تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في حديقة حيوانات غزة: أطفال يتمنون رؤية الفيل والزرافة

Shadows of people are cast against the water as a crocodile enters its enclosure at a zoo in the northern Gaza Strip November 6, 2012. A crocodile on the run from a Gaza zoo for the past 18 months has finally been captured, police said on Tuesday.The 1.8 metre (6 foot)-long reptile was spotted several weeks ago in sewage pools in the northern Gaza Strip, and villagers complained he had been eating their livestock. Police called in fishermen, who netted the crocodile on Monday. REUTERS/Ahmed Zakot (GAZA - Ta

صوت اللبؤة أثار الرعب والفرحة معا على وجوه الأطفال الذين يزورون حديقة "غابة الجنوب" في خان يونس، فقد ركضوا إلى قفصها بمجرد أن بدأت اللبؤة بالزئير، يسألون بصوت مرتفع: هل هي جائعة؟، أحد عمال الحديقة محمد كوارع أجاب الأطفال نعم، ولكنه همس للكبار: انه موسم التزاوج، ولا يوجد أسد يؤنس وحدتها.

وتمتد حديقة حيوانات "غابة الجنوب" التي تم انشائها عام 2007 على مساحة ثمانية آلاف متر مربع جنوب قطاع غزة، وكان فيها بوقت سابق أسد ولكنه قُتل في ظروف الحرب الأولى 2008-2009، بعض عمال الحديقة يقول لأنه لم يتم اطعامه طوال فترة الحرب التي استمرت أكثر من عشرين يوما، وآخرين يقولون أنه أكل شيئا ساما، والنتيجة أن اللبؤة وحيدة منذ اكثر من أربع سنوات.

الطفلة نور عياد(10سنوات) التي تقف أمام قفص الثعالب تتمنى لو ترى الفيل أو الزرافة يوما في حديقة حيوان بغزة، وليس الذئاب أو القرود أو القطط أو الأرانب التي تملأ كل حدائق الحيوانات التي زارتها مع عائلتها في القطاع.

صاحب الحديقة محمد عويضة والذي يشرف على كل تفاصيل الحديقة يقول للمونوتر أنه اشترى أسد كي يخفف من وحدة اللبؤة وهو ينتظر ادخاله إلى قطاع غزة منذ أكثر من عام حيث موجود في سيناء عند أحد معارفه، متابعاً أن إدخاله عبر الأنفاق الحدودية مع مصر سيكلفه ما يزيد عن العشرين ألف دولار بسبب المخاطر التي تصاحب إدخاله وأحدها افتراض الجهات المسؤولة أنه قد يستيقظ فجأة داخل النفق من المخدر كما حدث من قبل مع أحد الأسود حين هاجم العمال هناك، مبيناً أن حيوانات الحديقة تم جلبها عبر الانفاق ولكن معظمها كان صغيراً.

حديقة الحيوانات مرتبة ونظيفة وتمتلأ بالأشجار رغم أن المساحة المتروكة للحيوانات ضيقة للغاية، كما أن الحيوانات لا تبدو في أفضل أحوالها فهي معروضة في أقفاص صغيرة كما لو انها للبيع أكثر من كونها حديقة حيوانات فيها البيئة المناسبة طبيا ومناخياً.

عويضة صاحب الحديقة يؤكد أنه جلب الثعابين إلى الحديقة أربع مرات لكنها سرعان ما تموت بسبب عدم ملائمة البيئة لها، كما أن واحدة من أربع نعامات تمتلكها الحديقة ماتت بسبب إبرة طبية خاطئة من بيطري لا يعرف سوى علاج الدجاج.

الطفل سليمان مسمح (6أعوام) الذي يجلس مع عائلته على إحدى الطاولات الخشبية يقول أنه يتمنى أن يرى الفيل أو الزرافة أو الحمار الوحشي وشقيقه يوسف (5أعوام) يذكره بأن لا ينسى الزواحف، والداهما محمد مسمح (35عاما) يؤكد لهما أنه رأى الزرافة في حديقة حيوانات الجيزة في مصر بشهر يناير الماضي، واعدا بأن يأخذهما هناك يوماً ما.

استيراد فيل وزرافة إلى حديقة الحيوانات في غزة يعتبر أمر شبه مستحيل فشراء الزرافة يكلف ربع مليون دولار والفيل حوالي 120 ألف دولار، بحسب عويضة الذي يوضح أن هناك أشخاص أصبحوا أصحاب ملايين من تجارة الحيوانات غير الشرعية.

يجتمع الأطفال أمام حاجز حديدي مضاعف الحماية ويصرخون محاولين دفع التمساح الوحيد في الحديقة إلى التحرك معتقدين أنه ميت ولكن العامل هناك قام برشه بالماء فضرب التمساح بذيله بعنف وفتح فمه الكبير ما جعل الأطفال يصرخون ويبتعدون خوفاً ولكنهم سرعان ما ضحكوا وأقبلوا عليه مرة أخرى، يقول الطفل فضل شناعة(5أعوام) أنه ينتظر منذ أكثر من نصف ساعة كي يتحرك التمساح في البركة صغيرة وأخيرا تحرك فجأة واصفا إياه بالتمساح الغدار.

وحول الحمار الوحشي يبتسم عويضة وهو يتذكر صديقه صاحب حديقة حيوانات "مرح لاند" وقصته المشهورة حين قام بصبغ حمار أبيض بخطوط سوداء كي يبدو مثل الحمار الوحشي، وجذب إليه أنظار العالم، ولكن كل ذلك الاهتمام لم يساعد صديقه على الاحتفاظ بحديقته والتي أغلقت بعد شهور قليلة بسبب خسائر كبيرة، شارحا أن فتح حديقة حيوانات يعني مصاريف مرتفعة من عناية ونظافة ورواتب عمال وطعام للحيوانات، وهذا أكثر بكثير مما تدخله التذاكر التي هي أقل من دولار للشخص الواحد.

الصقر والطاووس وعدة أنواع من القرود وحيوان اللاما وغزال الريم والقطط والذئب والببغاء والنمر الأسترالي والنعامة كلها تراها في حديقة "غابة الجنوب"، ولكن أحيانا الأمور ليس كما تبدو، فهناك بعض الحيوانات تكتشف حين تقترب منها أنها محنطة فقد قام عويضة بتحنيطها لأنه لم يحتمل فراقها كالأسد والثعابين، ولكنه لم يستطع تحنيط الجمل الأمريكي لضخامته والذي توفي بعد أن عجز البيطريون عن علاجه.

"حديقة حيوانات غزة" والتي تقع على طريق صلاح الدين وتمتد على مساحة خمسة آلاف متر مربع هي الحديقة الثانية ضمن أربع حدائق للحيوانات في القطاع، والتي كانت بالسابق ستة، ولكنها أُغلقت نتيجة خسائر مادية أو موت أعداد كبيرة من حيواناتها.

مدير الحديقة محمد عليوة يقول للمونوتر أن "حديقة حيوانات غزة" تعتبر اول حديقة في القطاع وتم تأسيسها عام 2006، وقبل هذا العام كانت عبارة عن تماثيل في حديقة بمخيم الشاطئ إلى أن تم استيراد الحيوانات الصغيرة مع بداية عمل الانفاق على الحدود، ولكن الحيوانات الكبيرة بقيت عبارة عن تماثيل وتم بعدها نقل الحديقة إلى شارع صلاح الدين وتأسيس جمعية شذى المؤسسة لها باعتبارها مشروع غير استثماري، إلى أن قامت جمعية فرنسية بتمويل المشروع بشكل كامل وهكذا أصبح هناك أسد ولبؤة والعديد من الأنواع عام2006 لكن جاءت الحرب الأولى وتم تدمير الحديقة بشكل كامل.

وأضاف للمونوتر أن القصف الجوي ثم المدفعي أصاب بشكل مباشر الحديقة وقتل العديد من الحيوانات ومنها الجمل العربي الذي أصابه صاروخ طائرة زنانة مباشرة، وبعد الاجتياح البري دخل الجنود الحديقة وكان الأسد واللبؤة هربا إلى داخل دورة المياة، وهناك أغلق عليهما الجنود إلى أن انتهت الحرب، موضحا أنه بعد وصول العمال للحديقة وجدوا معظم الحيوانات ميتة من القصف أو افترس بعضها البعض، شارحاً أنه تم ترميم الحديقة لاحقاً ولكن بنسبة 60% مع غياب العديد من الحيوانات التي لم يتم تعويضها كالغزلان والزواحف.

أم محمد شاهين(36عاما) تتجول مع أبنائها محمد وايمان ومؤمن في الحديقة التي تفترشها الرمال وسط أقفاص حيوانات تبدو حزينة ولا تتحرك كثيرا، تحاول الأم التقاط صور يبدو فيها بعض الحيوية لكن ليس بتلك السهولة تقول: "هذه حديقة حيوانات ولا يوجد فيها أشجار كثيرة وأغلبها تراب، والحيوانات كئيبة والرائحة ليست جيدة فلا يوجد اهتمام كافي"، مؤكدة أنه على الجهات الرسمية الاهتمام بتأسيس مشروع لحديقة حيوانات كبيرة، بدل الأقفاص الفارغة التي تملأ المكان.

وليس بعيدا عن أم محمد شاهين يتجمع الأطفال حول قفص النسناس الذي يعتبر من أول الحيوانات التي تم إدخالها عبر الأنفاق الحدودية للحديقة ويرمون له الفستق ويقول أحدهم قيس ابو زيد (9 سنوات): " لو أن هناك شامبنزي كبير كالذي نراه في التلفزيون".

عليوة مدير الحديقة يقول للمونوتر أن الحيوانات الآن يتم شرائها من السوق السوداء بأسعار خيالية ولذلك من الصعب مع الامكانيات الضعيفة وعدم وجود دعم من جمعيات الحيوانات العالمية شراء الفيل أو الزرافة أو الحمار الوحشي أكثر الانواع التي يسأل عنها الأطفال والعائلات، مشيرا إلى صعوبة ادخالها من الأنفاق ومنعها عبر المعابر كذلك، ما يجعل وجود حديقة حيوانات حقيقية في قطاع غزة مشروع أشبه بالحلم يراود الأطفال قبل الكبار.

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles