تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثقافة العراقيّة: إخفاقات متوارثة ودور "تنويري" يسقط

ما انفكّت الأنشطة التي بدأت تتحرّك مجدداً في المشهد الثقافي العراقي تستعيد أمراضها المتوارثة عبر اعتماد كلي على الحكومة كما في أيام نظام الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين.
An Iraqi man armed with an AK-47 stands guard in front of a cinema in
Baghdad, May 23, 2003. Shi'ite conservative muslims have warned cinemas
not to play erotic movies. A month after Saddam's fall, theaters have
already started to show European, Turkish or American movies containing
nudity, but are feeling the pressure from clerics to stop airing them.
REUTERS/Jamal Saidi

JD/WS - RTRO57Y

ما انفكّت الأنشطة التي بدأت تتحرّك مجدداً في المشهد الثقافي العراقي تستعيد أمراضها المتوارثة عبر اعتماد كلي على الحكومة كما في أيام النظام السابق (نظام الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين)، فثمّة ركون إلى مؤسّسات الحكومة المركزيّة أو المحليّة (في المحافظات) واستجداء قادتها ومسؤولي أحزابها وقواها المتنفّذة.

ومن موروث الثقافة العراقيّة الحاضر راهنا «نبرة مديح السلطة». فثمّة عدد لا يستهان به ممّن كانوا يمدحون الدكتاتور، تحول إلى مديح سلطة معارضيه الحاكمة اليوم. والمؤسّسات الثقافيّة العراقيّة الرسميّة مثلما كانت قد ابتليت بأبواق للنظام السابق، تبتلى اليوم بأبواق الموالاة للأجهزة والقوى المتنفّذة.

وكان ثمّة تعويل من جمهرة العاملين في مجال الثقافة العراقيّة على اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربيّة 2013، لجهة استعادة الثقافة بعضاً من الأسس الماديّة التي تمكّنها من تعزيز الدور "التنويري" الذي لطالما ارتبطت به، وذلك عبر تغيير إيجابي في قضيّة بدت الأكثر إلحاحاً: إقامة بنية تحتيّة حقيقيّة عمادها المسارح وصالات العرض السينمائي والتشكيلي المتطوّرة. لكن مثل هذا التعويل بدا خائباً. فيقول الشاعر والكاتب العراقي هاشم شفيق "رُصدت لـ’بغداد عاصمة للثقافة العربيّة‘ موازنة هائلة بلغت أكثر من نصف مليار دولار". ماذا حدث لهذا المبلغ الطائل وأين صُرف وعلى من؟ باختصار، لم يُصرف على نشاطات وندوات ودعوات في سياق بغداد عاصمة للثقافة العراقيّة إلا أقلّ من خمسة ملايين دولار، ثلاثة منها ذهبت لاستئجار خيمة تركيّة في حفلة الافتتاح، وكانت تكلفة إيجارها لليوم الواحد مليون دولار.

وفيما يستمرّ "مسرح الرشيد" خرائب وحطام جرّاء الحريق المتعمَّد الذي تعرّض له بعد وقت قصير من انتهاء الحرب الأميركيّة في العام 2003، يستمرّ أيضاً عجز وزارة الثقافة العراقيّة عن إعادة إعمار المسرح المنكوب على الرغم من الادعاءات الكثيرة بأنها ستنجز أعماره، مثلما يستمرّ إغلاق "قاعة الشعب" التراثيّة في بغداد على الرغم من قدرتها على احتضان الكثير من العروض الجماليّة في المسرح والموسيقى والسينما.

ويصبّ كتّاب وصحافيّون ومثقّفون عراقيّون جام غضبهم على وزارة الثقافة وعلى إسنادها لشخصيّة هي عسكريّة في الأساس، في إشارة إلى الوزير سعدون الدليمي (المكلف بحقيبة وزارة الدفاع بالوكالة أيضاً).

فيقول الكاتب داود البصري إن "وزارة الثقافة العراقيّة لا يقودها مثقّفون بل يقودها عسكر وأي عسكر؟ تصوّروا لقد كان نظام البعث البائد يمجّد القوة والعنف بشعاره المعروف "للقلم والبندقيّة فوهة واحدة"! واليوم، كأن الزمن لم يتغيّر. نشاهد على رأس وزارة الثقافة العراقيّة جنرالاً لا علاقة له بالثقافة ولا بالمثقّفين".

إلى جانب "الانسحاق" الذي يتعرّض له "الدور التنويري" المفترض للثقافة العراقيّة تحت ماكينة الحكومة، ثمّة تهديدات لحريّة التعبير تصدر عن قيادات ومرجعيات دينيّة متنفّذة. فالمرجع الديني محمد اليعقوبي حمل بقوّة على الحكومة العراقيّة لإقامتها فعاليات "بغداد عاصمة للثقافة العربيّة " بالتزامن مع ذكرى استشهاد السيدة فاطمة الزهراء، في إشارة الى ذكرى وفاة ابنة النبي محمد.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى حادثة طرد مسؤول ثقافي من منصبه بسبب عرض مسرحي أوجب ولضرورات فنيّة أن تؤدّي ممثلة دورها مع إيحاءات بأنها تتعرّى. وذلك من المؤشّرات التي تدلّ على ضيق أفق التفكير الذي تتعاطى وفقه المؤسّسات الثقافيّة الكبرى في البلاد.

والشاعر هاشم شفيق ليس وحده من يخلص إلى القول "إنها كذبة كبيرة، أن تكون بغداد عاصمة للثقافة العربيّة. فالثقافة الآن هي في أيدي أناس يجهلون كلمة الثقافة ومعنى دور المثقّف"، بل يشاركه في ذلك كثيرون من أدباء بلاده ومثقّفيها وفنّانيها. لكن ما يجعل صرخاتهم تضيع هباء، هو صوت العنف الأكثر تأثيراً اليوم والذي يكاد يطغى على كلّ صوت آخر.