تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الديكتاتوريّة ليست الحلّ!

Civilians gather at the site of a bomb attack in Kirkuk, 250 km (155 miles) north of Baghdad, September 5, 2013. At least 2 people were killed and 19 others injured in two separate car bomb attacks in Iraq's Kirkuk city, police and medics said. REUTERS/Ako Rasheed (IRAQ - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTX1389F

الديكتاتوريّة ليست الحلّ! تلك بديهيّة على أية حال.. فلا يمكن لأحد التوقّع بأن تكون الديكتاتورية حلاً، إلا في بعض طروحات الشرق الأوسط الغارق في تناقضاته وصراعاته وانتكاساته الاجتماعيّة.

هنا في بلد مثل العراق، يتمّ الحديث عن حلول "ديكتاتوريّة" للأزمات العراقيّة، ويتمّ الحلم بـ"منقذ" من قماشة وزير الدفاع المصري الفريق أوّل عبد الفتاح السيسي للقيام بانقلاب يعيد "تصفير" الأزمات.

في 31 آب/أغسطس الماضي، كانت بعض مؤسّسات الدولة العراقيّة تتحدّث بشكل غير مباشر عن فرضيّة "الديكتاتوريّة هي الحلّ"، وإن غلّفتها بالعديد من الشعارات الوطنيّة والديمقراطيّة.

وقبل ساعات من خروج تظاهرات أعدّت لها مجموعات شبابيّة في المحافظات العراقيّة، للمطالبة بهدف محدّد وهو "إلغاء المرتّبات التقاعديّة للنواب والدرجات الخاصة"، خرج رئيس الادعاء العام العراقي ببيان يطالب فيه المتظاهرين بتأجيل تظاهراتهم إلى حين استتباب الأوضاع الأمنيّة. وقد استخدم عبارات مثل "تأجيل التظاهر إلى وقت الأمان والاستقرار" و"الشعور العالي بالمسؤوليّة الوطنيّة لمواجهة الخطر الإرهابي الكبير المتنامي المدعوم من الخارج". وقد أضاف "من يتخلّف عن أداء الواجب لحماية العراق وأهله وماله سوف يرميه التاريخ في مزبلة التاريخ ملعوناً غير مأسوف عليه".

وأتى هذا الخطاب متزامناً مع بيان أصدرته الداخليّة العراقيّة للغرض نفسه، ومع عبارات أكثر تهديداً مثل التحذير من تسلل "البعثيّين" و"الإرهابيّين" إلى التظاهرات.

وكانت الداخليّة العراقيّة قد رفضت منح تظاهرة 31 آب/أغسطس الماضي إجازة للتظاهر، كما أنها واجهت المتظاهرين في نحو عشر مدن عراقيّة من بينها بغداد، بإجراءات شملت إغلاق الساحات والجسور واعتقال عدد من منظّمي التظاهرة بالإضافة إلى الاعتداء على إعلاميّين ومتظاهرين.

وكانت القوى الأمنيّة العراقيّة قد تعاملت بالأسلوب نفسه مع تظاهرة خرج فيها شباب يوم 2 آب/أغسطس الماضي، فيما سمحت بتظاهرات واسعة نظّمتها أحزاب سياسيّة عراقيّة رفعت صور زعماء إيرانيّين في وسط بغداد وجدّدت تعهّدتها بتحرير القدس احتفالاً بـ"يوم القدس" الذي أعلنه المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلاميّة في إيران آية الله الخميني في بداية ثمانينيات القرن الماضي.

إن قمع التظاهرات أو رفض خروجها في الأساس، يتمّ في العراق وفقاً للتبرير الآتي: "الوضع الامني". وهو تبرير يتمّ استخدامه على نطاق واسع منذ العام 2003 للتضييق على الحريات العامة والتأسيس لدولة بوليسيّة في أسلوب إدارتها للملفات السياسيّة والاقتصاديّة والأمنية.

ما زال العراق يتعرّض إلى انتقادات دوليّة شديدة حول ملفات حقوق الإنسان وأساليب الاعتقال وطرق التحقيق مع المعتقلين، وحتى آليات إصدار أحكام بحقّهم ومن بينها الإعدام.

كذلك، ما زالت الحكومة تتعرّض إلى انتقادات داخليّة حول استحواذها على الصلاحيات بشكل مبالغ فيه وكون تلك الصلاحيات متركّزة بيد رئيسها نوري المالكي الذي يتّهمه خصومه مراراً بأنه يتحوّل الى "ديكتاتور"، لكنه يرفض هذا الاتهام ويذكّر في المقابل مراراً وتكراراً بالإنجازات الأمنيّة التي حقّقتها حكومته والتحديات التي تواجهها.

على الرغم من هذا، يسجَّل في العراق على المستوى الشعبي وكذلك الثقافي والسياسي تفهّم عام لطبيعة التحديات الأمنيّة الجسيمة والأزمات السياسيّة التي تواجه السلطات العراقيّة وتمنعها من التعامل مع ملفّ الحقوق والحريات العامة بطريقة مثاليّة.

لكن هذا التفهّم لا يعني في أية حال القبول بثقافة تستعين بالانهيارات الأمنيّة لتبرير "القمع"!

عندما تحدّث أنصار رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن دعمهم لترشّحه إلى ولاية ثالثة على الرغم من اعتراض غالبيّة القوى السياسيّة على هذا التوجّه، كانوا بدورهم يستخدمون الثقافة نفسها في رفع شعارات "الملف الأمني" والتحذير من "انهيار الأمن" لضمان الولاية الثالثة. فلا يوجد أي إنجاز حقيقي على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي يبرّر تجديد ولاية المالكي، فيما الإنجاز الأمني الذي احتسب لصالحه في العام 2008 من خلال إنهاء الحرب الطائفيّة، شهد منذ ذلك الحين انهيارات عنيفة بلغت ذروتها في الشهور الأخيرة من العام 2013 الجاري.

ثمّة خطورة حقيقيّة في تحوّل الأمن إلى مرادف للسلوك "الديكتاتوري" في ذهنيّة رجل الشارع الاعتيادي، وتحوّل الفوضى إلى مرادف للديمقراطيّة ليس في العراق فقط بل في مجمل منطقة الشرق الأوسط التي تعيش مخاضات انتقاليّة عسيرة.

الديكتاتورية ليست الحلّ.. ولن تكون حلاً. أما البديل الحقيقي فهو تكريس ثقافة التداول السلمي للسلطة وللمعايير الديمقراطيّة وحقوق الانسان. فتلك هي الضمانة الوحيدة لمستقبل شعوبنا المنكوبة.

More from Mushreq Abbas

Recommended Articles