تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قم والنجف: قلق متبادل وتنافس في الزعامة

هناك قلق متصاعد في قم من استيعاد النجف مكانتها التاريخية وسحب فراش السلطة الدينية من تحت أيديها بعد ما تصدرت الرئاسة الدينية لطائفة الشيعية لمدى ثلاثة عقود.
Iraqi Shi'ite al Hawza cleric Sheikh Jassim Al-Saidi prays in a Baghdad
mosque June 3, 2003 after being released from detention by U.S. forces.
Al-Saidi said that he had been accused of instigating violence towards
American forces occupying Iraq. REUTERS/Faleh Kheiber REUTERS

CLH/ - RTROS2A

لم يسبق في تاريخ الشيعة أن يحظى أحد حوزاتها موقعاً مركزياً للطائفة كلها حيث تستقطب إهتمام التجمعات الشيعية في أقصى انحاء العالم وتنتج الفكر الرسمي الشيعي لمدى قرون، مثل ما حدث لحوزة النجف في القرون الثلاثة الاخيرة؛ فكانت فاتيكاناً للشيعة، تصدر منها أهم القرارات المصيرية للطائفة وتحولت المدارس الدينية الأخرى فروعاً لها يرأسها علماء خريجين من النجف، فأصبحت مؤسسة رسمية ذات فروع وارتباطات واسعة النطاق تدير الشأن الديني وقسماً كبيراً من الشأن الاجتماعي والسياسي للطائفة الشيعية. هذا كله قبل افول نجم حوزة النجف إثر الضغوط السياسية التي واجهتها في عهد صدام؛ وقد تزامن ذلك مع انتصار الثورة الدينية في ايران مما سبب انتقال قسم كبير من المخزون الانساني والرأسمال الرمزي للطائفة الشيعية الى قم، بعد ما كانت مجرد فرع للنجف تمهد الطلاب في المراحل الابتدائية للدروس الدينية للالتحاق بالنجف لاحقاً.

وقد ظهرت الملامح الاولية للصراع بين المدرستين قبل ذلك، حين انتقل الخميني الى النجف منفياً من ايران، إثر اشتعال الجذوة الأولى من الثورة في منتصف القرن الماضي. وفي أول لقاء جرى بين الخميني والسيد محسن الحكيم الذي كان المرجع الحصري للشيعة آنذاك، وصف الحكيم طريقة الخميني بالمتهورة وردّ عليه الأخير بوصف سلوكه الاجتماعي والسياسي بالمتهاون. ولم يحظ الخميني باهتمام محوري في النجف، وقد بدأ تدريجياً ملامح صراع بين اتباعه الثوريين والتيار النجفي التقليدي والذي قد ترأسه السيد ابوالقاسم الخوئي بعد وفاة الحكيم.

إستمر النزاع في قم بشدة اكثر بعد انتصار الثورة وهجرة عدد كبير من علماء النجف الى قم اثر تسفيرهم من العراق او هروبهم من الضغوط السياسية، حيث كان يعتبرهم الخطاب الرسمي السياسي في الحوزة بأنهم طبقة متحجرة ومتخلفة ليس لديها رؤية سياسية واجتماعية؛ وقد اتهمهم الخميني في خطاباته الكثيرة لعلماء الحوزة بعناوين موهنة نحو: الاسلام الامريكي، وعاظ السلاطين، العلماء العملاء المترائين المتحجرين الحمقى، الأفاعي في الحوزة العلمية وغير ذلك مما يبين شدة الصراع بين الاسلام السياسي والاسلام المحافظ الذي كان يمثله كل من قم والنجف.

ويعتبر اصرار الموقف الرسمي الايراني لتعيين مراجع تقليد قميين بعد وفاة الخميني، نوع من التمسك على المكاسب التي حصلت عليها قم في التنافس مع النجف؛ بجانب التخوف من خسرانها اثر وجود طبقة متنفذة من علماء الشيعة النجفيين من جيل السيد ابوالقاسم الخوئي وتلامذته في الوسط الشيعي. وعليه حذّر الشيخ جنتي كبير خطباء الجمعة في طهران، بعد وفاة السيد الخوئي مما سّماه اخراج المرجعية من ايران مشيراً الى السيد السيستاني الذي كان أكثر المحظوظين بالحصول على خلافة استاذه الخوئي. ورغم تخفيف الصراع اثر الموقف الحكيم للمشرف على مكتب السيستاني في قم، السيد جواد الشهرستاني بسبب صرفه اموالاً هائلة ودعم حوزة قم بتاسيس مؤسسات عملاقة ذات حضور عالمي واقليمي، ما زال التخوف من النجف استمر بوصفه جسماً غريباً عن كيان قم قبيل سقوط صدام؛ ونموذجا يمكن الاشارة الى اعتقال السيد جعفر الصدر ابن السيد محمدباقر الصدر في قم فور وصوله من العراق بوصفه ممثلا للسيد محمد الصدر بسبب تخوف النظام الايراني من الاخير واتهامه بالتعاون مع نظام صدام، والذي أدي أخيراً الى منع السيد جعفر من العمل السياسي اطلاقا واغلاق مكتب الصدر نهائيا في قم.

وبعد سقوط صدام، انتقل القلق من قم الى النجف، حيث بدأت ايران بضخّ اموال هائلة في النجف وبعث عدد من ممثلين حوزة قم للنجف للتاثير في سياقاته الاجتماعية والفكرية المحافظة وبناء جيل جديد من العلماء متوافقين مع رؤية قم السياسية الموالية لفكرة ولاية الفقيه. ففتح خامنئي مكتباً رسمياً في النجف وبدأ يصرف رواتب عالية للطلاب، وعين خامنئي الشیخ محمد مهدی الآصفي ممثلاً رسمياً له في النجف وقام الأخير بفتح مكتبه الرسمي قريباً من بيت السيد السيستاني ما أثار حفيظة الأخير مما أدى الى تغيير المكان والتقليل من حجم فعاليات مكتب الخامنئي. وأيضا هناك محاولات ايرانية للتخطيط لمرجعية ما بعد السيستاني بدعم شخصيات موالية لها كالسيد محمود الهاشمي، رئيس القضاء الايراني سابقاً والذي نُقل تهديدات من المالكي بخصوص دعم الاخير كمنافس لمراجع النجف في حال اصرارهم على نقد المالكي.

ويعتبر الوسط المحافظ في النجف إن خريجين قم يهتمون الى الامور الدنيوية كثيراً ولهم مطامح سياسية وهم أقل درجة فقهياً ودينياً من أمثالهم النجفيين. ومن جهة أخرى يعتبر الإقبال المتصاعد من قبل العلماء النجفيين من اصول عربية نحو التصدي للمرجعية والتفوق في سلسلة المراتب الحوزوية، نوع من التنافس مع القومية الايرانية التي كانت تتمسك بالمرجعية الشيعية في اغلب الأحيان.

وأخيراً من المتوقع أن تؤدي العومل المذكورة الى انشقاق اكبر بين قم والنجف مما سينتهي الى تأسيس قطبين مستقلين للشيعة من شأنه أن يؤسس قراءتين مختلفتين تماماً عن التشيع في المستقبل غير البعيد، حيث يلعب العامل السياسي والاجتماعي دوراً حاسماً في ذلك.