تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل قُتل الأسقفان السوريان المختطفان؟

Greek Orthodox Patriarch John Yazigi (C) leads a prayer at the Balamand Monastery in Koura, near the north Lebanese city of Tripoli, to call for the release of bishops kidnapped in northern Syria two months ago, June 22, 2013. Patriarch John Yazigi led the candle-lit vigil on Saturday for Greek Orthodox archbishop Paul Yazigi and Syriac Orthodox archbishop Yohanna Ibrahim, appealing to their kidnappers to free them and urging Syrian security forces to do more to win their release. REUTERS/Omar Ibrahim (LEBA

أكثر من إشارة قاتمة سُجّلت في الأيام الأخيرة حيال مأساة خطف مطرانَين على أيدي الجماعات المسلّحة في سوريا. قصّة الخطف الأكثر قساوة في الحرب السوريّة الراهنة بدأت في 22 نيسان/أبريل الماضي، يوم تردّد أن مسلّحين قاموا بالقرب من حلب باختطاف كلّ من يوحنا ابراهيم أسقف حلب للسريان الأرثوذكس وبولس اليازجي أسقف حلب  للروم الأرثوذكس. والأخير هو شقيق بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي. بعد ساعات على الحادثة قيل إن الخاطفين مجموعة مسلّحة من الجهاديّين الشيشان. حتى أن المعارض السوري ميشال كيلو كتب عن الموضوع في جريدة "السفير" اللبنانيّة في 27 نيسان/أبريل، أن الأسقفَين "بعد يوم ونيّف تم إطلاق سراحهما، فاعتقلتهما على بعد كيلومترات قليلة من مكان الإمارة الأمنيّة الأولى، قوات إمارة أمنيّة ثانية". ومنذ ذلك الحين اختفت آثار الأسقفَين ولم يظهر أيّ خبر عنهما. مسؤول لبناني معروف بعلاقاته الوثيقة بالسلطات السوريّة، كان قد زار دمشق قبل أيام، نقل لموقعنا أجواء متشائمة من العاصمة السوريّة حيال مصير المطرانَين.

يشرح المسؤول نفسه أن ثمّة أنماطاً للخطف المسلّح في سوريا باتت واضحة، بالنسبة إلى متابعي هذه الملفات من المسؤولين السوريّين. نمط أوّل من الخطف، هدفه مالي ابتزازي. يختفي رجل غنيّ أو يظنّه الخاطفون كذلك، ثم يتّصلون بأهله طالبين فدية لإطلاق سراحه. يبدأ التفاوض برقم مرتفع، ثم ينخفض عند البحث الجدّي إلى ما يوازي بضعة آلاف من الدولارات. تُدفع الفدية ويُطلق سراح المخطوف ويتوارى الفاعلون وتُقفل القضيّة.

نمط آخر، هو أقرب إلى الخطف السياسي، لكن ببعد داخلي محدود. وعلى سبيل المثال حادثة اختطاف 11 لبنانياً في منطقة أعزاز القريبة من الحدود السوريّة التركيّة. كان ذلك يوم 22 أيار/مايو 2012، وكانت قافلة من المواطنين اللبنانيّين الشيعة تعود براً من زيارة حجّ إلى الأماكن الشيعيّة المقدّسة في إيران. اعترضها مسلحون معارضون للحكم السوري بعد كيلومترات قليلة من دخولها الأراضي السوريّة. بدا أن المسلّحين على علم بكامل التفاصيل حول ركاب القافلة وطريق سيرها وتوقيته. أخلوا سبيل النساء والأطفال، واحتجزوا الرجال منهم. أما السبب المعلن فكان اتهام المخطوفين بأنهم من أنصار "حزب الله" اللبناني المؤيّد لنظام بشار الأسد.

في هذا النمط من "الخطف السياسي"، لم يلبث الخاطفون أن أطلّوا علناً وعبر وسائل الإعلام كاشفين عن هويّاتهم وعن أسمائهم وكذلك عن مطالبهم "السياسيّة" لتحرير الخاطفين. حتى أن تلك الحادثة لم تلبث أن تحوّلت بعد أشهر نوعاً غير مسبوق من حوادث الحجز المسلّح لحريّة الأفراد. فقد سمح الخاطفون لأهالي بعض المخطوفين وكذلك لبعض وسائل الإعلام التلفزيونيّة، بزيارة المحتجزين لديهم. فشهد لبنان على مدى أيام نوعاً جديداً مبتكراً من "تلفزيون الواقع" أبطاله خاطفون ومخطوفون، مع حلقات يوميّة مشوّقة رافقتها كلّ عوامل إثارة هذا النوع من التصوير. حتى أن البعض تعاطف مع الخاطفين، في استعارة لما يُعرف بـ"ستوكهولم سِندروم"، فيما راحت وسائل الإعلام تتنافس على هذه التغطية... المهمّ أنه في هذا النمط الآخر من الخطف السوري، كانت هويّات الأطراف معروفة ومكشوفة وتميل أحياناً حتى إلى الاستعراضيّة.

