تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إغلاق الأنفاق يعطّل مشاريع البناء في غزّةوآلاف العمّال يفقدون قوتهم اليومي

Palestinian labourers work at a construction site in Rafah in the southern Gaza Strip January 2, 2013. Israel eased its blockade of Gaza on Sunday, allowing a shipment of gravel for private construction into the Palestinian territory for the first time since Hamas seized control in 2007.  REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa (GAZA - Tags: POLITICS BUSINESS CONSTRUCTION) - RTR3C1Q5

توقّف العمل وهدأت خلاطات الإسمنت وجلس العمّال تحت ظلال المبنى غير المكتمل لمشروع مدرسة "محفوظ النحناح" غرب مدينة غزّة. فهم كانوا يتوقّعون في الأسبوع الأول الذي تلا الإطاحة بمرسي، أن تعود الأنفاق االمحفورة في الحدود بين قطاع غزّة ومصر للعمل، فتدخل مواد البناء، فيستكملون بناء المدرسة. لكن الأسبوع الثاني شارف على الانتهاء من دون دخول "الإسمنت والحصمة والحديد" إلى القطاع.

عدد كبير من العمّال تركوا موقع بناء المدرسة الحكوميّة التي تبرّعت حركة "السلم" الجزائريّة بتكاليف تشييدها وأُطلق عليها اسم قائدها. ولم يبق سوى بعض منهم وحارس المدرسة أحمد أبو عمرة (45عاماً) الذي يقول  لـ"المونيتور"، "اليوم يمرّ أسبوعان على توقّف العمل في بناء مشروع المدرسة. وكان من المفترض أن تكتمل المدرسة في نيسان/إبريل المقبل، ولكن بعد توقّف كل شيء لا أحد يدري متى ستفتح أبوابها!".

ويشير إلى الطبقة الأولى التي انتهى العمل بها وكذلك إلى السور الذي يحيط بالمدرسة، مضيفاً "من المفترض بناء ثلاثة مباني وكل واحد مكوّن من ثلاث طبقات، على أن تحتوي تلك الطبقات على 36 قاعة للدراسة للمرحلتَين الإعداديّة والابتدائيّة للبنات. لكن هذا لن يحدث قريباً".

بالنسبة إلى رئيس اتحاد المقاولين في محافظات غزّة نبيل أبو معيلق، فإن "كلفة المشاريع الإنشائيّة المختلفة التي توقّفت شركات المقاولات عن تنفيذها منذ نحو أسبوعَين بسبب إغلاق الأنفاق بعد التوتّر في مصر، تقدّر بحوالى 200 مليون دولار". ويوضح أن من ضمن هذه المشاريع 39 مدرسة حكوميّة ومباني سكنيّة لاستثمارات القطاع الخاص وجمعيات ومنازل للمواطنين وبنى تحتيّة.

ومشروع المدرسة ليس المتضرّر الوحيد من توقّف توريد مواد البناء إلى غزّة بعد أسبوعَين على إغلاق الأنفاق بشكل شبه نهائي، بل ثمّة المئات من المصانع التي تنتج الإسمنت الجاهز الذي يعرف بـ"البلوك" والتي توقّفت هي الأخرى عن العمل.

وفي لقاء مع "المونيتور"، يقول نبيل شحبير صاحب مصنع يحمل اسمه لتصنيع الإسمنت الجاهز إن لديه أكثر من اثني عشر عاملاً توقّفوا عن العمل في المصنع بسبب الأزمة الحاليّة، موضحاً أن العامل كان يحصل على ثلاثة وعشرين دولار يومياً ولكنه أصبح مضطراً الآن لإعطاء كل عامل سُلفة تصل إلى 12 دولار يومياً. ويشير إلى أنه سيظلّ قادراً على إعطائهم هذه السلفة لثلاثة أشهر مقبلة فقط، ولكن إذا استمرّت الأزمة بعد ذلك سيضطر لتسريح العمال.

ويحتاج مصنع شحبير يومياً إلى أكثر من 400 طن من الإسمنت والرمل والحصمة لصناعة الإسمنت الجاهز أو "البلوك" بحسب ما يقول، موضحاً أن الأنفاق تعمل ولكن لساعات قليلة جداً لا تتجاوز أربع ساعات نهاراً وأربع ساعات ليلاً وبشكل سري، فتدخل كميات قليلة جداً وبأسعار باهظة لا يستطيع المصنع تحمّل تكاليفها. ويشرح أن مصانع الإسمنت لا تستطيع تخزين كميات كبيرة منه ولفترات طويلة، لأن سماته ستتغيّر ويصبح غير قابل للاستعمال.

يضيف شحبير "بعد أن كنا نشتري طن الإسمنت من الأنفاق بحوالى 360 شيكل أي حوالى مائة دولار، اليوم يزيد سعره عن 500 شيكل". ويستذكر أنه في خلال الحصار في العامين 2007 و2008 وصل سعر طن الإسمنت إلى 1500 شيكل، واضطرّ إلى إغلاق مصنعه لما يزيد عن عام ونصف العام.

وفي إطار المعاناة ذاتها، يشير المدير التنفيذي لاتحاد الصناعات الإنشائيّة فريد زقوت إلى أنهم مسؤولين في الاتحاد عن كلّ مصنع أو منشأة في القطاع الخاص تهتمّ بصناعة الإسمنت والبلاط والرخام والإسفلت، موضحاً أن حوالى 450 مصنعاً توقّف معظمها عن العمل والبقيّة راحت تعمل بطاقة إنتاجيّة لا تتعدّى 20% خلال الأسبوعَين الأخيرَين، بسبب توقّف الأنفاق عن العمل بعد أزمة مصر.

يضيف في لقاء مع "المونيتور" المونوتر أن الأزمة تتفاقم بشكل كبير بخاصة وأنها تترافق مع عدم دخول الوقود لتشغيل الآلات والمولدات الكهربائيّة عند انقطاع التيار الكهربائي. ويوضح أن هذا سيؤدّي إلى خسائر كبيرة ستصل إلى مئات ملايين الدولارات، وسيتكبّد معظمها القطاع الخاص الذي ينفّذ المشاريع الدوليّة والذي يملك استثمارات في المباني السكنيّة.

ويتوقع زقوت ازدياد الطلب على الإسمنت مع استمرار الأزمة، في ظل عدم وجود عرض، الأمر الذي من شأنه أن يرفع الأسعار بشكل كبير ويعكس حالة الشلل في قطاع الإنشاءات وعلى كافة أنشطته كمصانع إنتاج الإسمنت الجاهزومعامل إنتاج البلاط ومجال المقاولات والدهان والأخشاب الألومينيوم والديكورات، ما يعني بطالة عشرات الآلاف من العمّال.

وبقول إن إغلاق مصانع الإسمنت الجاهز ترك أكثر من 3500 عامل من دون عمل، داعياً اللجنة الرباعيّة والاتحاد الأوروبي إلى التدخّل لإيجاد منافذ أخرى كالضغط على إسرائيل لتسمح بدخول مواد البناء عبر المعابر المشتركة معها، لافتاً إلى أن إسرائيل تمنع دخول جميع المواد الخام للبناء ما عدا مادة "البيسكورس" التي تستخدم في رصف الطبقة التحتيّة للشوارع، وهي تسمح بدخول حوالى 800 طن منها يومياً.

ويوافقه القول رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيّين نبيل أبو معيلق الذي يوضح  أن إسرائيل ما زالت تضع قائمة المواد الخام للصناعات الإنشائيّة كالإسمنت والحديد في خانة الممنوعات منذ العام 2007، ولا يتمّ إدخالها إلا لبعض المؤسّسات الدوليّة كوكالة الأمم المتّحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين في الشرق الادنى "الأونروا" وذلك لاستكمال مشاريع البناء التي تقوم بها عبر معبر كرم أبو سالم. ويبقى أن قطاع غزّة يعتمد بشكل كلي على الأنفاق في هذا المجال.

يضيف أنه من خلال هذه الأنفاق كان يدخل القطاع يومياً حوالى أربعة آلاف طن من الإسمنت، أما الآن فيدخله بضع مئات من الأطنان في حين أن حاجة القطاع اليوميّة تقدّر بخمسة آلاف طن من الإسمنت. وقد عطّل ذلك عمل شركات المقاولات في قطاع غزّة بنسبة 80%.

ويشير أبو معيلق أنهم كاتحاد مقاولات رفعوا توصيات خلال الأيام العشرة الماضية إلى كل من القنصليّة الأميركيّة والاتحاد الأوروبي واللجنة الرباعيّة، ناشدوها فيها حلّ الأزمة والضغط على الجانب الإسرائيلي لفتح معابر القطاع كي يتمّ إدخال مواد البناء عبرها  وذلك كبديل عن الأنفاق. ويشدّد قائلاً "الجميع وعد بالتدخّل والآن نحن بانتظار الردّ".

يتابع أبو معيلق حديثه قائلاً إن أهمّ المشاريع الإنشائيّة المتوقّفة حالياً تتمثّل في المشاريع التي تموّلها اللجنة القطريّة لإعادة إعمار القطاع بعد الحرب، بالتنسيق مع حكومة غزّة ومعظمها في البنى التحتيّة كالشوارع التي انتهت المرحلة الأولى من العمل في جزء كبير منها.

وأوضح أنهم في اتحاد النقابات شرحوا الأمر للجنة القطريّة وطالبوا بتأجيل طرح مناقصات بقيّة المشاريع، وذلك بسبب ارتفاع الأسعار وقلّة مواد البناء، لافتاً إلى أن المشاريع التي تم تأجيلها هي مستشفى حمد ومدينة حمد السكنيّة وشارع الرشيد على امتداد شاطئ البحر.

في نهاية المطاف، رجع جميع عمّال البناء في مشروع مدرسة "محفوظ النحناح" إلى منازلهم بعد أن انتظروا بفارغ الصبر مجيء أي سيارة نقل ثقيلة قد تكون محمّلة بالإسمنت..هم كانوا يأملون أن تمتلئ جيوبهم آخر النهار بما يستطيعون به سدّ احتياجات عائلاتهم التي تزيد في شهر رمضان.

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles