تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المجلس العراقي لحوار الاديان: محاولة جريئة لحماية الأقليات

Iraqi Muslim worshippers pray during a joint Sunni-Shi'ite Friday prayer at the Martyrs Monument in Baghdad May 24, 2013. Iraqi Prime Minister Nuri al-Maliki has called to establish unified Friday prayers between Sunnis and Shi'ites in Baghdad, after attacks on Sunni and Shi'ite mosques in recent weeks.   REUTERS/Thaier al-Sudani (IRAQ - Tags: RELIGION CIVIL UNREST) - RTXZZ1S

عُرِف العراق منذ زمن بعيد بتنوعه العرقي والديني مما شكّل فسيفساء قل ما ظهر مثله في مكان آخر. فقد نقل الكتاب المقدس قصصاً عن أقوام وملل عراقية وضعت بصماته في تركيبة العالم القديم، وقد كان منطلقاً لابراهيم أبوالأديان التوحيدية، وكان البوابة لانتشار المسيحية باتجاه الشرق، وقد ظهر فيه مئات المذاهب والمدارس الفكرية والمعتقدات المزيجة بين تراث الشرق والغرب.

تاريخ وحاضر المكونات العراقية غير المركزية

احتفظ العراق بمعظم تراثه القديم الى اوائل القرن المنصرم، فكانت الصابئة المنبثقة من أعماق التاريخ البعيد بلغتها وثقافتها النادرة، واليهود المحافظين على تراثهم العبري منذ 2600 سنة، والكلدان والآشور اللذان جمعتهما الديانة المسيحية بعد ألفيات من النزاع والقتال بإضافة الى الأرمن وعدد آخر من المذاهب المسيحية، والأيزيدية النموذج الوحيد المتبقي من الديانات الثنوية  القديمة والتي إختلطت بالتصوف الإسلامي والتراث الكردي عبر الزمن، والبابية والبهائية اللتي نشأت وترعرت في العراق وانتشرت منها الى العالم. وأضف عليه عدداً متنوعاً من المذاهب الشيعية من الشيخية والاخبارية وغيرهما وعدداً ملحوظاً من المدارس الصوفية السنية من القادرية والنقشبندية والكَسْنَزانية وغيرهم. وقد كرّست مجلة "مسارات" جهودها عبر ثماني سنوات من النشر في التعريف بتلك المكونات ومعرفة قضاياهم والتحديات التي يواجهونها في ظل سلطة الأكثرية.

لم تواجه تلك المكونات ما يسمى بخطر الانقراض إلا حين تصاعدت الأيدئولوجيات القومية والدينية عبر دومينو الثورات من منتصف القرن الماضي. فحين ابتدأت صناعة الهوية الأحادية على أساس القومية العربية او الديانة الإسلامية، واجهت المكونات وعلى غفلة من أمرها أنها أصبحت أقليات مهددة قد تمّ انفصالها عن الهوية المركزية للعراق ليسهل فيما بعد تقطيعها وتهجيرها بسهولة، إثر فشل المجتمع العراقي والسلطة السياسية في بناء الأمة العراقية. هذا ما ناقشه علي طاهر في كتابه "العراق من صدمة الهوية الى صحوة الهويات "

إبتدأت عملية نبذ الأقليات من اليهود في ما تسمى بعملية "الفرهود " إثر اجتماع المصالح السياسية لأطراف داخلية وخارجية والجهل العارم بين العامة، إذ قامت جماعات غاضبة بأعمال عنف ونهب ضد اليهود مما خلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى منهم وتدمير عدد كبير من بيوتهم وممتلكاتهم، فابتدأت الهجرة الى أن إنتهى الأمر الى اسقاط الجنسية العراقية عنهم ومصادرة أموالهم سنة 1950. ويعتقد الباحث الآكاديمي العراقي حيدر سعيد أن هذه المرحلة هو المنعطف الأساسي لتحجيم الهوية العراقية، والتي ظهرت إثرها سلسلة من التهجيرات والتسفيرات لمكونات أخرى. ويؤكد الأخير أن تصحيح المسار تجاه الأقليات الدينية والعرقية لن يتم في العراق قبل الاعتراف بخطيئة الفرهود والشعور بالإعتذار في الوعي الاجتماعي تجاه يهود العراق، وإعاة حقوقهم اليهم.

إستمرت عملية نبذ الهويات غير المركزية لتشمل البهائيين رسمياً في مجموعة من القرارات الرسمية في أعوام 1974-1975 لتجردهم من ممتلكاتهم وتمنعهم من ممارستهم لدينهم واخيرا الحكم بالاعدام  لمن ينتمي اليهم ما دفعهم للانغلاق التام تجاه المجتمع او الهجرة الى الخارج، حسب دراسات متعددة منها ما نشر ضمن كتاب "الأقليات في العراق: الذاكرة، الهوية والتحديات" والذي خصص فصلاً مستقلاً بهم لأول مرة في دراسات من هذا النوع. وقد رافق ذلك زمنياً عمليات تسفير جماعي للعراقيين من أصول ايرانية في دورات متتالية وسحب ممتلكاتهم ضمن عملية فرهود ثانية.

وتوالت الأحداث بعد سقوط صدام ليس لصالح الأقليات إثر صعود التيارات الطائفية والتي اتفقت - رغم اختلافهم فيما بينهم - ضدّ الأقليات. فحصلت عملية تصفية المناطق المختلطة من الغرباء، وتمّت عمليات ارهابية متعددة ضدّهم أهمها حادثة كنيسة سيدة النجاة التي راح ضحيتها اكثر من 50 قتيلاً عام 2010، مضافاً الى اعتداءات متكررة على محلات وبيوت الصابئة، مما إنتهي بالأمر الى نقص عددهم بشكل ملفت للنظر بعد الانعدام شبه المطلق الذي واجهته اليهود والبهائية قبل عقود. ورغم كل ذلك، يعتقد سعد سلوم، رئيس مؤسسة مسارات أن ما زال هناك بصيص أمل، إذ العراق لا يزال يحتفظ بعدد قليل من اليهود، يتخمن عددهم 100 نفر حسب الاحصائية التي قامت به مؤسسته، وما زال للبهائيين حضور ولو تحت ستر التقية، ناهيك عن المسيحيين والصابئيين والديانات العراقية الأخرى المقيمين في البلد رسمياً؛ فيجب العمل وتكثيف الجهود على حمايتهم والاحتفاظ بهم ضمن الفسيفساء العراقي.

خلفيات تأسيس المجلس العراقي لحوار الاديان

قامت جهود متنوعة وفي ظل التحديات المذكورة للحفاظ على التنوع القومي والديني في العراق والدفاع عن الاقليات تجاه ما يواجهونه من تحديات مصيرية. لقد كرّست مؤسسة مسارات جهودها الاعلامية والبحثية في مجال الأقليات وأنتجت عدد من الأفلام الوثائقية أهمها "أقلية في خطر " والدراسات المنشورة، آخرها وأهمها كتاب الأقليات في العراق، السابق ذكره والمنشور باللغتين العربية والانجليزية.  ويعتبر الكتاب دليلاً شاملاً لوضع الأقليات الدينية في العراق في العقود الأخيرة.

ولقد ركزت مؤسسة الإمام الخوئي، فرعها في العراق، جهوداً مكثفة من القيام بندوات ومشاركة فعالة في المؤتمرات العالمية لتسليط الأضواء على خطر الانقراض الذي تواجهه الأقليات التي كانت أصحاب البلد في الماضي، حسب تعبير السيد جواد الخوئي الأمين العام لمؤسسة الامام الخوئي.

وأدّت الجهود المبذولة الى تأسيس عدد من الفعاليات المشتركة بين شخصيات ومؤسسات ذات انتماءات دينية مختلفة، منها: مجلة أطياف المختصة بالهوية العراقية برئاسة تحرير مشترك بين أكاديمي مسلم ومسيحي. وقامت مؤسسة أطياف بعقد إجتماعات بين المؤسسات الدينية والأكاديمية المختصة بالاقليات، أهمها في النجف باستضافة مؤسسة الإمام الخوئي عام 2011 بحضور كبار رؤوساء المكون المسيحي وعدد من الشخصيات الاسلامية والأكاديميين العراقيين المختصين بالموضوع، منهم: المطران جان بنيامين سليمان: رئيس الطائفة اللاتينية في العراق ورئيس لجنة حوار الاديان في مجلس اساقفة العراق، الاب امير ججي: ممثل الرئيس الاقليمي للاباء الدومنيكان في العالم العربي ورئيسهم في بغداد، ورؤوساء الكنيسة الانجليكانية والأرمنية في العراق، وقد شاركت مؤسسة مسارات بشكل فعال، واستمرت اللقاءات المتبادلة. وقد إنتهت الفعاليات الى اعلان تأسيس "المجلس العراقي لحوار الاديان " في تاريخ 14/3/2013 وقد إنضمت الطائفة الصابئية الى المجلس وهو في حال توسيع الاتصالات ليغطي جميع المكونات العراقية تحت مظلته.

ويعتبر المتابعين لشأن العلاقات والنزاعات الدينية في العراق أن المجلس يختلف عن نظائره السابقة إذ تجاوز اسلوب التجاملات والبيانات الضبابية، وقد دخل مباشرة في صميم المشاكل بين الأديان متبنياً منطلقات حقوق الانسان العالمية والمساواة المطلقة وفي كل الجهات لجميع الاديان والمذاهب دون تفريق وتأويل، مما يجعله قابلاً للتعويل وقادراً على تحقيق أهدافه وخاصة أنه يتضمن شخصيات ذات نفوذ اجتماعي واسع النطاق؛ حسب ما أدلى به خوشابا حنا الشيخ، رئيس تحرير مجلة أطياف.