تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يهود العراق .. العودة المستحيلة

A man reads a copy of the magazine "Israel-Kurd" at a street in Arbil, 310 km (190 miles) north of Baghdad August 16, 2009. REUTERS/Azad Lashkari (IRAQ SOCIETY) - RTR26SCA

ارتبطت قضية يهود العراق بصورتين مختلفتين في مخيال النخبة العراقية: نوستولوجيا  الماضي الجميل وتراجيديا التهجير القسري المستمر الذي بدأ من اليهود ولم ينته بعد. فرغم أن تسفيرهم من البلد اقترن مع تراجيديا مؤلمة تضمنت القتل والاضطهاد واغتصاب الاموال والحقوق المدنية، ولكن هناك ما زال حنيناً من الطرفين لعودة أشبهت بالمستحيلة. فقد مثل خروجهم من العراق منعطفاً أساسيا في تاريخ البلد شارك في تغيير التركيبة والبنية المجتمعية العراقية بشكل ملاحظ.

يرجع تاريخ اليهود في العراق  الى أكثر من 2500 سنة حيث سباهم الملك الآشوري سنحاريب والملك البابلي نبوخذنصر في فترات متتالية آنذاك. وبعد ما حررهم الملك الفارسي قورش عام 539 ق.م، لم يرجع غالبيتهم الى ارض اورشليم لتعلقهم بالمنفى الذي أصبح بلداً لهم طوال 25 قرناً وانتشروا في جميع أنحاءه من كوردستان  الى بغداد  والبصرة والحلة وحتى النجف المدينة المقدسة للشيعة . وقد ترك يهود العراق أثراً بالغاً في الحضارة الرافدينية بشكل عام وفي تاريخ اليهود بشكل خاص، حيث تمت إعادة كتابة العهد العتيق والشريعة اليهودية على يد عزرا   وآخرين من علماء اليهود البابليين.

إستمر تعايش اليهود في العراق طوال آلاف السنين دون حدوث تصادم ملاحظ بينهم والمكونات العراقية الأخرى. وعليه شكلت عملية تهجير اليهود في منتصف القرن المنصرم صدمة كبيرة  لهم كأقلية وللمجتمع العراقي بشكل عام؛ حيث حدث ذلك في ظروف معقدة ساهمت فيه تصادمات التيار القومي العروبي والصهيوني، بإضافة تاثيرات الفكر النازي في الساحة العراقية في ظروف الحرب العالمية الثانية.

رافقت عملية التضييق على اليهود سلسلة متكاملة من الأعمال غير الإنسانية  تضمنت قتل المئات، جرح الآلاف، تدمير عدد كبير من بيوتهم وممتلكاتهم وأخيراً إجبارهم على الرحيل عبر سلسلة من التشريعات والإجراءات القانونية منها: اسقاط الجنسية العراقية عنهم ومصادرة أموالهم طوال المنتصف الثاني من القرن المنصرم الى أن خُلِيَ العراق منهم بشكل تقريبي. وقد شارك فيه الحكومات العراقية المتتالية من العهد الملكي الى نظام البعث مضافا الى مجموعات همجية من عامة الشعب التي استغلت الظروف السياسية المستهدفة لليهود لغارة أموالهم وممتلكاتهم ما عرف بعملية "الفرهود  ".

ورغم ذلك، بقى حنين النخبة العراقية ليهود العراق حياً في الذاكرة مما أتاح له الظهور، الانفتاح الناتج عن تغييرات ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري في العراق عام 2003. ومن الطرف الآخر أيضا يحنّ يهود العراق في اسرائيل ومختلف بلاد العالم الى أصولهم العراقية، مما يظهر في كتاباتهم وتقاليدهم العامة. فقد بادر البروفيسور شموئيل سامي موريه  ، رئيس دائرة اللغة العربية وآدابها في الجامعة العبرية بكتابة سلسلة حملت عنوان "يهود العراق، ذكريات وشجون " بموقع "إيلاف" منذ 2006 ولثلاث سنوات. وقد أنتجت كتابات موريه موجاً من الترحيب والحنين المتقابل في طبقة النخبة العراقية. فقد أصدرت مجلة مسارات  المتخصصة بالأقليات العراقية، عددها الثالث عشر بعنوان "يهود العراق: الهجرة الجماعية والعودة المستحلية " عام 2009. هذا وبعد أن كان الحديث عن يهود العراق نوعاً من "التابو" في الصحافة العراقية. وقد أفتتح سعد سلوم هذا العدد من مسارات بمقدمة عن المكانة العريقة لليهود في تاريخ المجتمع العراقي، تبعتها دراسات عديدة من مؤلفين عراقيين واسرائيليين درسوا الأبعاد المختلفة لهذا المكون. وقد واجه انتشار هذا العدد من مسارات ترحيباً غير متوقع حيث أعيد نشره أكثر من مرة. وفي حوار للمانيتور مع سعد سلوم، قال أن رغم صعوبة تصور عودة اليهود الى العراق، فهم ما زالوا يشكلون حضوراً بارزاً في الذاكرة العراقية من خلال ثقافة رافقت تحولات القرون والحضارات، ومن خلال اللغة وذكريات التعايش مع جيرانهم وسجلات احوالهم الشخصية وممتلكاتهم. وقد إكتشف سعد سلوم عدداً قليلاً جداً من اليهود الذين ما زالوا يعيشون في العراق.

