تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شراكة فرنسيّة-سعوديّة من أجل لبنان

Saudi Arabia's Prince Salman Bin Abdulaziz Al Saoud (R) welcomes French President Francois Hollande (L) at the Saudi Royal palace in Riyadh December 29, 2013. REUTERS/Kenzo Tribouillard/Pool (SAUDI ARABIA - Tags: POLITICS ROYALS) - RTX16WSG

شكّل القرار السعودي القاضي بتخصيص ثلاثة مليارات دولار أميركي لمساعدة الجيش اللبناني بعتاد وأسلحة فرنسيّة، مفاجأة لمؤيّدي الخطوة هذه ولمنتقديها على حدّ سواء. وأهمّ ما في هذه الخطوة لا يقتصر فقط على قيمة المبلغ المخصّص وهو الأعلى في تاريخ ما قدّم للجيش اللبناني من مساعدات لا بل قل ما وصل الدولة اللبنانيّة من هبات، إنما يكمن في الشراكة الفرنسيّة-السعوديّة المستجدّة والتي تشكّل تحولاً أساسياً على ساحة الشرق الأوسط، بخاصة في ظلّ التراجع الأميركي الذي فتح المنطقة على فراغ هرولت إلى ملئه ليس فقط القوى الإقليميّة المعنيّة ولكن أيضاً المنظمات الإرهابيّة الآتية من كلّ حدب وصوب.

أعلن عن المساعدة السعوديّة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ميشال سليمان عن طريق رسالة وجّهها إلى اللبنانيّين، ما يدلّ ليس فقط على أن الخطوة منسّقة بين الأطراف الثلاثة إنما يشير أيضاً إلى نواة شبكة أمان دوليّة يتمّ نسجها للإحاطة بالبلد الصغير الواقف على حافة الهاوية. فعن يمينه يطلّ شبح حرب مذهبيّة امتدّت من سوريا لتبلغه وتلهب مدنه وشوارعه. وعن يساره يهدّده فراغ دستوري قد تقع فيه الجمهوريّة اللبنانيّة برمّتها، فيطيح ليس فقط بالمؤسسات لا بل قل بالكيان إن لم يصار إلى تأمين استمراريّة للسلطة عند نهاية ولاية رئيس الجمهوريّة في أيار/مايو المقبل. فحكومة [رئيس الوزراء نجيب] ميقاتي المستقيلة فقدت كل المقوّمات الشرعيّة التي تقوم عليها السلطات، وما من إمكانيّة لتشكيل حكومة تضمّ الأطراف كافة كما جرت العادة بعدما تعطلت المؤسسات الدستوريّة. ففي كلّ يوم يمرّ على البلد الصغير، يتعمّق الانشقاق أكثر. ولم يعد أمام الرئيس سليمان سوى تشكيل حكومة مع علمه المسبق بأنها لن تلاقي موافقة جميع الأطراف، لا سيّما حزب الله الذي شرع يطلق الوعيد والتهديد. لكن قراراً من هذا النوع بحاجة إلى دعم دولي. قد تكون المبادرة الفرنسيّة-السعوديّة أول خطوة في هذا الاتجاه. فمساعدة الجيش وإعلان الرئيس عن هذه المساعدة، هما في رمزيتهما رسالة دعم للشرعيّة اللبنانيّة المهدّدة بالفراغ.

ولهذا التقارب الفرنسي-السعودي أبعاد إقليميّة أيضاً. ها إن فرنسا تعود إلى المشرق العربي بعدما أخرجت منه كقوة منتدِبة وعلى مراحل في أعقاب الحربَين العالميتَين الأولى والثانية، على أثر ثورة عربيّة وجهاد وطني قام بهما الشعب السوري تحت شعار الدفاع عن الإسلام والعروبة. ومن المفارقة بمكان أن تعود فرنسا إلى ساحة المشرق العربي اليوم ومن البوابة السوريّة تحديداً وبشراكة مع المملكة العربيّة السعوديّة أرض الحرمَين الشريفَين، أي بغطاء عربي وإسلامي، سنيّ على وجه التحديد، وذلك في مواجهة غير معلنة مع المدّ الإيراني الذي يتّخذ من التواجد الشيعي ومن حليفه العلوي في بلاد المشرق مرتكزاً له.

