عُرِف العراق منذ زمن بعيد بتنوعه العرقي والديني مما شكّل فسيفساء قل ما ظهر مثله في مكان آخر. فقد نقل الكتاب المقدس قصصاً عن أقوام وملل عراقية وضعت بصماته في تركيبة العالم القديم، وقد كان منطلقاً لابراهيم أبوالأديان التوحيدية، وكان البوابة لانتشار المسيحية باتجاه الشرق، وقد ظهر فيه مئات المذاهب والمدارس الفكرية والمعتقدات المزيجة بين تراث الشرق والغرب.
تاريخ وحاضر المكونات العراقية غير المركزية
احتفظ العراق بمعظم تراثه القديم الى اوائل القرن المنصرم، فكانت الصابئة المنبثقة من أعماق التاريخ البعيد بلغتها وثقافتها النادرة، واليهود المحافظين على تراثهم العبري منذ 2600 سنة، والكلدان والآشور اللذان جمعتهما الديانة المسيحية بعد ألفيات من النزاع والقتال بإضافة الى الأرمن وعدد آخر من المذاهب المسيحية، والأيزيدية النموذج الوحيد المتبقي من الديانات الثنوية القديمة والتي إختلطت بالتصوف الإسلامي والتراث الكردي عبر الزمن، والبابية والبهائية اللتي نشأت وترعرت في العراق وانتشرت منها الى العالم. وأضف عليه عدداً متنوعاً من المذاهب الشيعية من الشيخية والاخبارية وغيرهما وعدداً ملحوظاً من المدارس الصوفية السنية من القادرية والنقشبندية والكَسْنَزانية وغيرهم. وقد كرّست مجلة "مسارات" جهودها عبر ثماني سنوات من النشر في التعريف بتلك المكونات ومعرفة قضاياهم والتحديات التي يواجهونها في ظل سلطة الأكثرية.
لم تواجه تلك المكونات ما يسمى بخطر الانقراض إلا حين تصاعدت الأيدئولوجيات القومية والدينية عبر دومينو الثورات من منتصف القرن الماضي. فحين ابتدأت صناعة الهوية الأحادية على أساس القومية العربية او الديانة الإسلامية، واجهت المكونات وعلى غفلة من أمرها أنها أصبحت أقليات مهددة قد تمّ انفصالها عن الهوية المركزية للعراق ليسهل فيما بعد تقطيعها وتهجيرها بسهولة، إثر فشل المجتمع العراقي والسلطة السياسية في بناء الأمة العراقية. هذا ما ناقشه علي طاهر في كتابه "العراق من صدمة الهوية الى صحوة الهويات "
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.