وفي نفس السياق عبر الباحث الآكاديمي العراقي حيدر سعيد  في خطاب له تحت قبة البرلمان العراقي عام 2011 أن مرحلة إخلاء العراق من اليهود يمثل منعطفاً أساسياً في تحجيم الهوية العراقية، والتي ظهرت إثرها سلسلة من التهجيرات والتسفيرات لمكونات أخرى. وطالب الأخير بالاعتراف الرسمي بالخطيئة التي ارتكبت تجاه اليهود والشعور بالإعتذار في الوعي الاجتماعي تجاههم، وإعاة حقوقهم اليهم.

لم ينحصر تواصل المجتمعين العراقي واليهودي من أصول عراقية بالكتابة عن بعد، بل قام بعض الشخصيات العراقية  بزيارة اسرائيل تاركة وراءها كل التحديات والتخوف المتوقع من هكذا محاولات. وأشهر من قام بتلك الزيارة  هو النائب السابق في البرلمان العراقي ورئيس حزب الأمة العراقية، مثال الآلوسي  إثر دعوة وجهت اليه للمشاركة في مؤتمرات مرتبطة بمكافحة الإرهاب عام 2004 ولمرة ثانية عام 2008. وإثر ذلك صوّت مجلس النواب العراقي  برفع الحصانة عنه ومنعه من حضور مجلس النواب والسفر خارج البلد. وأيضاً قد تعرض الآلوسي لعدة محاولات اغتيال أخطرها عام 2005 حين قتل ولداه فيها. وقد صرح البروفسور موريه للمونيتور بأن التواصلات بين يهود العراق والمجتمع العراقي ما زال متواصلاً عبر لقاءات في دول غربية ونادراً ما زيارات لشخصيات عراقية الى اسرائيل.

وقد صرّح مقتدى الصدر  رجل الدين المتنفذ سياسياً في أبريل هذا العام أن العراق لجميع العراقيين على حد سواء بما فيهم اليهود الذين غادروا البلد سابقاً ودعى الى إحتضان اليهود تحت عنوان الوطن ولو فات الأوان لذلك حسب قوله. وكان لهذا التصريح إقبالاً واسعاً  من قبل صحفيين، إعلاميين ونخب عراقية أخرى عبرت عنه بالحركة على المسار الصحيح. وقد ردّ الشاعر الاسرائيلي  من أصول عراقية، روني سوميخ على هذه الدعوة: "كنت أعلم أنه في يوم ما سيقول قائد ما: هيا لنعيد بناء صلة التواصل، ومع أن آمالي لم يكن يوجد لها محرك عملي ولكن كنت اعتمد على وجود صلة موجودة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين".

وقد سأل المونيتور البروفسور اوفرا بينجو  كبيرة باحثي مركز موشيه دايان  بأن هل من الممكن أن يحصل بالنسبة للعراق شيئاً مشابهاً لما حدث في اسبانيا مؤخرا بإعلان الدولة الاسبانية منحها الجنسية لليهود السفارديم  داعية إياهم الى العودة بعد 500 عام من طردهم منها. أجابت بأن هناك فرقاً كبيراً بين الحالتين حسب الظروف السياسية والاجتماعية للبلدين، ومضافاً الى أن أي من الحكومة العراقية ويهود العراق في اسرائيل غير مستعدين لاتخاذ قرار العودة، حيث ما زال البلدين في حالة حرب. وقد أضاف البروفسور موريه أن يهود العراق لم يأخذوا هكذا دعوات بمحمل الجد، حيث أن الأجيال المتعاقبة منهم في اسرائيل يشعرون بالانتماء الى ذلك البلد، وأن أي محاولة منهم للاتجاه نحو العراق سيفسّر بأنهم جزء من مؤامرة باعتبارهم الطابور الخامس. ومن الجدير بالذكر أن السيد كاظم الحائري، الرجل الدين المتشدد والمدعوم من ايران قد أفتى سابقاً  بإهدار دم أي يهودي يحاول إمتلاك أرض أو بيت في العراق.

وفي مثل هذه الظروف تبقى الدعوة لإسترجاع ممتلكات اليهود في العراق اليهم أولوية يطالب بها كل من النخبة العراقية ويهود العراق حسب تصريح كل من سعد سلوم، اوفرا بينجو وشموئيل موريه في حواراتهم مع المونيور. وقد أضاف ألكس گرينبرگ، الباحث في معهد هرتيزليا للدراسات السياسية والاستراتيجية  بأنه سيكون أول شخص يزور العراق في حال إتاحة هكذا فرصة له مع غض النظر عن كل الخلافات العرقية والدينية والسياسية. مضافاً الى كل ذلك، هناك تساؤلات وانتقادات من داخل اسرائيل بأنه لماذا لا يتم أي ترحيب حكومي لليد الممتدة من قبل النخب العراقية لفتح جسر التواصل، باعتبار أن العراق في موقعه الاستراتيجي الهام في المنطقة من شأنه أن يتحول الى مفتاح السلام الضائع في الشرق الأوسط؛ خصوصاً أن اقليم كوردستان داخل الاراضي العراقية يستطيع أن يمثل الحلقة الواسطة الأولى لتواصلات وعلاقات ثقافية ومجتمعية واسعة بين يهود العراق والعراقيين لتتطور في المستقبل الى مستويات أخرى من العلاقات. 

وأخيراً رغم كل المصائب الماضية وكل الصعوبات المطروحة أمام خيار العودة، إن جسر التواصل الثقافي والمجتمعي بين العراقيين وأخوانهم اليهود يتجه نحو الإتساع والعمق مما من شأنه أن يقرب الطرفين بعد قطيعة طالت أكثر من نصف قرن، والمستقبل هو الوحيد من يعرف الى أين سيتجه هذا التقارب.

More from Ali Mamouri

Recommended Articles