تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

معركة القصير: تعميق المأزق أم تسهيل الحل؟؟

Lebanese and Syrian supporters of Syria's President Bashar al-Assad, celebrate in Qusair June 9, 2013, after the Syrian army and Lebanese Hezbollah fighters took control of the town from rebel fighters in this handout photograph released by Syria's national news agency SANA. REUTERS/SANA/Handout via Reuters (SYRIA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. FOR EDITORIAL USE ONLY. NOT FOR SALE FOR MARKETING OR ADVERTISING CAMPAIGNS. THIS PICTURE IS DISTRIBUTE

قد تكون النتائج السياسيّة لسقوط مدينة القصير السوريّة في أيدي القوّات الموالية لبشار الأسد مدعومة من مقاتلي حزب الله اللبناني بالأهميّة نفسها لنتائجها العسكريّة، إن لم تكن أكثر عمقاً وفاعليّة في المدى الزمني الآتي وأوسع انتشاراً في الرقعة الجغرافيّة والسياسيّة المعنيّة بالصراع الدائر في سوريا وعليها. لا بل يمكن القول أن ثمة توازياً بين النتيجتَين العسكريّة والسياسيّة. فإذا كانت هذه المعركة قد فتحت طريق الأسد صوب حمص وحلب وصولاً إلى الحدود مع تركيا، فهي فتحت أيضاً طريق موسكو إلى لعب دور أكثر حسماً ووزناً في مفوضات التسوية الممكنة للأزمة السوريّة. وكما أمّنت هذه المعركة التواصل الجغرافي بين دمشق والساحل السوري منطقتَي النفوذ الأساسيّتين للنظام، كذلك أمّنت التواصل على المستوى الدولي بين أدوار كلّ من موسكو وطهران على الساحة السوريّة، إنضاجاً للحلّ الملائم لحسابات الإثنتين.

عسكرياً، يمكن القول أن هزيمة المعارضة في القصير جاءت في أسوأ توقيت لها. ذلك أنها تزامنت مع خلافات داخل أجسام تلك المعارضة بدأت تخرج إلى العلن، وكذلك مع ظهور "جبهة النصرة" كطرف أساسي فيها، مع ما لذلك من نتئاج سلبيّة على تلك المعارضة على مستوى المزاج السوري العام وعلى مستوى الرأي العام الدولي والغربي خصوصاً.

كذلك سياسياً، جاءت هزيمة القصير في توقيت سيئ جداً للقوى المناوئة لحكم الأسد. يكفي أن نستعرض أوضاع كلّ القوى الدوليّة التي شكّلت الحاضنة الخارجيّة للمعارضة السوريّة طيلة حربها المستمرّة منذ أكثر من 27 شهراً: سقطت القصير فيما الإدارة الأميركيّة تعيش حالة انكفاء واضح عن المسألة السوريّة. هو انكفاء قد لا يكفيه انتقال سوزان رايس من نيويورك إلى واشنطن لتغيير اتجاهاته في مدى زمني قريب، أو في شكل قادر على تعديل موازين القوى على الأرض. وسقطت القصير فيما أوروبا تتكلم عن المقاتلين "الجهاديّين" من جنسيات أوروبيّة إلى جانب المعارضة في سوريا، أكثر مما تتكلم عن دعم تلك المعارضة في سوريا. حتى أن وزير الداخليّة الفرنسيّة مانويل فالز تحدّث قبل يومَين عن مخاطر عودة هؤلاء إلى دولهم الأوروبيّة، بلهجة يشتمّ منها رغبة أوروبيّة بعدم عودة هؤلاء إطلاقاً، أياً كان شكل "عدم العودة" تلك. وسقطت القصير فيما رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يواجه معارضة داخليّة متعدّدة الطبقات المولّدة لها. معارضة تركيّة للسلطان النيو-عثماني الجديد، فيها صراع العلمانيّين مع الإسلاميّين. وفيها صراع الطبقة السياسيّة التاريخيّة المتركّزة في المدن من إسطنبول وأنقره وإزمير، مع الطبقة الجديدة الآتية مع "حزب العدالة والتنمية" من الأناضول. وفيها صراع الإثنيات التركمانيّة مع الكرديّة والعلويّة. لكن فيها أيضاً صراع الذين يرفضون تورّط تركيا في سوريا، مع الذين راهنوا على هذا التورّط كمفتاح لبوابة الإمبراطوريّة التركيّة الجديدة صوب الشرق الأوسط. وهو عامل كاف لتعديل الخيارات التركيّة أياً كانت التسوية بين أردوغان ومعارضيه، فضلاً عن تغيير الأولويات التركيّة والاهتمامات الآنيّة والانشغالات الحاليّة للحكم في أنقره. وسقطت القصير أيضاً وأيضاً، فيما السعوديّة تعيش حالة جمود واضح في سياستها الخارجيّة. قد تكون له أسباب عدّة، ليس أقلها صحّة الحكم فيها، المرتبطة بصحّة حكامها الثمانينيّين وانهماكهم بمحاولة إنجاز انتقال هادئ لمراكز السلطة في قاعدة النظام، من الجيل الثاني من أبناء مؤسّس السعوديّة عبد العزيز، إلى الجيل الثالث. وسقطت القصير فيما الدور القطري بات موضع انتقاد عارم. بعض الدول الخليجيّة تنتقده على خلفيّة صراع "الإخوان المسلمين" الذين تدعمهم الدوحة، مع السلفيّين والتيارات الإسلاميّة الأخرى المدعومة من الرياض وأبو ظبي. وثمّة رأي عام عربي ينتقده أيضاً في دول أخرى مثل القاهرة. وذلك وصولاً إلى انتقاد الأدوار الماليّة لتلك الدولة الخليجيّة الصغيرة، في عدد من العواصم الأوروبيّة المهجوسة بمشاعر الإسلاموفوبيا وسيطرة البترو دولار على مرافقها ومصالحها الوطنيّة، بما تحمله هذه الأدوار في أوروبا من موجة ملاحقات لرجال السياسة المتورّطين بتهم فساد مالي في تلك الصفقات.

