تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

آثار إسلاميّة ومسيحيّة منتهكة في غزّة

Khan Younis.jpg

لو كان للآثار العتيقة في قطاع غزّة فماً ولساناً، لصرخت بأعلى صوتها طالبةً الإغاثة بسبب حجم الانتهاكات البشريّة التي تتعرّض إليها، من خلال التعدّي على حرمتها وهدمها وبناء المساكن الجديدة فوقها بالإضافة إلى سرقتها وطمسها وعدم منحها الاهتمام الكافي.
ويشير المؤرّخ الفلسطيني ناصر اليافاوي أن هذه الآثار الإسلاميّة والمسيحيّة في فلسطين التي مضى عليها مئات وربما آلاف السنين، تتعرّض للانتهاك بشكل مستمر. أما الأسباب فتختلف، منها البناء المعماري فوقها والإهمال الحكومي لها أو سرقتها من قبل الاحتلال الإسرائيلي أو الاستيلاء عليها من قبل مجموعة من تجار وقراصنة الآثار في غزّة.

ويوضح اليافاوي في حديث إلى "المونيتور" أن معظم آثار غزّة تتمّ قرصنتها وهدمها أمام الناظرين، إما لأغراض إنشائيّة معماريّة أو لجهل التأثير الحضاري لهذه الآثار، لافتاً إلى أن العاملين لدى السلطات المحليّة في مجال حماية الآثار غير مؤهّلين للتعامل معها.
ومن أبرز هذه المواقع الأثريّة التي تتعرّض للانتهاك بشكل مستمرّ، قلعة برقوق في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزّة والتي تعدّ خامس أهمّ معلم إسلامي في فلسطين.

وعن هذا الموقع الأثري يقول اليافاوي "إنها المنشأة الأولى التي أقامها المماليك لتثبيت حكمهم على أرض فلسطين، وقد أسّسها الأمير يونس بن عبد الله الداودار النورزي في عهد السلطان المملوكي برقوق في العام 1387، بهدف جعلها نقطة التقاء للتجار العابرين ما بين مصر وبلاد الشام بالإضافة إلى جعلها حامية عسكريّة.

وتحدّث عن تعديات المواطنين على هذه القلعة التي تمتدّ على مساحة 16 دونماً والتي لم يتبقَ منها سوى 10% فقط، مشيراً إلى أن بعض الناس أنشأوا مساكن لهم فوق أجزاء كبيرة من هذه القلعة من دون أن تردعهم عن ذلك الحكومات السابقة في غزّة.
إلى ذلك، ثمّة العديد من المحال التجاريّة والأسواق وورش السيارات والبسطات العشوائيّة التي أنشئت حديثاً على الأجزاء المتبقّية من جدرانه.

فيطالب هنا رئيس جمعيّة القلعة للتراث محمد الفرا بضرورة التدخّل الحكومي الرادع لوقف تعديات المواطنين المستمرّة على حرم القلعة وإعادة هيبتها التاريخيّة لها، محذّراً من خطر حقيقي قد يؤدّي إلى اندثارها.

ويقول الفرا في حديث إلى "المونيتور" إن "الاعتداءات السكنيّة على القلعة بدأت منذ الحرب العالميّة الأولى، مروراً بالحكم المصري للقطاع وصولاً إلى مرحلة الاحتلال الإسرائيلي. وهي لا تنتهي بفترة حكم السلطة الفلسطينيّة وسيطرة حركة حماس على غزّة".
وكانت الجمعيّة قد رفعت دعوى قضائيّة في محكمة العدل العليا في غزّة للمطالبة بإزالة التعديات بحقّ القلعة التاريخيّة وإلزام وزير الأوقاف بإعلان قلعة برقوق وقفاً إسلامياً، إلا أن الدعوى قوبلت بالرفض لأسباب متعدّدة منها دعوى حماية الأمن المجتمعي.
ويلفت الفرا النظر إلى وجود تقصير كبير تجاه هذه القلعة من قبل الجهات المعنيّة بالحفاظ على التراث والآثار، مشيراً إلى أن وزارة السياحة والآثار في مرحلة من المراحل لم تذكر قلعة برقوق ضمن الآثار في فلسطين، الأمر الذي تداركته في ما بعد.
من ناحيته، يوضح وكيل وزارة السياحة والآثار في حكومة غزّة محمد خلة لـ"المونيتور" أن ضعف الإمكانيات الماديّة يقف عقبة أمام ردع تعديات المواطنين الذين يسكنون في داخل منطقة القلعة والذين اعتدوا على حرمها.

