تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

دور العلماء والخطباء الدينيّين في الصراع الطائفي

تلعب الخطب الدينيّة في المجتمع العراقي الذي يتميّز بهويات دينيّة متنوّعة، دوراً هاماً في أزمات البلد الاجتماعيّة والسياسيّة. أما دورها فمزدوج، يتأثّر بالخطباء الذين يساهمون بشكل جاد في مفاقمة الأزمة الطائفيّة حيناً وبالتخفيف من حدّتها حيناً آخر.
Iraqis carry a poster of top Shi'ite cleric Grand Ayatollah Ali al-Sistani during a demonstration in Najaf, 160 km (100 miles) south of Baghdad June 13, 2007. Dozens of residents took to the streets in Najaf protesting the latest bomb attack in Samarra's Golden Mosque Shi'ite shrine.     REUTERS/Ali Abu Shish    (IRAQ) - RTR1QQY3

تلعب الخطب الدينيّة في المجتمع العراقي الذي يتميّز بهويات دينيّة متنوّعة، دوراً هاماً في أزمات البلد الاجتماعيّة والسياسيّة. أما دورها فمزدوج، يتأثّر بالخطباء الذين يساهمون بشكل جاد في مفاقمة الأزمة الطائفيّة حيناً وفي التخفيف من حدّتها حيناً آخر. وبينما تحاول بعض الشخصيات الدينيّة العراقيّة  اعتماد خطاب تصالحي ومتسامح في المناسبات الدينيّة، يقوم عدد آخر منها بنشر الكراهيّة والعنف ضدّ الآخر بشكل مستمرّ. وبإمكان المتابع أن يشاهد الحالتَين في كلا المذهبَين الرئيسيَّين في البلاد: الشيعي والسنّي.

في الجانب الشيعي، يمثّل السيّد السيستاني الجانب المعتدل والمتسامح تجاه المذاهب والأديان في العراق، ويظهر ذلك جلياً من خلال بياناته ومواقفه الشخصيّة وما يصدر بشكل رسمي عن ممثليه الرسميّين. وثمّة أيضاً عمل مكثّف تقوم به شخصيات دينيّة شيعيّة لسدّ الهوة القائمة ما بين الشيعة والسنّة، ويتمّ ذلك من خلال مؤسّسات ومجالس حوار أبرزها مؤسّسة الإمام الخوئي التي تعمل بشكل منتظم مع شخصيات سنيّة وغير مسلمة لتقريب وجهات النظر والترويج للتسامح بين الأديان والمذاهب، وهي ساهمت أخيراً في تأسيس المجلس العراقي لحوار الأديان. في الجانب الآخر، ثمّة فئتان أخريان من الشخصيات الدينيّة الشيعيّة التي تؤجّج الصراع الطائفي بشكل ملحوظ. الفئة الأولى هم رجال الدين المساهمين بتأسيس وقيادة ميليشيات عسكريّة متورّطة باستخدام العنف في وجه أتباع المذاهب الأخرى. أما الفئة الثانية فهم الخطباء الذين يستغلون المناسبات الدينيّة لبثّ العداء والكراهيّة تجاه مقدّسات المذاهب الأخرى وأهل السنّة بالتحديد.

وفي الجانب السنّي أيضاً، ثمّة خطّ معتدل يمثّله الشيخ عبدالملك السعدي وهو أكبر شخصيّة دينيّة مقبولة عند سنّة العراق بخاصة في محافظة الأنبار. وقد عُرف الشيخ بخطابه الوطني الحذر الذي يتحاشى الوقوع في اللهجة الطائفيّة، ما سبّب له نقداً لاذعاً من قبل متشدّدي السنّة الذين اعتبروه متخاذلاً ومتهاوناً بسبب تصريحاته القائلة بأن لا فرق ما بين السنّة والشيعة وبأن كلّهم شركاء في الوطن. من جهة أخرى، فإن عدم أخذ الحكومة العراقيّة بطروحات السعدي في ما يتعلّق بحلّ الأزمة ما بين الحكومة والمحافظات السنيّة، قد أدّى الى إضعاف موقفه وتقوية موقف المتشدّدين من خطباء ورجال دين سنّة. وفي ما يتعلّق بالمتشدّدين، ثمّة عدد من الخطباء المتواجدين في داخل العراق أو في خارجه الذين يقومون بشكل صريح بالترويج للعنف ضدّ المذاهب الأخرى وبالتحديد الشيعة، فيسمّونهم بالروافض وبتعابير مهينة أخرى. أما الهدف من ذلك، فهو تحويل الصراع السياسي القائم إلى صراع طائفي ما بين الشيعة والسنّة.

وتشكّل القطيعة الواقعة بين الشخصيات الدينيّة في العراق أحد الأسباب الرئيسة في عدم تفهّمها للآخر ووقوعها أكثر فأكثر في فخّ تصعيد الشحن الطائفي. وفي هذا السياق، يُسجَّل شعور كبير بالانزعاج لدى بعض شيعة العراق من علماء وخطباء أهل السنّة، إذ لم يصدر عنهم أي شيء ملحوظ كبيان مثلاً لإدانة التفجيرات والعنف الذي تشهده المناطق الشيعيّة غالباً، كأنهم يهتمّون فقط بمسائلهم الخاصة ولا يعيروا اهتماماً كافياً للطوائف العراقيّة الأخرى. من جهة أخرى، تشتكي الجهات السنيّة من عدم مؤازرة الشيعة لمطالبهم المشروعة. ويبدو أن القسط الأكبر من تلك الانتقادات يرجع إلى عدم التواصل وعدم وجود قنوات بين الجهتَين. وتجدر الإشارة إلى أن السيستاني دعم مطالب السنّة وطالب الحكومة بالتعاطي الإيجابي معها في حين صرّح السعدي في أكثر من مرّة بأن مطالب السنّة ليست لأهل السنّة فقط، بل إنهم يطالبون بحقوق المواطنين العراقيّين في كلّ أنحاء العراق.

وعليه، يبدو أنه من الضروري تحسين العلاقات المتأزّمة بين رجال الدين السنّة والشيعة عبر لقاءات مشتركة وتطوير شبكة اتصالات مستمرّة في ما بينهم، وذلك لمنع تصاعد الخطابات الطائفيّة وتحويل الدور السلبي للخطباء إلى دور إيجابي في الصراع الطائفي.