تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لبنان بين هولاند واوباما

U.S. President Barack Obama (R) and French President Francois Hollande tour the Virginia residence of Thomas Jeffson at Monticello in Charlottesville, February 10, 2014. Jefferson was one of the United States' earliest envoys to France. 
 REUTERS/Larry Downing   (UNITED STATES - Tags: POLITICS) - RTX18K8D

لا شك أن لبنان كان على رأس قائمة محادثات القمة الثنائية التي جمعت هذا الأسبوع الرئيسين أوباما وهولاند . وكيف لا والملف اللبناني أصبح جزأ من الملف السوري الذي يخطف الأنظار كلها ويستحوذ معظم الجهود البلوماسية التي لم تفلح حتى الساعةلا إلى وقف النر ولا إلى إيصال الغذاء إلى المحاصرين. لم يعد سراً على أحد مدى إرتباط الساحة اللبنانية بما يجري في الداخل السوري. إنخراط حزب الله في المعركة الدائرة هناك أسقط الحكومة في لبنان وشل المؤسسات ويضع اليوم الجمهورية برئاستها أمام خطر الفراغ الدستوري. والأخطر من ذلك إن هذا التدخل أضفى على هذه الحرب بعداً مذهبياً فحول الساحة السورية إلى قطبٍ   جاذبٍ للأصولية الدينية وساحةٍ للعنف والإرهاب. نار الفتنة أطاحت بالإستقرار اللبناني الهش. توالت التفجيرات في الأحياء السكنية الآمنة وطالت يد الغدر الدبلوماسيين والقيادات السياسية حتى طغت على البلد الصغير لغة القتل والقتل المضاد. اللغة نفسها تعلو في العراق. وقد تُعمم على كافة منطقة الشرق الأوسط .

يدرك كل من الرئيسين هذه الحقيقة. يلتقيان على نفس الأهداف القائلة بالحفاظ على الإستقرار في الشرق الأوسط أولى خزانات النفط في العالم. كلاهما يقول بضرورة وصد الإرهاب والحؤول دون تنامي الأصولية الدينية. صحيح أن السياسية الأميركية في الشرق الأوسط لا تتماهى مع السياسة الفرنسية بشكل تام. وصحيح أن السياستين تمايزتا في الفترة الأخيرة. ولكن صحيح أيضاً أن هناك شراكة فرنسية أميركية تجلت في أكثر من مجال كان أبرزها دعمهما  المشترك للمعارضة السورية المعتدلة ومحاولتهما الدؤوبة لتحييد لبنان عن الصراع الدائر في سوريا كما عبر عنه الرئيسين أوباما وهولاند في مقال حمل توقعيهما عشية لقائهما.

لم تغب أي من دبلوماسية البلدين عن شؤون بلد الأرز. لا بل كانتا في صلبها وما المحاولة الأخيرة لإنتشال لبنان من الشلل الدستوري وتسهيل تشكيل الحكومة المتعثر منذ ما يقارب العام سوى أبلغ دليل على ذلك. لعبت  كل من باريس وواشنطن دوراً محورياً في هذا الصدد.فجأة قام لافروف القريب من دمشق ومن طهران بزيارة سعد الحريري في مقره في العاصمة الفرنسية. في وقت مواز أوفد السفير الأميركي دافيد هيل إلى الرياض لتسويق التسوية الحكومية. كانت الأمال مبنية على ليونة أظهرها الطرف الإيراني قبيل محادثات جنيف.

لكل من الطرفين الفرنسي والأميركي وزنه على الساحة الدولية. ولكل أسلوبه أيضاً. طبعاً تختلف الأوزان. ما من قوة تضاهي القوة والنفوذ الأميركين. ولكن الطرف الفرنسي  يبدو في الفترة الأخيرة وكأنه أكثر حضوراً على الساحة الشرق أوسطية. وكأني به يحاول التعويض عن التفاوت بالأوزان بدبلوماسية أكثر زخماً وإنخراطاً في شؤن المنطقة وشؤون المشرق تحديدأ ولأسباب تاريخية. لا شك أنه يحاول الإفادة من تراجح الحضور الأميركي  في المنطقة بعد المراجعة أو إعادة التصويب التي قامت بها إدارة أوباما لسياستها الخارجية. حاول الفرنسيون الإفادة من القوة العسكرية الأميركية. وقفوا ألى جانب واشنطن في عملية التحضير لضربة عسكرية على سوريا في لحظة تاريخية بالغة الدقة. وفروا لها الغطاء الأوروبي والدولي خاصة بعد ما خزلت المملكة البريطانية  بلاد العم سام. ولكن في النهاية عاد الرئيس الأميركي عن قراره بعد ما أعد العدة له تاركاً الرئيس هولاند في مواجهة سيل من الإنتقادات اللازعة الصادرة من الداخل الفرنسي ومن خارجه.  لم تنسى واشنطن ما تكبده الرئيس الفرنسي نتيجة إنعطافة أوباما المفاجئة. ولاشك أنه للتعويض عن ذلك أحاطت زيارة الرئيس الفرنسي الأخيرة  بهذا القدر من الحفاوة. أما على المستوى الحضور في الشرق الأوسط لم تقف فرنسا جامدة وحيدة إنما إستحدثت فرنسا البديل عن قدرات وفعالية الحليف الأميركي. عززت شبكات علاقتها في المنطقة لا سيما تحالفها مع المملكة العربية السعودية. برز المحور الفرنسي السعودي فيما خص ملفين على وجه التحديد:  الملف اللبناني من خلال دعم الشرعية اللبنانية المتمثلة بالجيش ورئيس الجمهورية، والملف السوري من خلال دعم المعارضة المعتدلة سياسياً وميدانياً. وكانت أبرز إنجازاتها  البرنامج السعودي الفرنسي الذي تم الإعلان عنه أخيراً من أجل تسليح الجيش اللبناني والتي بلغة قيمته 3 مليار دولار.

