تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شهيد الاعتدال

A woman reacts during a mass funeral for former Lebanese minister Mohamad Chatah, who was killed in a bomb blast on Friday, at Al-Amin mosque in Martyrs' Square, downtown Beirut, December 29, 2013.  Chatah, who opposed Syrian President Bashar al-Assad, was killed in the attack which one of his political allies blamed on Lebanon's Shi'ite Hezbollah militia. REUTERS/Jamal Saidi (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL UNREST OBITUARY) - RTX16WB3

لم يسدل العام 2013 ستاره بعد إلا وهزّ انفجار العاصمة اللبنانيّة بيروت. انفجار فائق الوحشيّة، بليغ الدلائل. في المكان نفسه حيث اغتيل [رئيس الحكومة الراحل] رفيق الحريري، وعلى بعد أمتار من مسرح جريمة 14 شباط/فبراير 2005 تلك التي غيّرت وجه لبنان، وعلى مقربة من بيت الوسط مقرّ [رئيس الحكومة السابق] سعد الحريري رمز الزعامة السنيّة المقصيّة، تمّ اغتيال محمد شطح. رياديّ بارز في فريق 14 آذار مقرّب من آل الحريري، رجل تميّز باعتداله وبحركته الدبلوماسيّة.

كلّ الجرائم والتفجيرات تتساوى في الوحشيّة، لكن هذه الجريمة بدلائلها تختصر عمق الأزمة التي يعيشها المشرق العربي وتنذر بأيام سوداء مقبلة.

في الشكل أولاً، يشبه هذا التفجير كل التفجيرات والاغتيالات السياسيّة السابقة، كما لو أنه يحمل التوقيع نفسه. فمن اغتيال رفيق الحريري الزعيم السنّي الذي نسج شبكة علاقات دوليّة شكّلت الضامن ولو بالحدّ الأدنى لاستقرار البلد الصغير وقدراً من التوازن في مقابل الثقل الهائل للمحور الإيراني-السوري، إلى تصفية وسام الحسن القائد الأمني مهندس جهاز فرع المعلومات التابع للقوى العسكريّة الشرعيّة والذي شكّل منظومة أمنيّة أمّنت إلى حين اغتياله قدراً بسيطاً من التوازن في مواجهة منظومة حزب الله الأمنيّة والعسكريّة. صحيح أن التفجيرات ضدّ الأبرياء والأعمال الإرهابيّة ما عادت توفّر طرفاً أو حياً أو طائفة، وأن لغة الجنون والإرهاب أضحت اللغة السائدة وذلك منذ امتداد نيران الحرب السوريّة إلى الداخل اللبناني. لكن الصحيح أيضاً أن عمليات الاغتيال السياسي التي تمّت في السنوات الثماني الماضية طالت حصراً فريقاً واحداً من اللبنانيّين وهو فريق 14 آذار، ومن الصعب التصديق أن هذا وليد الصدفة أو المؤامرة.

أما ثانياً في التوقيت، فتأتي هذه الجريمة عشيّة بدء جلسات المحكمة الدوليّة الخاصة من أجل لبنان المقرّرة منتصف كانون الثاني/يناير 2014 والتي تنظر في قضيّة اغتيال الحريري. ما برح فريق 14 آذار يردّد أن الغرض من هذه المحكمة هو إحقاق الحقّ وردع الجريمة لا سيّما السياسيّة منها. فهل يشكّل هذا التفجير رداً على بدء أعمال المحكمة وكل من سعى إليها أو راهن عليها؟ وهل من رسالة مفادها أن ما من شيء قد يوقف المسار الإجرامي، لا محكمة ولا تحقيقات ولا قرارات دوليّة؟

وفي التوقيت أيضاً، ما هو مرتبط بالأحداث الدائرة في سوريا والتي شملت اليوم لبنان والعراق والتي أخذت أبعاد حرب مذهبيّة. فالحرب السوريّة عرقنت لبنان منذ فترة. أصبحت لغة العبوات أداة التخاطب بين القوى الإقليميّة المتصارعة والتي اتخذت من المنظمات التكفيريّة والميليشيات وكيلاً ومن الإرهاب وسيلة. فقد طالت هذه التفجيرات في الأمس الأحياء الشيعيّة في الضاحية الجنوبيّة لبيروت في ما يشكّل رداً على انغماس حزب الله في الصراع الدائر في سوريا. وما لبثت نيرانها أن خمدت حتى دوّى في طرابلس المدينة السنيّة انفجاران على بعد دقائق من بعضهما البعض، في ما يشبه الردّ على قاعدة العين بالعين والسنّ بالسنّ. لم يتوقّف المسلسل الإرهابي، فجاء انفجار السفارة الإيرانيّة الذي ضمّ إلى ضحاياه دبلوماسياً إيرانياً. سريعاً اتُّهمت السعوديّة بالوقوف وراء تفجير السفارة الإيرانيّة. واليوم وبتقارب مخيف، يسقط الوجه الدبلوماسي الأول لدى "تيّار المستقبل"، أكثر الأحزاب قرباً من المملكة السعوديّة. قد لا يكون لهذه التفجيرات أي ارتباط في ما بينها، لكن تسلسلها ضمن منطق الإرهاب والإرهاب المضاد واشتعال الشعور المذهبي من جرائها يفتح على البلد الصغير أبواب جهنّم.

أما في الهدف، فالضحيّة المختارة محمد شطح كان رمز الاعتدال في زمن يعلو فيه صوت التطرّف والتكفير والتكفير المضاد. وهنا بيت القصيد. فقد أفضى الربيع العربي، أي ما كان في البدء ثورة شعوب تطالب بالمشاركة وبحقوقها الأساسيّة إلى صراع ما بين مجموعات دينيّة وسلطات قمعيّة.هكذا استقرّت الأمور في مصر. أما في سوريا، فقد وجد النظام في محاربة الأصوليّة خشبة خلاص تبرّر وجوده وتبرّر لحزب الله حليفه إعادة تصويب بنادقه من مواجهة إسرائيل إلى الداخل العربي. حتى أن ثمّة من يقول إن بعض هذه المجموعات أطلقها النظام من سجونه لكي تملأ الوظيفة المهيأة لها. أما التكفيريّون، فقد وجدوا فرصة ذهبيّة وساحة خالية لأحلامهم ومشاريعهم التسلطيّة، ساحات خلت نتيجة تراجع لا بل تخاذل المجتمع الدولي عن تحمّل مسؤولياته لجهة احترام حقوق الإنسان ووضع حدّ للمجازر والجرائم واقتلاع المواطنين من قراهم وديارهم وتنظيم القوّة في خدمة القانون. قد يبدو الأمر ساخراً مقززاً للوهلة الأولى، لكن الواقع المرير هو أن القوى السائدة هي إما قوى علمانيّة قمعيّة أو منظمات اتخذت من الجهاد سبيلاً.. بعضها اعتمد أيديولوجيا الممانعة خطاً وبعضها الآخر اتخذ من التكفير نهجاً. أما الإثنان، فلم يتوانا عن اعتماد الإرهاب وسيلةً ولغة التخوين خطاباً. ومن المفارقة بمكان أن هذَين الفريقَين المتصارعَين يشكلان ثنائيّة، يناصب كلّ طرف فيها العداء المطلق للطرف الآخر، لكنهما في حال من التحالف الوجودي إذ إن كل واحد منهما يشكّل مبرراً لا بل مسبباً لوجود الآخر. وفي هذه الثنائيّة القائمة على التطرّف والمنطق الإلغائي، لا مكان لطرف ثالث من أمثال محمد شطح.. صوت ينادي بمنطق الإصلاح والمشاركة والديمقراطيّة، صوت المنطق والاعتدال. فالساعة هي ساعة جنون وحرب مذهبيّة لا هوادة فيها. درب الإصلاح والتقدّم تراجع لصالح سباق نحو جهنّم. وفي ما يشبه الحدس لا بل الوصيّة وقبل أسابيع من مصرعه شهيداً للاعتدال، غرّد محمد شطح على موقع "تويتر" فكتب "المطلوب: تحالف يضمّ جميع من يرفض الإسلام السياسي بنسختَيه الشيعيّة والسنيّة ويرفض في الوقت نفسه الأنظمة العلمانيّة المتسلطة كبديل لهما".

More from Sami Nader

Recommended Articles