تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حزب الله: فشل تجربة

Lebanese army soldiers are deployed on their armoured vehicles in Beirut's southern suburbs September 23, 2013. Lebanese security personnel were deployed today in the southern suburbs of Beirut, part of a move to take over the checkpoints set up by Hezbollah after recent car bombings targeted the area, according to the local media. REUTERS/Sharif Karim (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTX13WWO

دخلت وحدات قليلة العدد من الجيش وقوى الأمن الداخلي اللبناني إلى الضاحية الجنوبيّة معقل حزب الله في بيروت. وطوال السنوات الماضية، كان تواجد المؤسّسات الأمنيّة اللبنانيّة في تلك المنطقة رمزياً، نظراً لكون حزب الله أنشأ فيها مربّعات أمنيّة محميّة عسكرياً من قبله بشكل غير مرئي، تتواجد فيها مراكز قياداته المختلفة لا سيّما منها تلك الخاصة بالمقاومة.

وجاء هذا التطوّر بعد تعرّض الضاحية الجنوبيّة لبيروت في النصف الثاني من فصل الصيف المنصرم (2013) إلى تفجيرَين كبيرَين أوّلهما في محلّة بئر العبد والثاني في حيّ الرويس. وقبل يومَين نشرت مصادر أمنيّة لبنانيّة معلومات عن أن مرتكبي التفجير الأخير، هم سلفيّون لبنانيّون وسوريّون مرتبطون بجهة أصوليّة متطرّفة في سوريا. وما زال الحزب يخشى استمرار هذه التفجيرات ضدّ معقله في الضاحية الجنوبيّة، انطلاقاً من أن الجهة التي تقف وراءها تريد الضغط عليه كي يسحب عناصره العسكريّة من سوريا. وقد شكّلت هذه الخشية حاجة لدى الحزب كي ينفّذ خطّة أمنيّة في داخل الضاحية الجنوبيّة، فنشر بموجبها حواجزه الأمنيّة على المفاصل الأساسية لطرقاتها وأحيائها وأخذت عناصره تمارس مهام الدولة في تفحّص السيارات التي تمرّ والتدقيق بهويات مستقليها. لكن مصادر مقرّبة من الحزب كشفت لـ"المونيتور" أن قيادة حزب الله بعد أسابيع عدّة من تنفيذ الخطّة الأمنيّة، أيقنت أنه فيما لو استمرّت بها فإن ذلك سيسيء إلى علاقة الحزب بمواطني الضاحية المصنّفين على إنهم قاعدته الاجتماعيّة الأكثر تأييداً له. ومردّ هذا الاستنتاج يعود إلى تعاظم ظاهرة تململ أبناء الضاحية من قيام حواجز الحزب بتعطيل سلاسة التنقّل والتسبّب في إحداث زحمة سير خانقة عند مداخل منطقتهم وفي داخل أحيائها. أضف إلى ذلك أن هذه الحواجز ارتكبت بعض التجاوزات، على الرغم من تشدّد الحزب في موضوع انضباطيّة عناصره. وانطلاقاً من خشيته من اتّساع نطاق تململ الأهالي وتحوّله مع الوقت إلى حالة صدام ما بين الحزب وقاعدته الاجتماعيّة في الضاحية، قرّرت قيادته البحث عن مخرج يضمن من ناحية استمرار المراقبة لمنع حدوث تفجيرات جديدة ما زالت متوقّعة من قبله، ومن جهة ثانية يضمن سحب عناصره وحواجزه من شوارع الضاحية لمنع تفاقم حالة تململ الأهالي منها. وكان القرار الأمثل من وجهة نظره، هو أن يفتح معقله أمام دخول الدولة لتمارس مهمّة حمايته من التفجيرات التي تتهدّده.

وعلى الرغم من أن عدد عناصر الجيش اللبناني والأمن الداخلي والأمن العام التي دخلت منذ أيام إلى الضاحية قليل، إلا أن هذه العمليّة لها رمزيّة سياسيّة هامة. فالضاحية كانت عملياً منطقة أمنيّة مقفلة لحزب الله، وكان وجود المؤسّسات الأمنيّة اللبنانيّة فيها شبه معدوم. حتى أن الجيش اللبناني كان بحاجة إلى تنسيق مسبق مع أمن الحزب فيما لو أراد الدخول إلى أحد أحيائها للقيام بإجراء أمني معيّن. لكن مع اضطلاع الجيش اليوم بمهمّة حماية الضاحية من استهدافها بالمتفجرات، أصبح متواجداً في داخل أحيائها ويقوم بممارسة مهامه الأمنيّة بشكل طبيعي .