ليست المرة الأولى التي تلتقي فيها المصالح الأميركية والفرنسية على لبنان. لا بل إن البلد الصغير، شكل أكثر من أي بلد آخر، نموذجاً للشراكة بين واشنطن وباريس. عرفت هذه الأخيرة فترتها الذهبية أيام الثنائي بوش – شيراك . بلغ التعاون بين الرجلين ذروته في أعقاب إغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وما أحدثه على الساحة اللبنانية. الإلتزام الكامل لكل من الرئيسين بالملف الببناني والتعاون فيما بينهما أطلق "ورة الأرز" وأجبر القوات السورية على الإنسحاب من لبنان في تيسان 2005.  صحيح أن كل من الرئيسين كانت له أسبابه الكامنة وراء هذه الشراكة. الرئيس بوش رأى في ثورة الأرز الإنجاز الأول لأجندته من أجل الدمقراطية. أما الرئيس شيراك أغضبه إلى أقصى حد إغتيال صديقه رفيق الحريري . فبذل جهوداً إستثنائية من أجل ردع الجهات المتهمة بهذا الإغتيال، جهوداً توجت بإقرار المحكمة الدولية الخاصة من أجل لبنان التي لولا سعي الرئيس شيراك الحثيث لما رأت النور.

أما اليوم ، الأمور فمختلفة. الملف اللبناني لم يعد مدرج ضمن أوليات الإدارة الأميركية. ولكن الشراكة الأميركية الفرنسية باقية. أوباما يرتاح إلى مشاركة الأعباء مع الشركاء خاصة وأن قابليته للإنخراط في الخارج متدنية وخاصة أيضاً أنه أخذ على عاتقه الأنسحاب من بعض النقاط الساخنة في الشرق الأوسط مثل العراق وأفغانستان. لذا قد يرحب بالدور الفرنسي في لبنان حتى لو إقتضى ذلك جلوسه في المقعد الخلفي. أليس هو صاحب شعار القيادة من الخلف. لا سيما أيضا أن منطق الشراكة هذا  يتقاطع مع العقيدة الأوبامية القائلة بتعددية الأطراف في قيادة السياسات الدولية. تجدر الإشارة أن هذه الشراكة الفرتسية الأميركية تتلاقى مع الطرف السعودي، حليف الأثنين، حتى وإن كان هذا الأخير مستاءً بعض الشيء من الأنفتاح الأميركي على إيران. المملكة العربية السعودية لم تخف إستيائها من  التدخل الإيراني المباشر الداعم للنظام في سوريا ومن إداء حزب الله في لبنان وتصرفات المالكي في العراق. إنطلاقاً من هذه الوقائع لم تتبدد شكوكها لسياسة الإنفتاح على طهران.

أما اليوم  لبنان يشكل الساحة الأكثر ملاءمة لشراكة أميركية فرنسية سعودية. شراكة متعددة الأطراف والأدوار. شراكة تلتقي على الأقل على ضرورة إعادة التوازن إلى المعادلة اللبنانية حتى لو لم يتم التوصل في الأيام المقبلة إلى إعادة إنتظام الحياة الدستورية بما يعني ذلك من تشكيل حكومة وإنتخاب رئيس وفق الأصول والمواعيد الدستورية. لأن إنجاز من هذا النوع يتطلب تسوية مع الطرف الآخر ، مع إيران تحديدأ التي ما زالت غائبة عن طاولة جنيف 2 ربما لأنها لم تلقى بعد ثمن موافقتها على جنيف 1 أو لأنها ما زالت تراهن على الخيار العسكري...بإنتظار حصول هذه التسوية يبقى لبنان جمهورية معلقة.  

More from Sami Nader

Recommended Articles