن في 18 آذار/مارس الجاري، لكنني لم أتمكّن من الالتحاق بها.

ويشير هنا مدير الإدارة العامة للمعابر ماهر أبو صبحة إلى أن "المعاناة تفاقمت، وثمّة حالات خطيرة جداً تحتاج الخروج من العناية المركّزة والتوجّه مباشرة إلى مصر".

يضيف في اتصال هاتفي مع "المونيتور" أن "المعبر يتمّ فتحه أمام المعتمرين المتوجّهين إلى السعوديّة فقط كنوع من الدعاية التي تقول إن المعبر مفتوح. لكنه في الحقيقة مغلق أمام المواطنين من مرضى وطلبة وأصحاب الإقامات والجوازات الأجنبيّة".

ويتابع أنهم أغلقوا باب التسجيل للسفر بعد أن وصل عدد الراغبين في السفر إلى ستة آلاف. ويلفت إلى أنهم لو قاموا بفتح باب التسجيل مرّة أخرى، فإن عشرات الآلاف ممن ينتظرون فتح المعبر سيسجّلون أسماءهم.

قطيعة سياسيّة

وكانت أزمة المعبر قد بلغت أوجها بعد أن قضت محكمة مصريّة للأمور المستعجلة في القاهرة في الرابع من آذار/مارس الجاري، بحظر جميع أنشطة حركة "حماس" واعتبارها "منظمة إرهابيّة" في مصر.

ويقول مصدر في حكومة غزّة لـ"المونيتور" إن "تراجعاً كبيراً حصل في الاتصالات بعد صدور هذا القرار، سواء على مستوى الاتصال اليومي والميداني أو على المستوى السياسي.

يضيف أن "الحكومة وحركة حماس تشعران بالاستياء الشديد بسبب إغلاق المعبر الذي طال والاتهامات الموجّهة إلى الحركة بارتكاب جرائم". ويلفت إلى أن ترديد السلطات المصريّة المستمرّ لهذه الاتهامات لم يجعل لديها كحكومة أي رغبة بالتواصل معها، واصفاً ما يحدث بـ"شبه القطيعة السياسيّة".

ثلاثة خيارات

وتُعتبَر هذه الفترة الأطول في تاريخ إغلاق معبر رفح منذ سنوات، ما يجعل حكومة غزّة أمام أزمة حقيقيّة. فيقول الكاتب السياسي أكرم عطالله هنا إن "هذه الأزمة تجعل حركة حماس أمام ثلاثة خيارات: إما التراجع عن موقف دعمها لحركة لإخوان المسلمين وهو خيار أيديولوجي صعب، أو الاستجابة لشروط الرئيس محمود عباس للمصالحة وهو الخيار الأسهل، أما الخيار الثالث فهو تخلي حماس عن الحكومة".

يضيف عطالله لـ"المونيتور" أن قرار المحكمة المصريّة باعتبار حماس إرهابيّة، أعطى كل الشرعيّة لتشديد لإجراءات المصريّة على القطاع منذ تموز/يوليو الماضي. ويتابع "قبل قرار المحكمة، كانت ثمّة قناة صغيرة للتواصل بين أحد مسؤولي حكومة غزّة والاستخبارات المصريّة. لكن تمّ إغلاق هذه القناة الآن تماماً".

بعض وساطات

لا يرى وكيل وزارة الخارجيّة في حكومة غزّة الدكتور غازي حمد أن هذه الخيارات في محلها. ويوضح لـ"المونيتور" قائلاً "نحن لسنا أمام خيارات. فهذا معبر دولي وفي الأصل يجب أن يُفتح. حتى الدول التي تقوم بينها حروب، تفتح المعابر أمام الحالات الإنسانيّة. أما نحن فلا يوجد بيننا وبين مصر أي عداوة، إذاً لماذا يغلق المعبر لفترة طويلة؟". ويلفت إلى أنه "حتى الاحتلال الإسرائيلي يفتح معبرَي كرم أبو سالم وبيت حانون".

وحول قرار المحكمة المصريّة، يؤكّد أنه لم يتم إبلاغهم بأي قرار رسمي يحظر التعامل معهم كحكومة، والدليل أنه ما زال يُسمَح للمعتمرين أن يخرجوا من القطاع ويعودوا إليه عبر معبر رفح. ويلفت إلى أن السؤال حول سبب إغلاق المعبر يجب أن يوجّه إلى مصر بالدرجة الأولى.

ويوضح حمد أن "550 مريضاً بحاجة إلى الخروج وبشكل عاجل من القطاع. وقد سجّلت حالات وفيات في أثناء الانتظار. نحن لا نستطيع أن نجعل الناس معلّقة حتى حدوث تغييرات سياسيّة".

ويتحدّث عن وساطات تقوم بها شخصيات فلسطينيّة مع المصريّين، لكن من دون نتيجة حتى الآن. يضيف أنهم وجّهوا رسائل إلى جامعة الدول العربيّة والأمم المتحدة ومكاتب السفارات والقنصليات، إلا أن أي تطوّر لم يسجّل أيضاً.

مسؤولون في حكومة غزّة لا يرون حتى الآن حلاً لإغلاق معبر رفح، فماذا عن العائلات التي تراقب أطفالها وهم يموتون. فيقول والد الرضيع أحمد أبو نحل "ابني مات ولم يحدث شيء.. وكأن موته أمر عابر وليس كما كان وقعه علينا.. هو غيّرنا إلى الأبد...".

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles