تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإخوان المسلمون والانقلاب.. قراءة نقديّة

A member of the Muslim Brotherhood and supporter of deposed Egyptian President Mohamed Mursi rests at a field hospital in Rabaa Adawiya Square, where they are camping, in Nasr City, east of Cairo August 7, 2013. Egypt's interim prime minister Hazem el-Beblawi said on Wednesday the government had not retreated from its decision to break up two Cairo sit-ins by supporters of Mursi and its patience had nearly expired. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh  (EGYPT - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTX12CYT

ما زال الإخوان المسلمون حول العالم يعيشون صدمة الانقلاب العسكري في مصر، الذي أطاح بأول رئيس إخواني يصل إلى قيادة أكبر دولة عربيّة. وبعد مرور أكثر من شهر على إسقاط تجربتهم السياسيّة الحديثة في الحكم، لم يستيقظ الإخوان من حالة الذهول التي طالت جميع مستوياتهم القياديّة والقاعديّة على حدّ سواء.

وفي أول قراءة داخليّة، حصل "المونيتور" على وثيقة خاصة بدأت فروع الجماعة بتداولها في الأيام الأخيرة، وقد وضعها الدكتور محمد أحمد الراشد (75 عاماً) الذي يعتبر العقل التخطيطي والتنظيري الأول للجماعة، وهو عراقي الجنسيّة.. وعلى الرغم من عدم تقلّده أي موقع رسمي علنيّ فيها، إلا أن مكانته بين عناصرها لا تقلّ عن مكانة الشيخ يوسف القرضاوي الأب الروحي والمرجعيّة الشرعيّة للإخوان، وربما تتساوى مع وزن الدكتور محمد بديع المرشد العام للجماعة.

الأسباب والنتائج

وضع الراشد وثيقته التنظيميّة تحت عنوان "الردّة عن الحريّة"، وقد جاءت في 37 صفحة وقسمت إلى ثلاثة محاور هي: "توضيح الأطراف المشاركة في الانقلاب" و"دور الإخوان المسلمين في تجاوز هذه المحنة التاريخيّة" و"حصر لأهم الفوائد التي قد يحصلون عليها رغم صعوبة الموقف".

تحرص الوثيقة على توصيف الوضع الحالي في مصر بأنه أبشع انقلاب عسكري في التاريخ المعاصر بمنهجيّة دمويّة، وفي الوقت ذاته تعتبره بداية لتوحّد الأمة الإسلاميّة بأسرها تحت قيادة واعية، مستدلاً بميادين الاعتصام المنتشرة في مختلف المحافظات المصريّة التي من شأنها أن تـبدّل المعادلة وتلغي تفوّق العسكر, قائلا في ص8: "فإذا حصلت انتخابات حرة لا تزوير فيها، فإن الأغلبية سـتـنحاز إلى الشرعية والحرية، ويرجع الرئيس المخطوف مرسي إلى الحكم".

ويتّهم الراشد الولايات المتحدة الأميركيّة بدعم الانقلاب لرغبتها بضرب الطموح الإسلامي، وذلك عبر استخدام الجيش المصري بعد إثارة الضجيج الشعبي والإعلامي المصنّع، مشيراً إلى تورّط عدد من القيادات السياسيّة المصريّة في الانقلاب من أمثال "محمد البرادعي وحمدين صباحي"، الذين تربطهم بأميركا علاقات قويّة والذين كانوا جزءاً هاماً من مخطّطاتها في الشرق الأوسط.

ونصت الوثيقة في ص10 على "خيبة الأمل في الرئيس "باراك أوباما"، الذي اعتقدنا أنه أعقل من الرؤساء الذين سبقوه، ويـسـمح للحرية أن تـنـتـعش في بلادنا، كونه مثقف أكثر من سلفه "جورج بوش" بكثير، ويميل إلى الواقعية والتزام المبادئ، وهو بدعمه للانقلاب في مصر يـبرهن على أنه يسلك السلوك المصلحي البعيد عن الالتزام الأخلاقي، ويخضع لضغوط اللوبي الصهيوني الذي يرى تحقيق أمن إسرائيل من خلال هذا الانقلاب".

ولا تفوته الإشارة إلى دور "الدولة العميقة" والنفوذ المتغلغل لأتباع نظام مبارك والموالين له، ممن كانوا حجر عثرة كبير في طريق الرئيس المعزول محمد مرسي معرقلين أية خطوات إصلاحيّة يقوم بها.

إلى ذلك يتّهم الراشد إسرائيل بالمساهمة في تسريع وتيرة القضاء على حكم مرسي، عبر تبنّي الانقلاب، ويمنحها دوراً مبالغاً فيه في التخطيط للانقلاب ودعم الجيش المصري. ثم يشير إلى الرعاية الخليجيّة الماليّة، بخاصة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة، التي خُصّصت لتشويه صورة الرئيس المعزول؛ بسبب ما قالت الوثيقة في ص17 أنه "مشروع قناة السويس الذي أدرجه الرئـيس مرسي على رأس خُطته التـنموية، وكان سـيغدق على مصر مائة مليار دولار سنوياً، ويوفر مليون وظيفة للمصريـين، لكن الإمارات شعرت أن هذا المشروع سـيوجه ضربة لمنطقة جبل علي الحرة في دبي، ولذلك دافعت عن نفسها بإزاحة مرسي، وصدر قرار الانقلابـيـين بإلغاء مشروع القناة بعد أسبوع واحد من الانقلاب".

لا يغفل الراشد في وثيقته التنظيميّة الخاصة توجيه أصابع الاتهام إلى إيران، باعتبارها من الأيدي الخفيّة للانقلاب، وذلك من خلال تـسـخيرها جهود الشيعة العرب ضدّ مرسي والتصعيد ضدّه في القضيّة السوريّة. وكان مرسي قد رفض عروضاً إيرانيّة للتغلغل في مصر ، ذاكراً في ص20 معلومات تنشر لأول مرة مفادها "بأن إيران عرضت على مرسي إسناد خطته التـنموية بـ30 مليار دولار فوراً إذا أعطاها المشاهد والآثار الشيعية بمصر، لتجعلها مزارات ونقطة انطلاق للتشـيـع، وإغراء بالتكفل بـ5 ملايين زائر شـيعي إيراني وعربي يضاعفون دخل السـياحة المصرية، فرفض مرسي، ولذلك بذلت إيران كل طاقاتها من أجل إسناد الانقلاب".

ثم يتحوّل الراشد إلى زاوية أخرى من رؤيته للانقلاب، فيطرح أفكاراً حول تمثل الواجب الحقيقي للإخوان المسلمين إزاء تطوّر أحداث الانقلاب، ومنها أهميّة استمرار الحشد التظاهري السلمي والحفاظ على سلميّته على الرغم من سقوط مئات القتلى. وقد اتهم قيادة العسكر بالسعي إلى توريط الإخوان بأحداث عنف.

ثم يذهب إلى تعداد جملة فوائد ستعود على الإخوان المسلمين من الانقلاب، من قبيل: كسب تعاطف عدد أكبر من المصريّين والعرب والمسلمين، وبالتالي فإنهم بذلك يحتلّون مكانة جديدة بهذا الحجم الضخم للمرّة الأولى في التاريخ. كذلك، فقد أنتج الانقلاب فرصة تاريخيّة لتـشـغيل الطاقات الإسلاميّة المدعومة بقِيَم "العطاء والتضحية والصبر والثـبات"، بما في ذلك طاقات النساء في تنظيم الإخوان. ويختم الراشد وثيقته بالقول: بعد الانقلاب أصبحت مصر قضيّة الأمّة الإسلاميّة كلها. وانتصار الإسلاميّين فيها هو مفتاح إنجاز انتصارات متتالية في جميع الأقطار العربيّة.

وثيقة تعبوية

من المهمّ الإشارة إلى ما يملكه الراشد من تأثير كبير على جموع الإخوان المسلمين. فهم ينتظرون كتاباته، لما يرون فيها من بعد نظر ودقّة تشخيص وحكمة بإصدار التوصيات لصنّاع القرار. وذلك من دون الإغفال أنه يمتلك أسلوباً بلاغياً إنشائياً يجذب القارئ العادي صاحب التوجّهات الأيديولوجيّة الإسلاميّة.

لذلك، كانت قيادة الإخوان المسلمين بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مثل هذه الوثيقة التنظيميّة الداخليّة التي تعتبر لسان حال الجماعة المنهمكة حالياً في لملمة جراحها وتجميع قدراتها واستدراك ما لديها من مراكز قوّة في المجتمع المصري، بعد أن كاد الانقلاب يقضي على ما تبقّى منها، بخاصة وأن القواعد التنظيمية للإخوان بقيت طوال الشهر الماضي (تموز/يوليو) من دون رواية رسميّة تشرح لهم ما الذي حصل ولماذا سقط مرسي بهذه السرعة وهل يمكن أن يعود رئيساً تحت أي ظرف من الظروف؟

لكن الإجابات المنتظرة لم تكن مباشرة، لأنها انشغلت كثيراً بتحميل الأطراف الأخرى مسؤولية الانقلاب، وهو نوع  من الهروب إلى الأمام في تبنّي نظرية "المؤامرة" التي تحظى بـ"شعبيّة" كبيرة في أوساطهم وإن بنسب متفاوتة. ويبدو كأن الراشد لم يعثر طوال عام كامل على أيّ خطأ لمرسي، الذي أطلق عليه أكثر من مرّة وصفاً غريباً وهو "الرئيس القرآني"!

ولأن الأيادي التي ساهمت في إنجاح الانقلاب هي ذات مصالح وأهداف، لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار كلّ من خرج في يوم 30 حزيران/يونيو الماضي مجموعات من "الغوغاء وعصابات الإجرام ومافيا المخدرات"، بحسب ما ورد في النصّ الحرفي للوثيقة. فذلك ينفي وجود معارضين للرئيس مرسي شاركوا في المظاهرات وطالبوا بإسقاطه، من المصريّين الوطنيّين غير المرتبطين بأجندات خارجيّة.

ولأن الإسلاميّين يشكون من قيام خصومهم بتشويه صورتهم في وسائل الإعلام، فإن الراشد ومن خلال هذه الوثيقة يمارس الدور نفسه، فيلغي أي صفة معارضة لخصوم الإخوان على الساحة المصريّة ويجعلهم حصراً من المتآمرين عليهم أو من المشاركين في المؤامرة بدعم وتمويل خارجيَّين.

نقطة أخرى تتبادر إلى الذهن عند تقديم هذه القراءة النقديّة لوثيقة الراشد، هي ما يقدّمه من صورة تفاؤليّة لمستقبل الأحداث في مصر. وهو أمر لا يتّفق مع توقّعاته بإمكانيّة نجاح الانقلاب في مصر لبعض الوقت. ولأن جموع الإخوان المسلمين كانت قد اعتادت هذا الخطاب الديني المفرط في العامل الغيبي، فإن من شأن ذلك أن يساهم ربما في عدم استفاقتها من صدمتها التاريخيّة وأن يمنحها آمالاً ليس لها رصيد من الواقع السياسي، فالانقلاب-وعلى الرغم من حالة التعثّر السائدة- يمضي ببعض الخطى والجهود لتثبيت نفسه وترسيخ سلطته.

وقد يكون المأخذ الأشدّ قسوة على وثيقة الراشد التي تلقفها أبناء الإخوان المسلمين في كلّ الدول العربيّة، أنه يبتعد كثيرا ً في توصيف مشهد الانقلاب في مصر عن النواحي السياسيّة والحزبيّة فيصوّر الأمر كما لو كان معركة فاصلة بين الإسلام والكفر وبين الحقّ والباطل. وهذا مستوى كان الإسلاميّون قد أوشكوا على التخلّي عنه، واقتربوا أكثر فأكثر من معالجة خلافاتهم السياسيّة بمنطق المصالح والعلاقات المتبادلة. لكن اتساع رقعة المشاركين بإسقاط مرسي جعلهم يلجأون إلى مثل هذه التوصيفات!

أخيراً، من الواضح أننا أمام وثيقة تعبويّة تنظيميّة للإخوان المسلمين تحاول النهوض بهم بعد هذه الأزمة التاريخيّة التي وجدوا أنفسهم غارقين فيها. فهي تقدّم لهم جرعات معنويّة لكنها تفتقر إلى المحتوى السياسي الواقعي، لأنها ترى أن الوقت لم يحن بعد لإجراء بعض المراجعات الفكريّة والسياسيّة لتجربة الحكم التي خاضها مرسي خلال عام كامل!

وكلّ ذلك يعني استمرار الإخوان المسلمين باستنساخ الخطاب ذاته الذي قرأوه طوال العقود الماضية حول استهدافهم من قبل السلطات العربيّة، من دون وضع اليد على العامل الداخلي وأين تكمن مسئوليّتهم هم في وصول الأمور إلى هذا النفق المسدود، بخاصة وأن الانقلاب المصري لو قُدّر له النجاح فإنه قد يغري أنظمة عربيّة أخرى في المنطقة لاستخدام العصا الغليظة في التعامل مع الإسلاميّين في أقطارهم!

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles