تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كتّاب سعوديّون جدد يقدّمون شكلاً من أشكال فقه التحرير الإسلامي

يمزج جيل جديد من الكتّاب السعوديّين بين الإسلام والقيم العالميّة للحريّة والكرامة في النداء الذي يطلقونه من أجل الإصلاح.
Visitors look at books during the Riyadh Book Fair at the International Exhibition Center in Riyadh, March 7, 2013. REUTERS/Susan Baaghil (SAUDI ARABIA - Tags: SOCIETY) - RTR3EOPA

مهما بلغ حجم الإنفاق السعودي على حملات العلاقات العامة، غالب الظن أن اسم السعوديّة سيبقى مرتبطاً، في المستقبل المنظور، بتصدير الفكر السلفي-الوهابي المتشدّد. فتقليدها الديني متّهم بتشجيع الإرهاب ودَفْع المجتمعات العربيّة نحو التشدّد وتأجيج الصراع المذهبي وتوسيع هوّة التمييز على أساس الجندر. ويُحمَّل نظامها التعليمي الديني وأموالها النفطيّة مسؤوليّة مجموعة كبيرة من النزاعات والمواجهات في مختلف أنحاء المنطقة العربيّة وفي خارجها. ومن حين إلى آخر تضفي الروايات عن النساء السعوديات الاستثنائيات إشراقةً على صورة البلاد القاتمة، لكن هذه الروايات لا تدوم طويلاً. فكلما حاولت الحكومة تلميع صورة البلاد، تعزَّز الانطباع بأنه مجرد مجهود مخادع والهدف منه هو الاستهلاك العام ليس إلا.

بيد أن أملاً جديداً يظهر لدى جيل جديد شاب وشبه مغمور من الكتّاب الذين يتحدّون المبادئ الأساسيّة للتقليد الديني السعودي - عنيت الفكر السلفي المسيطر. فهم يقدّمون تفسيرات تعيد النظر في الأفكار السائدة وتعد ببثّ التعدّدية في النظرة الأحاديّة إلى العالم التي لطالما سيطر عليها القبول والإذعان بدلاً من التفنيد والتنافس. وقد اكتسب هؤلاء الكتّاب الزخم بدفع من الأحداث التي شهدها العالم العربي في خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وتجاوبوا مع التحدّيات الناجمة عن تبدّل الخريطة السياسيّة عبر وضع مناشير وكتب يعبّرون فيها عن تفسيرات جديدة لدور الإسلام في المجتمع المعاصر. ليسوا ناشطين في المجال العام، لكن أفكارهم تنتشر وسط جمهور واسع، بفضل الإعلام الجديد. وهم يُصدرون كتبهم في بيروت حيث أنشئت دار نشر مملوكة من جهات سعوديّة. بعض هؤلاء الكتّاب تدرّجوا في مجال الدراسات الدينيّة، في حين أن بعضهم الآخر يطمحون إلى دخول عالم الأكاديميا والصحافة.

للكتّاب السعوديّين الجدد قضيّة فكريّة مشتركة تقوم في شكل أساسي على تفكيك الجذور الدينيّة للحكم السلطوي. يدركون أنه يمكن تبرير القمع في ظل الحكم العلماني والديني على السواء، لكن في حالة السعوديّة، يؤمّن الدين غطاء ضرورياً جداً للممارسات القمعيّة التي تتراوح من القيود على حريّة التعبير والمجتمع المدني وصولاً إلى غياب التمثيل السياسي وتفشّي الفساد والحكم الاستبدادي. لا يريد هؤلاء الكتّاب قطيعة مع الإسلام، إذ يحافظون على التزامهم بتعاليمه وممارساته، لكنهم يتردّدون في المناداة بأن "الإسلام هو الحلّ". بل يدعون بدلاً من ذلك إلى شيء مختلف، شيء أكثر جذريّة من وجهة نظر الحكومات القمعيّة.

يرى هؤلاء السعوديّون الحلّ في المجتمع - أي الناس بتنوّعهم ووحدتهم. أحد هؤلاء الكتّاب عبدالله المالكي، هو باحث شاب من الحجاز يفضّل شعار "الأمّة هي الحلّ". فهو على يقين من أنه لا يمكن إكراه الأمة بعدما أثبتت مؤخراً أنها قادرة على الانتفاض في وجه الاستبداد. والمالكي يدرك تماماً أن الدافع وراء الانتفاضات العربيّة لم يكن رغبة الشعب في تطهير الدين أو أسلمة المجتمع أو حظر الكحول أو السماح بتعدّد الزوجات بعد حظره (كما في تونس). فالشعوب لم تكن تريد مزيداً من الشعارات أو الممارسات الإسلاميّة. بل أرادت الكرامة والعدالة والحريّة.

ويبحث المالكي مسألة ضرورة أن ينتهز الشعب الفرصة لتطبيق الشريعة في مختلف جوانب الحياة، في مرحلة ما بعد الثورة. وقد صدم أوساطه السلفيّة السعوديّة عندما اعتبر أن تطبيق الشريعة يجب أن يكون عن طريق الاختيار وليس بالقوّة. فاتُّهِم بأنه علماني تشرّب الأفكار الغربيّة وليبرالي ملتحٍ وباحث مضلَّل. وهذا الهجوم العنيف ليس مفاجئاً، نظراً لأن أفكار المالكي السجاليّة تطال موضوع "الإكراه" الذي هو في أساس المجتمع السعودي.

في نظر السلفيّين السعوديّين، تطبيق الشريعة ليس مسألة خيار خاضعة للنقاش أو التصويت. أما المالكي من جهته، فلا يرى أي جدارة في تطبيق الشريعة بالقوّة، لأن ذلك يتعارض مع الإرادة الحرّة للشعب، ويولّد ظروفاً تشجّع على الرياء. فالمجتمع الذي يتمتّع بالسيادة يملك مساحة للنقاش الحر والتشاور الحقيقي والتحرّر من الاستبداد. هذه الأفكار جديدة في بلد حيث يُعتبَر تطبيق الشريعة من المسلّمات وخارج دائرة النقاش. المالكي متَّهم من قبل خصومه السلفيّين بأنه يدعو إلى التخلّي عن حكم الشريعة، في حين أنه دعا فقط إلى التخلّي عن الإكراه في تطبيق الشريعة.

محمد العبد الكريم هو أيضاً من الكتّاب الذين يركّزون على تفكيك الجذور الدينيّة للحكم القمعي. هو يعمل أستاذاً مساعداً في مادّة الفقه الإسلامي في الجامعة الدينيّة الأساسيّة في الرياض، المعروفة بتمسّكها بالتقليد الوهّابي. سُجِن العبد الكريم في العام 2011 بعد نشره مجموعة من الأسئلة الاستفزازيّة عن مستقبل السعوديّة والخلافات على التوريث، عبر صفحته على موقع "فيسبوك". وهو يتطلّع في كتب عدّة، إلى صحوة توحيديّة جديدة يتحرّر الناس من خلالها، من استبداد الآخرين بهم. كذلك يمقت الحكم المطلق ويدعو إلى إعادة تفسير النصوص الإسلاميّة بطرق تتحدّى التقليد الإسلامي السائد في بلاده. وهو أيضاً ينتقد السلفيّين التقليديّين الذين يمنعون الانخراط في السياسة، ويعتبرون أن الحراك خارج عن القانون، ويُنكرون حقّ المسلمين في تحدّي حكّامهم القمعيّين.

يبدو العبد الكريم مستاءً من الإسلاميّين السعوديّين، لا سيّما أولئك الذين يعتقدون أن تثقيف المجتمع على الدين الإسلامي يضمن قيام حكم عادل. فنظراً لأن التعليم يتمّ في سياق قمعي، من غير المرجّح أن يعود التبشير بالبرامج والمبادرات الإسلاميّة بنتائج إيجابيّة. على غرار المالكي، لا يعتقد العبد الكريم أن الأشخاص يمكن أن يصبحوا مسلمين صالحين عن طريق الإكراه والقهر. وينتقد الجهاديّين الذي يبدون مثل الحكّام الذين ينتفضون ضدّهم، بمعنى أن الجانبَين يبنيان شرعيّتهما على وعود بتطبيق الشريعة بالقوّة. وعلى غرار الناشط السعودي المحنّك عبدالله الحميد الذي يمضي حالياً عقوبة بالسجن لفترة طويلة بسبب إنشائه جمعيّة للحقوق المدنيّة والسياسيّة، يدعو العبد الكريم إلى جهاد سلمي، أي نضال ضدّ الاستبداد يقوم على العصيان المدني والإضرابات والتظاهرات والحراك.

من المفارقة أن الحكومة السعوديّة والجهاديّين العنفيّين الذين تدّعي الحكومة أنها تحاربهم، يلتقون على رفض الجهاد السلمي. تعوِّل الحكومة على المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، لإصدار فتاوى تحرّم التعبئة السلميّة وتبثّ بالتالي أجواء من الترهيب. الفتاوى التي يصدرها آل الشيخ مثال صارخ عن وضع الدين في خدمة النظام الملَكي. وتُستكمَل هذه الفتاوى بإصدار القضاة الحكوميّين الذين تدرّبوا على أيدي الوهابيّين، أحكاماً غير متوقّعة بالسجن بحق المحتجّين والناشطين السلميّين الذين يجرؤون على تحدّي القمع الذي يمارسه النظام السلطوي، مع العلم بأنهم يفعلون ذلك بطريقة سلميّة.

يتطلّع هؤلاء الكتّاب وسواهم الكثيرون إلى فقه تحريري جديد يُنقذ الناس من الاستبداد السياسي المتجذّر في الدين. إنهم يمثّلون جيلاً جديداً من المفكّرين السعوديّين المستعدّين لتحدّي العقيدة السلفيّة، لا سيّما تلك الجوانب التي سمحت للحكم المطلق بإسكات صوت المجتمع وتجريم الحراك المدني والسياسي وإقصاء الناس عن عمليّة صنع القرار. إنهم يتحدّون معنى المفاهيم التي يستخدمها الفقهاء الدينيّون السعوديّون الرسميّون لـ"تدجين" الشعب وضمان موافقته على الإذعان للحكّام وتجنّب المعارضة والفوضى.

لم يتخلَّ هؤلاء السعوديّون عن الإسلام، بل يبحثون في تاريخه وتأويلاته عن طرق لتحدّي الجمود السياسي والعقيدة الدينيّة في السعودية. يتسمّكون جميعهم بحريّة النقاش والسجال في العلن، والتواصل مع الجماهير خارج الدوائر المحدودة للمثقّفين والمفكّرين. إلا أنهم يُحرَمون من هذه الفرصة جرّاء المقاومة السلفيّة التقليديّة وخوف الحكومة من الخطاب الجديد الذي يحاولون نشره. الحكومة السعوديّة مذعورة من هذه المقاربات التي تعيد النظر في الدين ومن نتائجها المحتملة، لا سيّما إذا كانت تساهم في تمكين جيل سئم من تكرار الأفكار الدينيّة القديمة نفسها.

إذا كان التغيير السياسي الحقيقي بحاجة إلى إطار فكري، فلا شكّ في أن هذا الجيل الجديد من الكتّاب يساهم في النقاش الذي قد يقود السعوديّين في المستقبل إلى تبنّي فقه تحريري يعيد النظر في الأفكار السائدة. جلّ ما يحتاجون إليه في هذه المرحلة هو مجموعة من الناشطين المتفانين الذين يستطيعون أن يضعوا أفكارهم حيّز التطبيق.

More from Madawi Al-Rasheed

Recommended Articles