كلّ هذه المكوّنات تجمّعت لتشكّل مشهد ما بعد سقوط القصير. وهو مشهد قد يعتقد البعض أنه يزيد من  صلابة جدار المأزق السوري، فيما يرى البعض الآخر أنه يفتح ثغرة في هذا الجدار. المأزق، يمكن تصوّره فيما لو صحّت التوقّعات حول رفض المعارضة السوريّة الذهاب إلى أي تفاوض، على وقع الموازين العسكريّة والسياسيّة الناتجة عن هزيمة القصير. بمعنى أن تعلن أطراف المعارضة السوريّة امتناعها الآن عن إكمال البحث في انعقاد مؤتمر جنيف-2، ورهانها على تحقيقها انتصاراً عسكرياً ما في أي موقع سوري آخر، بما يحسّن ظروف جلوسها إلى طاولة البحث عن الحلول. علماً أن رهاناً كهذا قد يُدخل المعارضة في مأزق فعلي. فماذا لو تتالت بعد القصير سلسلة من الهزائم العسكريّة الأخرى. وهو ما يتوقّعه الحكم في دمشق ويعمل له على الأرض، من ريف حمص والغوطة الشرقيّة في دمشق وصولاً إلى حلب. عندها يصير انتظار المعارضة بحثاً عن تعويض خسارتها، نوعاً من مراكمة للخسائر، على طريقة لاعب البوكر السيئ الحظ والمشرف على الإفلاس.

أما الثغرة التي يمكن لمعركة القصير أن تفتحها، فتتمثّل في ذهاب الدول المعنيّة بالحرب السوريّة إلى توسيع نطاق سعيها إلى إنهاء تلك الحرب. بمعنى أن تؤدّي القصير إلى قبول إيران شريكاً ضرورياً في جنيف-2 وإلى طرح كلّ الملفات في ذلك المؤتمر، بعضها علناً على الطاولة، وبعضها الآخر عبر القنوات السريّة الخلفيّة. فتكون قناة للملف النووي الإيراني، وقناة أخرى لخارطة مناطق النفوذ الأميركي الروسي الجديدة، وقناة ثالثة ربما لخريطة كل المنطقة، بعدما تأكّد الجميع أن قرناً كاملاً من مشهد سايكس بيكو في الشرق الأوسط صار كافياً لإعلان انتهاء صلاحيّة هذا الاتفاق وبدء البحث عن اتّفاق جديد.

معركة القصير، تعميق للمأزق أو تسهيل لثغرة الفرج؟ إنها الإشكاليّة التي لا يمكن حسمها، إلا على ضوء ما كان يردّده جورج كليمنصو من "أن الحرب مسألة أكثر خطورة من أن يُعهد بها إلى العسكر"، فكيف إلى مجموعات من المسلحين!