ويقول "للأسف، عندما حاولنا القيام بدراسة لإعادة ترميم القلعة التاريخيّة، وجدنا أن معظم الأراضي في داخلها هي ملك شرعي لأصحابها، إذ منحت الحكومات والبلديات السابقة أولئك الناس الحقّ بالبناء والسكن في حرم القلعة. وهذا يُلزمنا بالتعويض على السكان لإخراجهم منها، لكن الحكومة لا تملك الإمكانيات الماديّة لذلك".

قلعة برقوق ليست الوحيدة التي تتعرّض للإهمال  وهي غير محميّة من العبث. فثمّة إهمال شبه منظّم لمعظم المواقع الأثريّة في قطاع غزّة، أبرزها تلة أم عامر التي تحتضن أقدم دير مسيحي في فلسطين يعود للقديس هيلاريوس، وقد شُيّد في القرن الثالث ميلادي غرب مدينة النصيرات وسط القطاع.

بالنسبة إلى ناصر اليافاوي، فإن هذا الموقع الأثري القديم يتعرّض لإهمال كبير من قبل حكومة غزّة، لناحية تركه عرضة للنهب من قبل تجّار الآثار وعدم حمايته بالشكل المطلوب أو إقامة جدار حوله.

لكن محمد خلة يردّ قائلاً إن "هذا الموقع سُلّم إلى المدرسة الفرنسيّة بإشراف من منظمة اليونسكو المتخصصة بالآثار والمقدّسات. وقد أوقفت المنظمة مشروعها بسبب أزمات ماليّة تعرّضت لها وليس لهذا بعد سياسي أو أمني بالمطلق".

قطاع غزّة الذي يشكّل جسراً ربط بين بلاد الشام ومصر، يحتضن بقايا حضارات كثيرة وكبيرة من العالم القديم. فإلى جانب المواقع الأثريّة المذكورة سالفاً، يوجد هنا أقدم ميناء في الشرق الأوسط وهو "ميناء الأبلاخية (أنثيدون)" الذي يعود إلى الفترة الآشوريّة واليونانيّة والرومانيّة الممتدّة ما بين العام 1200 قبل الميلاد  والعام 324 ميلادي. وهو يقع على بعد ستّة كيلومترات تقريباً شمال غرب مدينة غزّة، ويغطّي مساحة تقدّر بنحو 180 دونماً.

وهذا الموقع الفريد الذي ما زالت أجزاء منه مدفونة تحت التراب، تستخدمه كتائب القسّام الجناح العسكري لحركة حماس التي تحكم غزّة لأغراض التدريب العسكري لعناصرها، الأمر الذي جعله عرضة لقصف الطيران الإسرائيلي بشكل مستمرّ.
فيقول اليافاوي إن "هذا الميناء يحتوي على آثار رومانيّة قديمة منها هياكل وتماثيل وقطع فخاريّة وأشكال فسيفساء رائعة وأعمدة قديمة، تعرّض جزء منها للتدمير والسحق لأجل إنشاء موقع عسكري تدريبي"، مشيراً إلى أن عدداً من المهتمين بالآثار في غزّة اشتكوا من هذه الإجراءات ولكنهم تعرّضوا للاعتقال.

من جهته يقول خلة إن موقع "الإبلاخيّة" تعرّض للاعتداءات الكثيرة منذ اكتشافه في العام 1996، وظلّ عرضة للنهب والسلب من قبل تجّار الآثار طوال السنوات الماضية.

واعترف خلة بأن الوزارة منحت ترخيصاً لاستخدام المكان كمركز تدريب لعناصر مسلّحة مراعاة لظروف قلّة الأراضي الخالية، شريطة عدم تعريض ما يحويه للضرر أو المخاطر وأن يتمّ إخلاؤه في حال أرادت الوزارة التنقيب في الموقع.
وعلى الرغم من موقع التدريب في داخل الميناء القديم الذي يجعله عرضة للقصف الإسرائيلي، إلا أن خلة يقول "في حال تعرّض الموقع للقصف فإن ذلك لن يؤثّر على سلامة الآثار الموجودة فيه".

كثيرة هي المواقع الأثريّة في قطاع غزّة التي تتعرّض للاعتداءات. ومع تعاظم حجم المخاطر التي تهدّد تاريخ حضارات قديمة عاشت آلاف السنين، يزداد الإلحاح على السلطات المحليّة لمنح هذه المواقع الأثريّة المزيد من الاهتمام وتوفير الحماية الكاملة لها وخلق توازن ما بين السعي نحو مستقبل جيد والحفاظ على ماضٍ عريق.

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial