تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

Strife and Takfiri Risk

People carry the coffin of former Lebanese minister Mohamad Chatah's bodyguard Tarek Badr, who was killed in a bomb blast on Friday, during his mass funeral at al-Amin mosque in Martyrs' Square in downtown Beirut December 29, 2013. Chatah, who opposed Syrian President Bashar al-Assad, was killed in the attack which one of his political allies blamed on Lebanon's Shi'ite Hezbollah militia. REUTERS/Jamal Saidi (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL UNREST OBITUARY) - RTX16WAX

لم يُطوَ عام وينبثق آخر جديد إلا ولاحت أسوأ ملامح الفتنة على البلد الصغير. ودّع اللبنانيّون العام 2013 على وقع جريمة اغتيال طالت شخصيّة سياسيّة تمثل الدولة والاعتدال، في ما يشبه استهدافاً مباشراً لـ"تيار المستقبل" ومن خلاله لأهل السنّة في لبنان. واستقبلوا العام 2014 على دويّ انفجار آخر بمثابة ردّ، هزّ الضاحية الجنوبيّة لبيروت وبدا كأنه طعنة في صدر الطائفة الشيعيّة. كان هذا في أقلّ من أسبوع. وكأني بالساحة اللبنانيّة أضحت الساحة الأولى للحرب الإقليميّة الدائرة في الشرق الأوسط. وهذا التحوّل لمركز ثقل المواجهة من سوريا حيث تحتدم المعارك الكلاسيكيّة إلى لبنان حيث بدأت تطغى لغة الإرهاب، مرشّح للاستمرار وذلك لجملة أسباب.

فالإرهاب تغلغل إلى بيئته الحاضنة أي إلى الأحياء السكنيّة والمدن الشيعيّة اللبنانيّة وحوّلها إلى خاصرته الرخوة. لطالما اختار حزب الله أرض معاركه وتوقيتها، أقله في العامَين 1996 و 2006 في خلال الحربَين اللتَين خاضهما في وجه إسرائيل. فهو خاضهما انطلاقاً من الجنوب اللبناني ووفق أسلوب تميّز به، أي حرب عصابات تستنزف قدرات جيش يفوقه مقدرة وتنظيماً. أما في المعركة الذي انغمس فيها في سوريا بقرار أحادي الجانب، قد يكون هو من اختار بدايتها لكنه لم يعد ممسكاً لا بمسارها ولا بنطاقها الجغرافي. وعبثاً حاول أمينه العام حسن نصرالله متوجهاً إلى خصومه السياسيّين كما حصل في شباط/فبراير 2013، حصر الصراع في سوريا و"تحييد" الساحة اللبنانيّة ولو على طريقته ووفق شروطه، إلا أن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر. متغيّران على أقلّ تقدير فاقا كل الحسابات وشكّلا عنصر مفاجأة: تدفّق اللاجئين السوريّين والمدّ التكفيري إلى الداخل اللبناني. والمعطيان يشكّلان على المدى المنظور وكذلك على المدى البعيد، تهديداً لحزب الله يوازي لا بل يفوق سقوط النظام الحليف في دمشق.

فاللاجئون السوريّون تغلغلوا في كل قرية ومدينة بما فيها القرى والمدن الشيعيّة. وهم يشكّلون حتى اليوم عبئاً اقتصادياً هائلاً يعاني منه جمهور حزب الله ما يعانيه اللبنانيّون الآخرون. وهؤلاء هم أيضاً بمثابة قنبلة موقوتة، فقد يتحوّلون إلى خطر أمني في أي لحظة. كل فرد منهم هو مشروع إرهابي أو انتحاري يتغذّى من الكبت والفقر والشعور بالظلم، ويستفذّه يوماً بعد يوم انغماس حزب الله [بالصراع السوري] إلى جانب النظام، فيحمّل الجهتَين كامل مسؤوليّة ما حلّ به من مظالم ومآسي. أما التكفيريّون المتمرّسون في الإرهاب، فهم يعلمون جيداً نقاط ضعف حزب الله. ويعرفون أيضاً كم هي مكلفة بالنسبة إلى حزب يستند إلى قواعد شعبيّة واسعة في داخل طائفته، حرب استنزاف واستثارة الأحقاد المذهبيّة. فالشعور المذهبي الذي طالما كان عنصراً لعصبيّة قوميّة تقوم على الاعتزاز بفائض قوّتها، قد يتحوّل في أي وقت إلى شعور بالخوف والقلق على المصير في حال بدأت تلوح علامات وهن السلاح وعجزه أمام المدّ التكفيري. وقد يكون العنصر الأهم في هذه المواجهة مع المجموعات التكفيريّة التي نقلت حربها إلى الداخل اللبناني حيث عمق حزب الله الإستراتيجي، أنه ليس لهذه المجموعات ما تخسره بينما لهذا الآخير الكثير ليفقده وليس أقله تماسك بيئته الحاضنة والشراكة مع بقيّة مكوّنات المجتمع اللبناني.

وهنا قد تختلف أيضاً الحسابات مع النظام السوري الحليف. النظام الأسدي لا يأبه بما قد يأتي به الغد من أكلاف، بخاصة بعد هذا الكمّ من الضحايا والدماء. فيلعب ورقته الأخيرة. الورقة التكفيريّة تخدم أيضاً مصلحته. فهي تساهم في تصويره أمام الرأي العام كمناهض للأصوليات الدينيّة، وتبرّر للحلفاء كما للأخصام سياسته القمعيّة. ثمّة من يقول أنه من صانعيها وذلك منذ أيام ما قبل "الصحوة" في العراق في العام 2003. أما في لبنان فقضيّة سماحة-المملوك كشفت عن نوايا النظام السوري في تفجير القنبلة الطائفيّة. وقبلها، كشفت معارك نهر البارد أن أبطال "فتح الإسلام" النسخة الأولى للمنظمات التكفيريّة، ما خرجوا من السجون السوريّة إلا ليعملو لصالح أجهزة النظام. إذا صحّ الاتهام،فلا شكّ في أن حزب الله كان أقله على علم بالنوايا والإستراتيجيات السوريّة. وكلام نصر الله محذراً من دخول الجيش إلى نهر البارد في حينه، أثار أكثر من ارتياب.

لا شكّ في أن المجموعات التكفيريّة، جزء منها مصطنع. قد تكون على تقاطع مع أكثر من جهاز استخبارات دولي وإقليمي. تخدم الأعداء وأعداء الأعداء على حدّ سواء. وقد يكون لكلّ منظمة تكفيريّة وهي تكاثرت وتجزئت في الفترة الأخيرة، أكثر من راع إقليمي واحد. لكن من دون شك، ثمّة من يتحمل أكثر من غيره وعلى المدى الطويل أعباء هذه الإستراتيجيات القاتلة حتى ولو تراءى له أنها تخدم مصالحه على المستوى التكتيكي. فـ"البعبع" التكفيري يشتّت الأنظار ويذرّ الرماد في العيون وقد يكون مدعاة لغفران الذنوب أيضاً. لكن السحر قد ينقلب على الساحر في أي لحظة والجرثومة إذا ما تسرّبت من أنبوب الاختبار قد تطال كلّ من هو في المختبر وفي خارجه.

More from Sami Nader

Recommended Articles