تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العين بالعين.. ودولة القانون

One of the nine newly released Lebanese hostages, who were held by rebels in northern Syria, carries a Hezbollah flag as he is welcomed by his relatives upon his arrival at Beirut international airport, October 19, 2013. A plane with nine Lebanese hostages freed from northern Syria landed safely in Beirut on Saturday night, witnesses said, nearly a year and a half after the men were captured by Syrian rebels near the Turkish border. REUTERS/Mohamed Azakir  (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTX14H60

أثارت عمليّة تبادل المخطوفين ما بين تركيا وحزب الله أكثر من سؤال، لجهة توقيتها ودور الأفرقاء كافة في عمليّة الإفراج هذه. كان مفاجئاً للوهلة الأولى ظهور قطر في دور الوسيط، لما يحمل ذلك من مدلولات على مستوى التحوّلات الأخيرة على الساحة الإقليميّة. أما في إخراجها، فكان ملفتاً تخطّي قوى الأمر الواقع الدولة اللبنانيّة وسقوط ورقة التين التي كانت تخفي عيوب البلد الصغير الذي بدا فاقداً أهمّ مقوّمات سيادته وهيبة مؤسّساته وعلى رأسها سلكه القضائي وأجهزته الأمنيّة.

في الإيجابيات، إذا ما دلت عمليّة تبادل المخطوفين إلى شيء إنما تدلّ أولاً إلى أن الأفرقاء المتصارعين على الساحة السوريّة بإمكانهم ولوج طريق المفاوضة إذا ما تراءى لهم مصلحة في ذلك وإذا ما تبيّن لهم أن لا تغيير في موازين القوى أقله على المدى القريب. والملاحظة الثانية التي يمكن تصنيفها إيجابيّة، هي أن لهذه القوى الخارجيّة تأثيراً فاعلاً على المجموعات والفصائل المتحاربة في الداخل، قد يكون بالإمكان توظيفها في اللحظة المناسبة باتجاه تسوية متوازنة وعقلانيّة. وقد يشكّل هذان المعطيان عاملاً دافعاً باتجاه تغليب منطق المفاوضة على منطق المواجهة العسكريّة، بخاصة بعدما بلغت مأساة الشعب السوري حداً لا يمكن لأي ضمير تقبّله وبعد أن تجلى أن ما من إمكانيّة لتغيير موازين القوى على المستوى الميداني.

وما يعزّز منطق العودة إلى لغة المفاوضة هو الدور الذي استطاعت قطر أن تقوم به في عمليّة تحرير المعتقلين، وذلك بقبول إيراني وموافقة تركيّة يتّسم كلاهما بالعقلانيّة والبراغماتيّة. وعلى الرغم من محاولة البعض تصوير الدور القطري على أنه انقلاب رأساً على عقب في الموقف والدور، يبقى أن تحرّك الدوحة هذا ليس سوى باكورة السياسة الجديدة الذي باشرت بها مع وصول الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى السلطة. فالانقلاب الحقيقي في قطر إن جاز تعبير "انقلاب"، هو وصول الرئيس الشاب إلى الموقع الأول بعد إبعاد الأمير حمد بن جاسم والمسافة الذي أخذها الأمير الشاب من المنظمات الجهاديّة والحركات الأصوليّة. ولم يكن غريباً العودة إلى دور الوسيط الذي طالما اضطلعت به الإمارة الصغيرة في جميع الميادين السياسيّة والاقتصاديّة، والذي ساهم في إشعاعها الدبلوماسي وتثبيت دورها المميّز على الساحة الدوليّة.

أما على صعيد تداعيات عمليّة تبادل المخطوفين على الداخل اللبناني، فلا بدّ أولاً من التأكيد أن ما من أحد في لبنان ولا في خارجه إلا وفرح لعودة هؤلاء إلى أهلهم وديارهم. وذلك بخاصة وأن عمليات الخطف والخطف المضاد أعادت إلى ذاكرة اللبنانيّين مشاهد الحرب الأهليّة، عندما كانت هذه الممارسات عنواناً لغياب دولة القانون ولسيادة شريعة الغاب. لكن عمليّة الإفراج هذه حملت في طياتها حزناً عميقاً لأنها كشفت النقاب عن حقائق مرّة إما طمسها النسيان أو تعوّد عليها اللبنانيّون فأصبحت روتيناً وجزءاً من حياتهم اليوميّة. كذلك جاءت هذه العمليّة بعبر ودروس، لا سيّما تكريس "منطق العين بالعين والسنّ بالسنّ"، التي هي على نقيض مبادىء القانون والعدالة التي تُبنى عليها الدولة.

فمشهد المخطوفين المحرّرين عاد وذكّر بأعداد المعتقلين في السجون السوريّة الذي ما زال مصيرهم مجهولاً على الرغم من سعي معظم القيادات السياسيّة المقرّبة من النظام لمعرفة مصيرهم. كذلك ذكّرت بمخطوفين آخرين من أمثال جوزف صادر الذي غادر مقرّ عمله يوماً في مطار بيروت ولم يعد يُعرف عنه شيء. وقد أعادت أيضاً إلى الضمائر مصير الأب الإيطالي باولو دالوليو الذي فُقد أثره مؤخراً في مدينة الرقّة السوريّة. وأمرّ ما في الأمر هو العبر المستخلصة والتي يتهامسها سراً أو حتى يجاهر بها علناً اللبنانيون المتعاطفون مع بقيّة الأسرى والمخطوفين. فقد راح بعض منهم يردّد: الخطف يجب أن يواجَه بالخطف المضاد. ثم يردفون: لو لم تتمّ عمليّة اختطاف الطيارَين التركيَّين، لما كان عاد مخطوفو أعزاز إلى ديارهم. لكن كيف يعود هؤلاء ولا يعود المطرانان المحتجزان أو سائر الصحافيّين المحتجزين على الأراضي السوريّة؟  وما يضفي على الجرح ألماً هو هذا الشعور بالكبت وسياسة الكيل بمكيالَين وسيادة منطق القوّة الخارجة عن سلطة القانون والعقد الاجتماعي.

وكم بدت القوى الأمنيّة اللبنانيّة في موقع العاجز عندما ظهر للعيان أن المخطوفَين التركيَّين كانا طيلة فترة احتجازهما على الأراضي اللبنانيّة، من غير أن تتمكّن الأجهزة الأمنيّة من كشف موقعهما. وقد لامس العجز حدود السخرية، عندما تمّت عمليّة مواكبة الطيارَين إلى مطار بيروت أمام مرأى تلك الأجهزة ومسمعها. وما زاد الطين بلّة وأطاح بما تبقى من مصداقيّة الدولة اللبنانيّة هو الإفراج عن المتّهمين بخطف الطيارَين بقرار صادر عن القضاء اللبناني، الأمر الذي استوجب أكثر من تساؤل حول استقلاليّة القضاء وحصانته أمام ضغوطات قوى الأمر الواقع

باختصار، عاد المحتجزون إلى ديارهم ليس من خلال سعي الدولة المولجة حمايتهم والدفاع عنهم، إنما بمنطق وجهد قوى الأمر الواقع وعرّابيها الإقليميّين. وقد أتى ذلك على حساب مصداقيّة الدولة بأجهزتها الأمنيّة والقضائيّة، أي مقوّماتها السياديّة الأولى. وكم كان ملفتاً الاستقبال الذي لاقاه الأبطال العائدون، فظهرت على الشاشات الرايات الحزبيّة وقد غطّت الشوارع وهي ليست في الواقع سوى رايات الطوائف، بينما غاب العلم اللبناني. وهكذا عاد المحتجزون محرّرون إلى طوائفهم.. أما الدولة اللبنانيّة فتبقى أسيرة في حين أن مستقبل الشعب اللبناني مخطوف.