نمط ثالث من الخطف الذي شهدته الحرب السوريّة، هو الخطف السياسي الأكثر جديّة والأكثر سريّة وتكتماً، نظراً إلى بعده الخارجي. هذا النمط مثّلته حوادث اختطاف المسلّحين المعارضين لعدد من المواطنين الإيرانيّين. فوسط اتهامات من قبل الخاطفين بأن ضحاياهم خبراء عسكريّون أو مسؤولون في الحرس الثوري الإيراني يقومون بمهمّات عسكريّة في سوريا ضدّ "الثوار"، وبين الصمت الإيراني الرسمي غالب الأحيان، كانت تلك الحوادث المتكرّرة تنتهي إلى إطلاق المخطوفين، من دون ضجّة ولا استعراضات. وذلك بعد رسائل دبلوماسيّة دوليّة، قيل إن من تولاها بشكل أساسي في ما بين إيران والمسلّحين المعنيّين كانت تركيا.

بعد استعراض تلك الأنماط من حوادث الخطف، يتابع المسؤول اللبناني نقلاً عمّن التقاهم في دمشق قبل أيام، أن حادث خطف المطرانَين لا يندرج ضمن أيّ مما سبق. ذلك أن الخاطفين لم يوجّهوا أي رسالة إلى ذوي الأسقفَين أو إلى كنيستيهما، بهدف الابتزاز المالي. ولم يخرجوا إلى وسائل الإعلام بأي رسالة أو أي مطلب أو أي دليل على وجود الإسقفَين لدى جهة خاطفة معيّنة، أو على استمرارهما على قيد الحياة. كذلك فإن الخاطفين لم يوجّهوا طيلة أكثر من مئة يوم أي رسالة عبر أي قناة دبلوماسيّة إلى أي جهة دوليّة قد تكون معنيّة بالأسقفَين. وفي هذا السياق يشرح المسؤول نفسه أنه قبل أشهر، تردّد في الأوساط السوريّة أن الجهة الخاطفة شيشانيّة وهي تريد من خطف الأسقفَين الأرثوذكسيَّين الضغط على الموقف الروسي المؤيّد للحكم في سوريا. غير أن السلطات السوريّة الرسميّة بحسب ما نقل عنها المسؤول اللبناني، تجزم بأن موسكو لم تتلقّ طيلة الأيام المئة ونيّف أي رسالة أو إشارة على هذا الصعيد.

بناء على هذه المعطيات التحليليّة، ينقل المسؤول اللبناني عن مضيفيه السوريّين، ميل هؤلاء إلى الاعتقاد بأن الأسقفَين المخطوفَين واجها مصيراً مأساوياً منذ الساعات الأولى لاختطافهما. وهو ما قد يتقاطع مع رواية المعارض السوري كيلو، عن انتقالهما من جهة جهاديّة إلى أخرى. وتميل السلطات نفسها إلى الاعتقاد بأن الضجّة الإعلاميّة التي تلت اختطاف الأسقفَين والضغوط التي وصلت متأخّرة ربما إلى الجهة الخاطفة، حالت دون كشف ما حصل. ففضّل الجميع من خاطفين مباشرين كما من الجهات الراعية أو الداعمة لهؤلاء الجهاديّين، الالتزام بالصمت المطبق وعدم تسريب أي كلمة حول الموضوع، مراهنين بذلك على أن يسقطه الوقت ويلفّه النسيان. هذا فيما ينقل نازحون سوريّون أن الاسقفَين تم ذبحهما على أيدي الجهاديّين السنّة، تنفيذاً لأحكام الشريعة الإسلاميّة بحقّ "كافرين". علماً أن البعض رصد إشارة سوريّة رسميّة إلى مثل هذا الاحتمال، في كلام سفير دمشق لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري، الذي قصد أن يورد ضمن كلمة له في الجمعيّة العامة للأمم المتحدة لمناقشة حالة حقوق الإنسان في سوريّة، في 29 تموز/يوليو الماضي،  عبارة لافتة. فمن ضمن تعداده لما سمّاه ارتكابات المسلّحين، ذكر الجعفري أنهم ارتكبوا جرائم من نوع "خطف رجال الدين وذبحهم واغتيال عالم دين في المسجد". فإذا كانت الإشارة إلى "اغتيال عالم دين في المسجد" يُقصَد بها التفجير الإرهابي الذي وقع في 21 آذار/مارس الماضي في أحد مساجد دمشق والذي أدّى إلى اغتيال الشيخ السنّي المؤيّد للحكم السوري سعيد البوطي، فإن الإشارة إلى "خطف رجال الدين وذبحهم" يُرجَّح أنها تعني الأسقفَين الأرثوذكسيَّين. هذا فيما يستمر الصمت مسيطراً لدى جميع المعنيّين. فأهالي الأسقفَين وكنيستاهما يلتزمون الصمت بدافع الأمل ورجاء بقاء الأسقفَين على قيد الحياة، فيما المسلّحون من مختلف اتجاهاتهم، يلتزمون الصمت أيضاً تهرّباً من عار وصمهم بجريمة شنعاء. صمت مرشّح للاستمرار طويلاً، طالما أنه موضع تقاطع من الطرفَين المتناقضَين.

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles