تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ضحايا الحرب المنسيّون في ليبيا

إنّ المواطنين الليبيّين الذين قُتلوا أو أصيبوا في أثناء حملة القصف التي شنّها حلف شمال الأطلسي، استُثنوا من الدعم الحكوميّ المخصّص لـ"شهداء" الثورة التي أطاحت بمعمّر القذّافي.
A medic treats a wounded rebel at a hospital in Ajdabiyah April 7, 2011. NATO said on Thursday it was looking into the details of an air strike on a column of tanks near the oil town of Brega, in which Libyan rebel fighters and a hospital nurse said five people had been killed. A Reuters reporter saw bloodstained stretchers being brought out of the hospital in Ajdabiyah, where those wounded in the air and rocket attacks were being treated.  REUTERS/Esam al-Fetori (LIBYA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST IMAGES

بعد أيّام قليلة، ستحتفي ليبيا بالذكرى الثالثة لاندلاع الثورة التي دعمتها القوّة الجويّة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والتي أدّت إلى الإطاحة بنظام الزعيم معمّر القذّافي الذي حكم البلاد لفترة طويلة.

لكنّ الكثيرين في ليبيا اليوم لن يحتفلوا بذلك وسيشعرون دائماً بألم الخسارة عند حلول هذه الذكرى.

في 17 آذار/مارس 2011، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة القرار 1973 الذي فرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا لحماية "المدنيّين" المنتفضين ضدّ نظام القذّافي. وسمح القرار لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتّحدة باستخدام كلّ الوسائل الممكنة لتطبيقه، ما شكّل إعلاناً فعليّاً للحرب على ليبيا.

وبعد يومَين، حلّقت الطائرات الحربيّة التابعة لحلف شمال الأطلسي في سماء ليبيا لتنفيذ حظر الطيران الذي قضى أوّلاً بتعطيل دفاعات ليبيا الجويّة من خلال سلسلة من الغارات الجويّة في كلّ أنحاء البلاد. فشنّ حلف "الناتو" حوالى 10 آلاف غارة، ملقياً أكثر من سبعة آلاف قنبلة موجّهة بالليزر ومستهدفاً ما أسماه أهدافاً عسكريّة "مشروعة". لكنّ الكثير من غاراته وأسلحته المتطوّرة حاد عن مساره فأدّى إلى مقتل عشرات المدنيّين في خمس مدن ليبيّة على الأقلّ، خصوصاً في غرب ليبيا.

وفي الثامن من آب/أغسطس 2011، في قرية ماجر الواقعة على بُعد 160 كيلومتراً شرقي العاصمة طرابلس، توفّي 34 شخصاً من بينهم رضّع ونساء وأطفال، عندما شنّ حلف "الناتو" غارتَين جوّيتَين على المجمّع السكنيّ الذي يملكه علي حامد غافز والذي تقطن فيه عائلته وأقرباؤه وعائلات نازحة أخرى.

وفي سِرت التي تبعد 450 كيلومتراً شرقي طرابلس، أدّت غارة جويّة أخرى شنّها حلف "الناتو" إلى مقتل طفل يبلغ من العمر 15 شهراً وثلاث نساء وثلاثة أطفال آخرين. كان أفراد العائلة في منزلهم عندما وقع القصف.

وفي مسقط رأسي في بلدة بني وليد، لقي خمسة أفراد من عائلة جفارة حتفهم وهم نائمون، من بينهم الأمّ وطفلان، عندما قصفت طائرتان حربيّتان لحلف "الناتو" منزلَين مجاورَين لمنزلهم فجر 30 آب/أغسطس 2011.

وفي صرمان على بُعد 70 كيلومتراً غربي طرابلس، قُتل 13 مدنيّاً في أثناء الاحتفال بعيد ميلاد أحد الأطفال في منزل الفريق الخويلدي الحميدي، ولقي مزيد من المدنيّين حتفهم في طرابلس وفي القرضابيّة وزليتن والبريقة شرقي طرابلس.

وبحسب منظّمة "هيومن رايتس ووتش" و"منظّمة العفو الدوليّة" ومنظّمات أخرى تُعنى بحقوق الإنسان، تسّببت غارات حلف "الناتو" بمقتل أكثر من 70 مدنيّاً في كلّ أنحاء ليبيا، مع أنّ السكّان المحلّيين والشهود يقولون إنّ العدد أكبر.

وقد أكّد صحافيّون وخبراء في الأمم المتّحدة ومجموعات مدافعة عن حقوق الانسان بعد التحقيق بالوفيّات، وفاة المدنيّين في كلّ مواقع القصف وأيضاً عدم وجود أيّ أهداف عسكريّة محتملة بالقرب من المباني المدنيّة المدمّرة. وفي تقرير نشرته "منظّمة العفو الدوليّة" في آذار/مارس 2012 تحت عنوان: "ليبيا: الضحايا المنسيّون لضربات حلف الناتو"، وصفت المنظّمة بالتفاصيل حالة الضحايا المدنيّين والمباني السكنيّة المدمّرة.

وفي أيار/مايو 2012، نشرت منظّمت "هيومن رايتس ووتش" تقريراً مسهباً آخر فصّلت فيه "الأضرار التبعيّة" أي الإصابات المدنيّة كما هي معروفة في اللغة العسكريّة، مطالبة حلف "الناتو" بتفسير سبب مقتل هؤلاء الأشخاص وتوضيح ما كانت الأهداف المقصودة. وبحسب التقرير، واجهت المنظّمة قادة العمليّات في حلف "الناتو" في مدينة نابلوي الإيطاليّة، طالبة منهم تفسيرات وأدلّة تبرهن أنّ المواقع المقصوفة كانت فعلاً أهدافاً عسكريّة "مشروعة". وبالطبع، لم يقدّم حلف "الناتو" أيّ أدلّة تثبت مزاعمه. ولم يعترف الحلف أيضاً بمسؤوليّته بموجب القانون الدوليّ الانسانيّ الذي لا ينصّ على ضرورة الاعتراف بالمدنيّين الذين يُقتلون في الحروب فحسب، بل أيضاً على تعويضهم مادّياً.

ولم تفاجأ عائلات الضحايا الباحثة عن العدالة بنفي حلف "الناتو" فحسب، بل إنّ حكومتها لم تعترف بعد بمقتل أحبّائها وبتدمير منازلها. وبالتالي، بات بحثها عن العدالة أكثر صعوبة وتعقيداً. فتلك العائلات كلّها تريد أن تعرف لما تمّ استهداف منازلها وقتل أحبّائها. لكنّ الحكومات الليبيّة المتعاقبة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2011 لم تعترف يوماً على العلن بوفاة المدنيّين نتيجة هجمات حلف "الناتو" الجويّة. وعلى الرغم من مطالب مجموعات عدّة لحقوق الإنسان، إلا أن تلك الحكومات لم تناقش على الإطلاق هذه المسألة مع دول أخرى شاركت في الحرب في ليبيا لمعرفة الأسباب التي أدّت إلى وفاة مدنيّين غير مقاتلين.

وما يزيد الطين بلّة هو أنّ هذا الموضوع يُعتبَر من المحرّمات في ليبيا الجديدة منذ تدخّل حلف "الناتو" لدعم الثوّار. فمَن يتكلّم عن هذا الموضوع في ليبيا اليوم، على أيّ مستوى كان، قد يقع في ورطة. وما إن يتطرّق إليه حتّى يتمّ وصفه بأنّه مؤيّد للقذّافي، أي مناهض لـ "ثورة فبراير". ويُعتبر هذا الوصف اتّهاماً خطراً جداً قد يدفع المرء ثمنه غالياً.

على المستوى غير الحكوميّ، تصطدم عائلات الضحايا أيضاً بعوائق كثيرة في بحثها عن الحقيقة. فمع أنّ ليبيا تضمّ اليوم مئات المنظّمات غير الحكوميّة التي تحظى بدعم كبير من الحكومة، إلاّ أنّه لم يُسمح لأيّ من تلك المنظّمات التي تعالج مأساة ضحايا حلف "الناتو" بالعمل بحريّة. وبالتالي، فإنّ الجهات الوحيدة التي تسعى إلى إحقاق الحقّ من أجل ضحايا حلف "الناتو" هي العائلات، والتنسيق في ما بينها يجري في سريّة تامّة ويتولّاه أفراد يعيشون في خارج ليبيا خوفاً من ثأر الميليشيات المختلفة المعروفة بـ "الثوّار" والتي ليست ممتّنة سوى لحلف "الناتو".

وقد نسي الرأي العام هذه المسألة تماماً بسبب وسائل الإعلام الحرّة الجديدة في ليبيا التي نادراً ما تتطرّق إلى هذا الموضوع، متجاهلة بالكامل دور حلف "الناتو" والخسائر المدنيّة التي تسبّب بها. بالإضافة إلى ذلك، لم يناقش المؤتمر الوطنيّ العام وهو السلطة التشريعيّة الانتقاليّة في ليبيا، هذه المسألة على الإطلاق.

والأسوأ من ذلك كلّه هو أنّ في ليبيا الجديدة وزارة يُطلَق عليها اسم "وزارة الشهداء والمفقودين" تُعنى بالذين حاربوا نظام القذّافي وتقدّم إليهم الرعاية الطبيّة، بالإضافة إلى خدمات كثيرة أخرى بما في ذلك التعويض الماديّ. لكنّ ضحايا حلف "الناتو" لا يستفيدون من أيّ من تلك الخدمات، بما في ذلك المساعدة النفسيّة البسيطة أو التعويض الماديّ أو السكن المدعوم للذين فقدوا منازلهم في الغارات. ويقول أحد الموظّفين في الوزراة إنّ "ضحايا الناتو غير موجودين بالنسبة إلينا".

إنّ وجود وزارة في ليبيا الجديدة تُعنى بخدمة فئة واحدة من الليبيّين مهما كانت كبيرة، وتستثني فئات أخرى هو أمر مخزٍ يؤدّي إلى الانقسام الاجتماعيّ.

إنّه تمييز واضح وصريح تمارسه "الثورة" نفسها التي علّق عليها الليبيّون الكثير من الآمال والتطلّعات البسيطة.

وبما أنّ السلطة الدينيّة الجديدة في البلاد التي يمثّلها المفتي، لا تعترف بضحايا حلف "الناتو" على أنّهم "شهداء"، فإنّ الرأي العامّ لا يتعاطف معهم.

لقد عارض ملايين الليبيّين من مؤيّدي الحرب الأهليّة في العام 2011 ومعارضيها، حملة حلف "الناتو" الجويّة على بلادهم. لكنّ هذا لا يعني أنّهم بالضرورة مؤيّدون للنظام السابق. وحتّى في صفوف الثوّار السابقين الذين حظوا بدعم حلف "الناتو"، عارض البعض هذا التدخّل خوفاً من العواقب.

إذا أرادت ليبيا أن تصبح من جديد بلداً حراً سيّداً، عليها أنّ تواجه مآسيها، بما في ذلك القتلى الذين سقطوا في هجمات حلف "الناتو". فلماذا تمنع حكومتها المواطنين من السعي إلى العدالة، وهي حق لهم بموجب القانون الدوليّ؟

Start your PRO membership today.

Join the middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial