تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

معركة الأنبار محرقة للموارد البشرية في المحافظة

إن أزمة الأنبار وتفاقمها، وتطورها على أرض الواقع، والتأثيرات السياسية لها، خلفت نوعاً من الموقف العدائي تجاه الدولة بمؤسساتها وكيانها، وأدت في المحصلة النهائية بسكان المحافظة للانحياز الطائفي والعشائري.
Mourners react during a funeral of an Iraqi soldier, who was killed during clashes in Ramadi, in Najaf, 160 km (99 miles) south of Baghdad, January 10, 2014. Militants of the al Qaeda-linked Islamic State of Iraq and the Levant (ISIL), which is also fighting in neighbouring Syria, took control of Falluja and parts of nearby Ramadi on January 1 with the help of sympathetic armed tribesmen. The prospect of an imminent Iraqi army assault on Falluja receded on Friday as negotiators tried to work out a deal unde

تركت المواجهات بين القوات الحكومية العراقية والتنظيمات المسلحة المتطرفة، في صحراء الأنبار ومدنها، آثارا اجتماعية واقتصادية "عميقة" في المحافظة المضطربة، منذ مطلع العام 2013.  وشهدت مدن مثل الفلوجة والرمادي عمليات نزوح كبيرة، اثر القصف العشوائي على منازلهم، فيما لحق الدمار بأغلب البنى التحتية التي أنجزتها الحكومة المحلية أخيراً. وارتفعت أسعار المواد الغذائية نتيجة شحها في الأسواق، بعد الحصار الذي تعرضت له المدن، كما توقفت المؤسسات الحكومية الحيوية عن العمل، إلى جانب تعطل الحياة الدراسية، حيث تعذر على الطلبة أداء الامتحانات النصف سنوية.

وفي وقت انتقل نشاط التنظيمات المسلحة المتطرفة إلى داخل المدن، ساعدت عملياتها القتالية وخطاب قادتها، على تعزيز نفوذها داخل المحافظة، ودخول مجاميع جديدة في ميادينها القتالية، كان أغلبها من الشباب، في العشرينات من أعمارهم. ذكر شهود عيان، تحدثت إليهم "المونيتور" عن العديد من صغار العمر لم يكونوا من المرتبطين بالتنظيمات المسلحة، ولكن انخرطوا فيها اثر تصاعد الموج الطائفي في المحافطة. فقد قتل مؤخراً عامل بناء في العشرينات من عمره مع عدد من رفاقه في اشتباكات عنيفة جرت بين طرفي المعارك، وسط مدينة الرمادي.

قد ساعد سوء إدارة الحكومة في تعاملها العسكري والأمني المتطرفين بتحشيد جماعات كبرى من قبل الشباب المتحمس. فقد سبب عمليات القصف العشوائي على أحياء مدن الأنبار سقوط العديد من الضحايا الأبرياء، والذي أدى الى إثارة روح الثأر والبغيضة لدى عوائل الضحايا.

وفي الوقت الذي تلقي الأزمة تداعياتها وإنعكاساتها الاجتماعية والانسانية على واقع المحافظة، أطلق ناشطون من الأنبار ومحافظات أخرى حملة تضامن من خلال مواقع التواصل الإجتماعي "فيسبوك"، دعوا فيها إلى إيقاف القصف العشوائي الذي يتعرض له المدنيون العزل. أكد الناشطون على أن الحملة ضد الإرهاب تعني أمن المواطن لا قتله، وطالبوا في بيان الذي اعلن انطلاق الحمله "مجلسي النواب والوزراء والقوى السياسية والاجتماعية الفاعلة والمرجعيات الدينية والشخصيات الوطنية من قادة الرأي" بالعمل على بلورة خارطة طريق واقعية ومنهجية لإعادة الأمن للمدينة.

وفي حوار مع أحد القائمين بهذه الحملة، الكاتب والصحفي رباح حسن الزيدان، أرجع اسباب تشكيل الحملة إلى "الإيمان بأهمية تشكيل الرأي العام، من أجل توليد ضغط شعبي على الحكومة العراقية، لاتخاذ إجراء جدي وحاسم، جراء ما يتعرض له أبناء محافظة الانبار العزل من قصف عشوائي، ونقص في الخدمات، وفقاً للقيم الأنسانية والمعاهدات العالمية لحقوق الإنسان".

إن البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف 1949 -المتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة- الصادر عام 1977 في المادة (48) نص على أن "تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين وبين المقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها".

وفيما لاقت الحملة رواجاً الفيس بوك وتفاعل معها بشكل كبير، مثقفون، ناشطون، طلبة، وشخصيات تمثل منظمات مجتمع مدني واخرين، إلا أن هذه الحملة لم تجد أي إهتمام من قبل الحكومة وأي من الاحزاب المتنفذة وأصحاب القرار في السلطة.

إذ أكد الناشط السياسي حكمت الدليمي، العضو السابق في مجلس محافظة الأنبار، أن "الحملة لاقت صدى لدى الدائرة المهتمة بالمآسي التي تمس حياة المواطن العراقي عموماً واهل الانبار في ازمتهم هذه بشكل خاص". وبين الدليمي لـ"المونيتور"، أن "الحملة لم تتوسع بالشكل المطلوب"، مرجعا أسباب ذلك إلى "الاحتقان والحشد الطائفي الذي زرعته الحكومة بخطابها العدائي لكل من يعترض على أسلوب إدارتها للسلطة". وحول سبب إهمال الحكومة للحملة التضامنية، قال الدليمي إن "الحملة ستبين حجم الكارثة الانسانية والوطنية التي انتجتها ادارة الحكومة للوضع"، مضيفا أن "كل الاطراف السياسية لاتهتم باي قضية مالم تصب في صالحهم انتخابياً".

إن أزمة الأنبار وتفاقمها، وتطورها على أرض الواقع، والتأثيرات السياسية التي تتبعها السلطة إتجاه الأزمات وإنعكاسها على مستقبل المحافظة، كانت آثارها واضحة في نفوس المشردين، الذين تعرضت منازلهم إلى القصف العشوائي. فخلفت لديهم نوعاً من الموقف العدائي تجاه الدولة بمؤسساتها وكيانها، وفقدوا الثقة في الجيش كمؤسسة مستقلة، لإستخدامها كذريعة سياسية. أدت في المحصلة النهائية بسكان المحافظة للانحياز الطائفي والعشائري، مما ادى إلى قبول الخطابات المتطرفة.

وفي ظل سيناريو معقد تطرح اسئلة جادة من قبيل، ما هي الطرق التي تتفادى بها الحكومة ايقاع خسائر بين المدنيين؟ وكيف ستميز في معركتها بين الإرهابي والبريء؟ وما هي العوامل التي ساعدت على تشكيل مجاميع مسلحة جديدة؟ كيف ستواجه الحكومة هذه الإشكالية وأثارها على المستقبل القريب؟

تعتمد إمكانية حل الأزمة في الأنبار على ضرورة بناء جيش أكثر مهنية في عمله العسكري، وإبتعاده عن الشعارات الطائفية  مع ضرورة إيقاف القصف العشوائي من جهة، ومن جهة اخرى بذل جهود حقيقة لإعادة ثقة متبادلة بين أهالي المحافظة وبين الجيش، ودعم الإعتدال الإجتماعي والسياسي في المحافظة، فالقضية لا تكتفي بتخصيص مبالغ مالية للمتضررين، وزيادة عدد أفراد القوى الأمنية للقضاء على الإرهاب.

More from Ali Inome

Recommended Articles