تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

نساء غزّة المعنّفات.. صمت مطبق أو صرخات بلا صدى

Palestinians women participate in a demonstration against the growing chaos in the Palestinian territories outside Palestinian President Mahmoud Abbas' headquarters in Gaza City December 20, 2005. Abbas has vowed to end armed chaos in Gaza and the West Bank. A Palestinian human rights group said that over 200 Palestinians have been killed in feuds and internal violence in 2005 in growing lawlessness. REUTERS/Mohammed Salem - RTR1BCF3

قبل أن تبدأ بالحديث، أصرّت المرأة الشابة على حصولها على ضمانات عدّة ومنها عدم ذكر اسمها أو إخبار المؤسّسات المتخصّصة في مجال رعاية النساء المعنّفات عنها وعن حكايتها. وعلى الرغم من المحاولات العديدة لطمأنتها، إلا أنها وطيلة مدّة لقائها بـ"المونيتور" لم تكفّ عن الالتفات خلفها خشية أن يراها زوجها أو أحد أقاربه.

في أحد الأماكن العامة في مدينة غزّة، جلست ابتسام (اسم مستعار) ابنة السابعة والعشرين عاماً التي تسكن بلدة بيت حانون شمال القطاع، وقد غطّت ضمادة إحدى عينيها نتيجة تعرّضها إلى لكمة من زوجها. في البداية لم تشكّل لها إصابتها تلك دافعاً للحديث، لكن الأمل في إحداث تغيير ما في حياتها جعلها في النهاية تروي بعض تفاصيل حكاية تعرّضها إلى العنف والضرب والتهديد بالقتل بشكل مستمرّ من قبل زوجها.

ابتسام ليست المرأة المتزوّجة الوحيدة التي تعرّضت إلى العنف. وتصل نسبة النساء المتزوّجات في الأراضي الفلسطينيّة اللواتي تعرّضن إلى العنف الأسري من قبل أزواجهنّ، إلى 37%. وتعيش 51% من هؤلاء النساء المعنّفات في قطاع غزّة، وفقاً لآخر دراسة أعدّها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني والتي صدرت نتائجها في العام 2012.

فتروي المرأة الشابة بصوت منخفض خشية أن  يسمعها المارة، "طعام العشاء لم يعجب زوجي، فوجّه إليّ لكمةً أصابت عيني. وكثيراً ما أتعرّض إلى الضرب المبرح لأسباب واهية. فأنا أتعرّض إلى الإهانة وبقسوة، ولا أجد من يستمع إلي أو يساعدني".

تغصّ ابتسام وهي تروي مصابها، إلا أن عينيها لم تذرف أي دموع.. كأنها تحجّرت في داخل مقلتيها. فتضيف وهي تحاول الحفاظ على رباطة جأشها "لا يأبه أحد لحالي. وهذا ما جعل زوجي يزيد من وتيرة اعتدائه عليّ وشتمه لي. حتى أنه يسمح لوالدته وشقيقاته بضربي عند حدوث أي خلاف عائلي".

وتوضح الشابة صاحبة الملامح البدويّة أنها لا تستطيع إخبار أحد بما تتعرّض إليه لسببَين اثنَين، أوّلهما أن أهلها لا يأبهون بما تتعرّض إليه وثانيهما لخوفها من تهديدات زوجها بالقتل في حال تحدّثت إلى أي كان. حتى أنها عندما قصدت أحد الأطباء لمعلاجة عينها، زعمت أنها "سقطت من على السلّم".

وابتسام تخشى تهديدات زوجها وتأخذها على محمل الجدّ. فهي تذكر جيداً حادثة إقدام أحد المواطنين على قتل زوجته البالغة من العمر 62 عاماً طعناً بالسكين في منطقة القرارة شمال مدينة خان يونس جنوب قطاع غزّة في 16 تموز/يوليو الماضي.

والزوج ليس هو فقط معنّف المرأة. فثمّة حالات يكون فيها المعتدي شخصاً آخر أو أشخاصاً آخرين من داخل دائرة عائلة الزوج، مثلما حدث مع نوال قديح (26 عاماً) الحامل في شهرها السادس من بلدة خزاعة شرق مدينة خان يونس في 25 تموز/مايو الماضي، عندما اجتمعت والدة زوجها وشقيقاته وشرعن بضربها بآلات حادة على رأسها وظهرها وخنقها حتى الموت. فذهبت ضحيّة هذا الاعتداء المرأة الشابة وكذلك جنينها.

وقد سجّلت أكثر من 400 حالة عنف شديد ضدّ النساء، منها 16 حالة قتل في خلال العام الجاري في الأراضي الفلسطينيّة، بحسب ما كشف "المركز الفلسطيني للديمقراطيّة وحلّ النزاعات" في خلال لقاء نظّمه حول دور الإعلام في قضايا قتل النساء في 27 آب/أغسطس الماضي.

ولعلّ ما يزيد من وتيرة هذه الاعتداءات، هو خيار المرأة التزام الصمت وعدم الشكوى لأي كان. فقد قرّرت 66% من النساء المعنّفات الصمت وعدم إبلاغ أحد، فيما تبلغ نسبة من هجرن أزواجهن وعدن إلى كنف عائلاتهنّ 37.7%. أما اللواتي لجأن  إلى استشارة مراكز نسويّة، فلم تتخطّ نسبتهنّ 0.7%، وفقاً لدراسة جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني الآنفة الذكر.

وتعليقاً على هذه البيانات، تقول مديرة مركز شؤون المرأة آمال صيام "ليس من السهل أن تتحدّث المرأة المعنّفة عن هذه القضيّة إلا في حيّز ضيق جداً، نظراً لطبيعة مجتمعنا الذكوري المحافظ على العادات والتقاليد التي تجرّم اشتكاء المرأة زوجها وتعتبره فعلاً وقحاً".

وتوضح صيام في حديث إلى "المونيتور" أن هذه النظرة المجتمعيّة تزيد من احتمالات تعرّض المرأة إلى العنف الجسدي وغيره، مشيرةً إلى أنه ومنذ مطلع العام الجاري وصلت إلى العيادة القانونيّة الخاصة بمركزها نحو مئة حالة تمّ التعامل مع نصفها تقريباً. ونحو 50 امرأة فقط رفعن قضايا عبر المحاكم المتخصّصة لاسترداد حقوقهنّ، منها قضايا تتعلّق بالأخلاق ونفقات الطلاق والميراث".

وثمّة أشكال عديدة للعنف الذي تتعرّض إليه المرأة الفلسطينيّة. وبحسب ما يشير جهاز الإحصاء الفلسطيني في الدراسة ذاتها، فإن 76.4% من النساء المعنّفات في غزّة تعرّضن إلى العنف النفسي فيما تعرّضت 34.8% منهنّ إلى العنف الجسدي و14.9% إلى العنف الجنسي و78.9% إلى العنف الاجتماعي و88.3% إلى العنف الاقتصادي.

وعلى الرغم من تأكيد صيام على حقّ المرأة باشتكاء زوجها إلى الجهات المتخصّصة كافة في حال تعرّضت إلى أي شكل من أشكال العنف، إلا أنها تشير إلى أن ً"النساء اللواتي يتحدثّن عما أصابهنّ أو يقصدن الشرطة لتقديم شكوى بحقّ أزواجهن، لا يشكّلن إلا عدداً متواضعاً جداً. فالمجتمع لا ينصف المرأة ويعتبر شكواها عيباً". تضيف "لكن على المجتمع أن يعيب الرجل الذي يؤذي زوجته ويضربها"، واصفةً تعامل الشرطة مع هذه الحالات بـ"الخجول".

لكن الناطق الرسمي باسم جهاز الشرطة في غزّة أيوب أبو شعر، فيشدّد على أن الشرطة تتعامل مع مثل هذه الشكاوى وفقاً للقانون إذا ما تعرّضت المرأة إلى الأذى والضرب وقدّمت تقريراً طبياً يثبت ذلك. يضيف أنه في حال خلا العنف من إلحاق الأذى (الجسدي) فإن الشكوى تحوّل إلى دائرة العلاقات العامة من أجل حلّها ودياً ما بين الزوج وزوجته تجنباً لوقوع طلاق بينهما.

ويوضح في حديث إلى "المونيتور"، "نحن لا نرغب في حدوث طلاق ما بين الرجل وزوجته، لذلك نحاول حلّ المشكلة ودياً من دون تسجيل شكوى. ولكن في حال أصرّت الزوجة على ذلك، نسجّلها ونستدعي المعتدي ونحقّق معه ونحوّله إلى النيابة وفقاً للقانون تماماً".

ويشير أبو شعر إلى أن الشرطة ترفض نشر إحصاءات حول أعداد النساء اللواتي يتقدّمن بشكاوى بحقّ أزواجهن أو اللواتي يتعرّضن إلى العنف، كي لا يمثّل ذلك تشجيعاً لنساء أخريات على اشتكاء أزواجهن للشرطة، كون هذا الفعل يُعدّ منبوذاً مجتمعياً.