أما في لبنان فكان الأمر مختلفاً، إذ إن الوجود الفرنسي كان ضامناً للوجود المسيحي ومن خلاله عراباً للجمهوريّة اللبنانيّة التي كان للطائفة المسيحيّة الدور الأول في إنشائها. تطوّرت هذه العلاقة  الفرنسيّة-اللبنانيّة وشملت كل اللبنانيّين مع ما سمّيَ بالسياسة العربيّة لفرنسا التي أرسى قواعدها الجنرال الفرنسي شارل ديغول.

بلغ الانفتاح الفرنسي على المسلمين ذروته مع رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري نتيجة لما مثله هذا الرجل على المستوى العربي والسعودي تحديداً، وللعلاقة الوثيقة التي ربطته بالرئيس الفرنسي الديغولي جاك شيراك. ولطالما تطابقت المصالح السعوديّة-الفرنسيّة في المسألة اللبنانيّة. فالبَلدان يلتقيان على دعم الشرعيّة اللبنانيّة على قاعدة التسوية التي أرساها اتفاق الطائف. وقد بلغ هذا التقارب حدّ التماهي في أعقاب اغتيال الرئيس الحريري، من خلال دعم الطرفَين لفريق 14 آذار ولقرار إنشاء المحكمة الدوليّة الخاصة بلبان. خطوتان من شأنهما إعادة التوازن في البلد الصغير الذي يرزح تحت الوصاية الإيرانيّة-السوريّة. صحيح أن هذه الشراكة شهدت انتكاسة مع وصول الرئيس نيكولا ساركوزي إلى السلطة وتقدّم قطر على خطّ الملفَّين اللبناني والسوري، لكن الأمور ما لبثت أن عادت إلى ما كانت عليه في أعقاب الربيع العربي واشتداد الصراع مع إيران.

هذه ليست المساعدة الأولى التي تقدّمها السعوديّة إلى لبنان. فقد كان للمملكة الدور الأول في دعم لبنان سياسياً ودعم اقتصاده ومسيرة إعادة إعماره، وحتى في دعم عملته الوطنيّة عبر ودائع لدى المصرف المركزي اللبناني. لكنها المرّة الأولى التي يأتي فيها هذا الدعم بشراكة مع فرنسا، في خطوة لها مدلولاتها وأبعادها على المستوى الإقليمي. فالبَلدان وكلّ واحد من موقعه، يجلسان في المقاعد الأماميّة لجهة دعم الثورة السوريّة والوقوف في وجه النفوذ المتنامي للطرف الإيراني في جميع بلدان المشرق العربي، بخاصة في أعقاب التقارب الأميركي-الإيراني الذي أخلّ بكلّ الموازين وأجبر قوى إقليميّة بارزة مثل المملكة العربيّة السعوديّة على استحداث بدائل عن الشريك الأميركي أو قل الوسائل لمواجهة النفوذ الإيراني.

كسرت هذه الخطوة الفرنسيّة-السعوديّة الحلقة المفرغة التي كانت تدور فيها سياسة دعم الجيش اللبناني. فالكل كان يريد دعم الجيش، والجيش لا يتلقى أي دعم. والطرف الأميركي المؤيّد للشرعيّة اللبنانيّة والذي مدّ الجيش اللبناني بالتدريب والمعدات، لطالما كان يتوانى عن تقديم السلاح النوعي إليه مخافة من أن يقع هذا السلاح في يد حزب الله وأن يشكّل تهديداً للأمن الإسرائيلي. أما حزب الله، فقد بنى على هذا التناقض الذي أعاق بناء قدرات الجيش وجعل منه حجّة للإبقاء على سلاحه وتكريس دوره الموازي للقوى العسكريّة الشرعيّة في إستراتيجيّة الدفاع الوطني.

إن الخطوة الفرنسيّة-السعوديّة الأخيرة تكسر هذه الحلقة المفرغة، ولذا فهي مرشّحة لأن تلاقي سيلاً من الانتقادات والمعارضة. 

More from Sami Nader

Recommended Articles