وعلى الرغم من أن طلب حزب الله من الدولة نشر الجيش اللبناني في الضاحية أملته حاجة الحزب الموضوعيّة لهذا الإجراء، إلا أن مجرّد حصوله يُعتبر أمراً سياسياً مهماً انطلاقاً من اعتبارَين اثنين:

أوّلهما أن هذه الخطوة تسمح للمرّة الأولى منذ عقود عدّة بخلق نوع من التعايش المباشر ما بين مؤسّسات الدولة اللبنانيّة الأمنيّة والقاعدة الاجتماعيّة في الضاحية الجنوبيّة التي تضمّ نحو ربع مليون مواطن من الطائفة الشيعيّة (أي ربع شيعة لبنان تقريباً). فهذه الديموغرافيا انقطعت صلتها عملياً مع ثقافة "الامن الرسمي اللبناني" منذ الحرب الأهليّة في العام 1975. ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم، حفلت قصّة العلاقة ما بين الضاحية الجنوبيّة والمؤسّسات الأمنيّة اللبنانيّة بمسلسل صدامات متتالية. وبعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهليّة اللبنانيّة، ظلّت الأذرع الأمنيّة للدولة فعلياً في خارج الضاحية وجرى اعتراف ضمني بمربّعات حزب الله الأمنيّة فيه انطلاقاً من إنها على صلة بحاجات حماية المقاومة .

أما الأهميّة السياسيّة الثانية المتأتيّة عن انتشار الجيش في الضاحية، فتتمثّل بأن هذه الخطوة قد تشجّع على تعميمها على كافة المناطق اللبنانيّة. فليس سراً أن حضور الدولة متراجع في العديد من المناطق اللبنانيّة. ففي مناطق واسعة من شمال لبنان، تتقاسم المؤسّسات العسكريّة اللبنانيّة النفوذ مع المجموعات المسلحة السلفيّة الأصوليّة. ويشمل هذا الوضع عاصمة الشمال (طرابلس). وفي البقاع، توجد دوائر جغرافيّة ممنوع على الجيش دخولها مثل بلدة عرسال المحاذية للأراضي السوريّة. وهي تُعتبر قاعدة انطلاق خلفيّة لمجموعات المعارضة السوريّة المسلحة المتحالفة مع مجموعات سلفيّة لبنانيّة من أبناء البلدة ومنطقتها. والأمر نفسه يسود في عكّار التي شهدت في الأشهر الماضية أكثر من حادثة صدام مسلّح ما بين مجموعات مسلحة إسلاميّة فيه وبين الجيش اللبناني. وكانت مدينة صيدا عاصمة جنوب لبنان قد شهدت في خلال الصيف المنصرم اشتباكات عنيفة دامت نحو 48 ساعة ما بين القوى الأمنيّة الرسميّة اللبنانيّة وبين جماعة الشيخ السلفي أحمد الأسير الذي بنى له مربعاً أمنياً في ضاحيتها "عبرا "والذي حاول السيطرة على كلّ صيدا، ما قاد الجيش إلى تصفية حالته العسكريّة هناك. صحيح أن حزب الله يبدي انضباطاً في مناطقه، لكنه عملياً يمارس سيطرة أمنيّة كليّة عليها. وقد اعتادت كلّ البؤر الأمنيّة غير الشرعيّة في غير منطقة لبنانيّة، أن تشترط تسليم أسلحتها للجيش بأن ينهي الأخير مربّعات حزب الله الأمنيّة أولاً. وعلى هذا، فإن دخول الجيش اللبناني إلى أكبر معاقل الحزب الديموغرافيّة (الضاحية الجنوبيّة) خلق واقعة أمنيّة إيجابيّة تشجّع على تعميمها على كلّ المناطق اللبنانيّة المتفلّتة من قبضة الدولة اللبنانيّة. وثمّة رهان على أن يتوسّع نفوذ الدولة اللبنانيّة في الضاحية شيئاً فشيئاً، وذلك انطلاقاً من الاستنتاج القائل بأن حزب الله بعد تجربته في الأسابيع الماضية مع إنشاء حماية ذاتيّة لمنطقته، توصّل إلى قناعة تفيد بأن قاعدته الاجتماعيّة التي تقبّلته كمقاومة لن تتقبّله كبديل عن الدولة في مناطقها.

More from A correspondent in Beirut

Recommended Articles